عبدالغني السلماني
كانت العقيدة الإيرانية ولا زالت تعتمد على مزيج من الأيديولوجيا الشيعية الثورية (ولاية الفقيه)والبراغماتية الجيوسياسية، بهدف تصدير الثورة ومحاربة النفوذ الغربي حسب وَهْمِ الإدعاء ، حيث تتموقع إيران دولياً كقوة إقليمية عبر شبكة وكلاء ( ما يسمى محور المقاومة) لتعزيز الردع، كما تعتمد على تحالفات مصلحية مع روسيا والصين لكسر العزلة، معتمدة عقيدة "الدفاع الذاتي " والحروب بالوكالة. بكل أشكالها.
ونظرا لتداعيات الحرب واستمرارها مند 28 فبراير 2026 يبدو الوضع أكثر قتامة وخاصة أن العالم يترقب من بعيد ،من أجل البحث عن حل لأزمة مضيق هرمز وما أفرزه من ارتفاع في أسعار البترول في السوق العالمي .كيف نقرئ السياقات وفق آخر التطورات ؟ هده الورقة لفهم ما يدور وفق المتوفر من الأخبار والتحاليل القادمة من هنا وهناك دون تحامل جاهز أو تحامل مجاني يُحد من عزيمة الناس في الدفاع عن الكرامة والتراب.
قراءة في الأزمة:
يعتبر مَضيق هُرمُز، مجال مائي يربط الخليج العربي بخليج عمان. يمثل هذا المضيق الممر البحري الوحيد من الخليج العربي إلى المحيط المفتوح، ويُعتبر من أكثر نقاط الاختناق الاستراتيجية أهمية في العالم. تقع إيران على الساحل الشمالي للمضيق، بينما تقع شبه جزيرة مسندم على الساحل الجنوبي، والتي يشترك في إدارتها كل من الإمارات العربية المتحدة ومحافظة مسندم العمانية، وهي إقليم منفصل تابع لسلطنة عُمان. يبلغ طول المضيق حوالي 90 ميل بحري (167 كيلومترا)، ويتراوح عرضه بين حوالي 52 ميل بحري (96 كيلومتر) إلى 21 ميل بحري (39 كيلومتر). وهي مسافة شاسعة يحتاج إغلاقها نظرياً لجهد عسكري هائل. لكن الواقع الملاحي مختلف تماماً عن الخرائط؛ فناقلات النفط العملاقة وسفن الحاويات الضخمة تحتاج لعمق معين لا يتوفر إلا في مسارَين ملاحيَين، أحدهما للدخول والآخر للخروج، وبينهما منطقة عازلة لتجنب الاصطدام. يمر عبر المضيق نحو ثلث إجمالي الغاز الطبيعي المسال في العالم، مما يجعله موقعاً استراتيجياً ذا أهمية كبرى في التجارة الدولية.
العملية الأمريكية الحالية تأتي في سياق شديد الارتباك والتعقيد، يغلب عليها طابع التصعيد، خاصة في ظل وصول المفاوضات الجارية والمساعي المتعددة إلى طريق مسدود، دون بلوغ حل واضح؛ مع استمرار الحصار الأمريكي على الموانئ والمياه البحرية الإيرانية، وفي المقابل إصرار طهران على بسط تحكمها في مضيق هرمز. هذا الوضع يعكس رغبة واضحة من الولايات المتحدة الأمريكية في فرض أمر الواقع عبر ممارسة ضغوط إضافية ومكثفة على الجانب الإيراني.
فتأزّم الوضع في مضيق هرمز أفضى إلى إشكالات وخسائر ملموسة، تجلّت أساسا في إرباك حركة الملاحة الدولية وما نتج عنها من تأثير سلبي على أسواق النفط والغاز على المستوى العالمي، فضلا عن سيادة أجواء من الخوف والترقب، وتأخر العديد من السفن التجارية العابرة للمضيق.
الحرب التي لا تنتهي !:
منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، برز مضيق هرمز كمجال حيوي في نظر الرأي العام العالمي و كورقة ضغط رئيسية تستخدمها طهران لإجبار خصومها على التراجع، وفرض ضغوط اقتصادية وسياسية، كما أن إيران التي يمر نحو 90% من صادراتها النفطية عبر المضيق نفسه، أعلنت برغبتها في خنق الممر الذي يتدفق عبره أكثر من 20% من إنتاج النفط العالمي والغاز الطبيعي المسال، منذ الهجمات الإسرائيلية الأمريكية عليها في 28 فبراير2026.
رغم الانخفاض الحاد في تدفق السفن والناقلات عبر المضيق، تؤكد الأخبار القادمة جهة إيران أن المضيق ليس مغلقاً في وجه كل الدول، ربما يمنح فرصة لطهران لتصدير نفطها بسهولة، خاصة بعد قرار واشنطن رفع العقوبات مؤقتاً على بعض الشحنات الإيرانية.
كما يبقى المضيق في نظر المراقبين أكثر ضيقاً بالنسبة للغالبية العظمى من الناقلات العملاقة، ما يُبقي الأسواق في موضع ترقّب دائم بينما ترتفع كلفة الشحن والتأمين وكدا سعر الخام. وهدا ما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية بالبحث عن "تحالف لفتح المضيق"، يتضمن في خطوطه العريضة استهداف الأصول العسكرية البحرية والساحلية الإيرانية، ومرافقة سفن عسكرية للناقلات في رحلتَي الدخول والخروج. والبحث عن تأمين الملاحة التجارية العالمية وتجاوز لحظة التوتر دائم ، قصد الجواب عن تساؤلات استراتيجية مركبة حول مآل الاستقرار في أحد أهم الممرات المائية في العالم.
الدبلوماسية والحرب:
ثمّة إشكالات موضوعية وواقعية تفرض نفسها على وضعية مضيق هرمز اليوم، حيث إن غياب اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة حول الملاحة جعل الصراع ينتقل إلى مستوى تحقيق المواقع .فاقتراب القوات الأمريكية من الشواطئ الإيرانية تحت ذريعة حماية السفن التجارية يمثل تهديدا استراتيجيا مباشرا للإيرانيين، الذين يجدون أنفسهم في وضعية صعبة للرد، طالما أن هذه التحركات تتم في سياق تفاهمات وقف إطلاق النار القائمة.
فاستمرار التواجد الأمريكي على الحدود المباشرة للمضيق يتطلب ضمانات عسكرية قوية لبقائه، إلا أن جوهر النقاش الحالي يتمحور حول من يوفر سلاح الحصار؟ ومن يؤدي فاتورة الحرب؟
فاستمرار الحصار ومنع تدفق المقومات الاقتصادية الإيرانية عبر المضيق سيظل صاعقا لتجدد الصراع العسكري بين الطرفين، مما يجعل المعادلة شديدة التعقيد ؛ما لم يتم التوصل إلى اتفاق شامل وواضح يحدد قواعد اللعبة في هذا الممر الملاحي الإستراتيجي.
تمتلك إيران قطاعاً صناعياً عسكرياً منتشراً بطول البلاد، وعقوداً من الخبرة في التصنيع الحربي. وتركز صناعاتها الدفاعية على بناء وتشغيل مجموعة واسعة من الأسلحة المختلفة، مع مفاضلة مستمرة بين خفض الكلفة ورفع مستوى التقنية التي تمنح السلاح مزيداً من الدقة. ودلك على حساب القوت اليومي للمواطنين والعمل على الحد من كل فرص التنمية رغم المؤهلات التي تتوفر عليها إيران، ودلك بفعل تأثير العقوبات الدولية الضخمة المفروضة على اقتصادها .
رغم رهانها على إبقاء قدراتها في مجال التصنيع العسكري، خاصة المسيّرات والصواريخ باعتبارها المخالب الحقيقية الوحيدة التي تملكها والتي تحصن رمزيتها كدولة لها حضور في التاريخ والجغرافيا رغم عدم جاهزيتها في صيانة قواتها الجوية التي تعود إلى أواسط سبعينيات القرن الماضي.
إيران جغرافية الخوف:
تمثل إيران الجانب الشرقي بالكامل للمضيق، وتمتد سواحلها ذات التضاريس الجبلية من بداية الخليج حتى المحيط الهندي. وتتركز صادرات النفط الخليجية من العراق، والكويت، والسعودية، وقطر، والإمارات في المضيق الذي تشرف عليه جزر استراتيجية مثل قشم، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى. كما تمتلك طهران حزمة واسعة من الأصول العسكرية المُطلة على المضيق، من بينها عشرات الزوارق السريعة المسلحة، وغواصات صغيرة ومسيّرات تحت سطحية يمكن استخدامها لاستهداف السفن، فضلاً عن المدفعية والصواريخ.
الاعتماد الإيراني الأرجح هو "إغلاق انتقائي متعدد الطبقات"، وهو السيناريو الأكثر تعقيداً وواقعية. ويعني هذا السيناريو مزيجاً من السماح بمرور محدود لسفن معينة بعد تنسيق مع بعض الحلفاء لإظهار القدرة، مع تهديد الناقلات العملاقة والرغبة في تعطيل سير السفن وحركية الملاحة، فيما تحتفظ طهران بأوراقها مثل الألغام، التي تتنوع بين ألغام روسية، وصينية، وألغام محلية طوّرتها طهران عبر مصانعها على نماذج أجنبية، فضلاً عن مجموعات من ألغام أخرى المزودة بأجهزة أكثر تطوراً. مما يجعل إيران مستفيدة من الدعم الغير المباشر للصين وروسيا، وما واكبه من رفض دول عديدة من حلف شمال الأطلسي "الناتو"، والاتحاد الأوروبي المشاركة في هذه الحملة، من قبل العديد من الدول كندا، وأستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية. فيما أكدت الإمارات، أنها تدرس خيار الانضمام لتحالف دولي لفتح الملاحة.
رهان القوة:
بين مدّ وجزر وتمدد الحرب بأشكالها تارة وتوقفها تارة أخرى يجعل طموح واشنطن لفرض واقع ملاحي جديد يضمن تدفق الطاقة العالمي، وإصرار طهران على ممارسة سيادتها الكاملة على ما تعتبرُه مجالا يدخل ضمن نفودها الترابي، ليبرز من جديد “صراع الإرادات” الذي يزاوج بين الضغط الدبلوماسي والحشد العسكري.
هل تعتبر هده الخطوة مفتاحا لفك شفرة الأزمات العالقة مع خفض منسوب التوتر في ظل انسداد أفق المفاوضات؟ أم هو خيار آخر للعديد من الدول للانضمام إلى قوة عسكرية متعددة الأطراف لتحرير المضيق من قبضة طهران، وضمان استمرار تدفق الصادرات بشكل دائم يحافظ على استقرار ثمن النفط العالمي.