سوسان: الريف..أزمة الإنسان أم إرهاق التاريخ.. محاولة تفكير لا ادعاء يقين

سوسان: الريف..أزمة الإنسان أم إرهاق التاريخ.. محاولة تفكير لا ادعاء يقين فكري سوسان، أستاذ باحث

فالحديث عن الريف ليس أمراً سهلاً أو بريئاً دائماً. إنه مجال شديد الحساسية والتعقيد، تختلط فيه الذاكرة بالتاريخ، والسياسي بالنفسي، والواقعي بالرمزي. وأحياناً قد تكفي كلمة ناقصة أو قراءة متسرعة كي يتحول النقاش من محاولة للفهم إلى سوء فهم جديد.
ولهذا لا يكتب المرء عن الريف بكثير من اليقين، بل بكثير من الحذر أيضاً.

لم يكن أوغست مولييراس مجرد مستكشف فرنسي مولع بجغرافية الريف وقبائله في نهاية القرن التاسع عشر. كان، مثل كثير من الاستكشافيين والكولونياليين الذين مروا من هنا، يبحث عن شيء أعمق من الخرائط والمسالك: فهم الإنسان الذي يسكن هذا المجال الصعب والمتمرد على الاختراق. فكل مشروع للسيطرة يبدأ دائماً بمحاولة الفهم، وهذا ما يجعل اهتمامه بالريف غير بريء تماماً، حتى حين كان يكتب بشيء من الانبهار الحقيقي.


ولم يكن الريف، عبر تاريخه الطويل، مجرد منطقة جبلية معزولة أو فضاء جغرافي قاسٍ. كان أيضاً تركيبة بشرية وثقافية معقدة تعاقبت عليها قبائل ومجموعات وهجرات متعددة: صنهاجة ومصامدة وزناتة، والشرفاء وعرب المعقل، واليهود الأمازيغ، والأندلسيون، وغيرهم ممن صعدوا من الصحراء أو نزلوا من الجبال أو عبروا من الضفة الأخرى للمتوسط.


لهذا يبدو الحديث عن “هوية ريفية صلبة” حديثاً يحتاج إلى كثير من الحذر. فالريف لم يكن نقاءً عرقياً مغلقاً، بل فضاءً تشكّل عبر قرون من الانصهار والاختلاط والصراع والتحالف والهجرة والمقاومة. غير أن ما ظل يمنح هذا المجال نوعاً من التماسك لم يكن فقط الانتماء القبلي، بل أيضاً ذلك الإحساس العميق بأن الجماعة مطالبة دائماً بحماية نفسها في مواجهة الخارج، أياً كان شكل ذلك الخارج.


وربما زاد من تعقيد هذا الإحساس أن علاقة الريف بالدولة المركزية، خلال أجزاء واسعة من التاريخ المعاصر، لم تكن دائماً علاقة طبيعية أو مستقرة. فقد تعاقبت فترات من التوتر وسوء الفهم والقطيعة والاحتقان بدرجات متفاوتة، وهو ما ساهم مع الوقت في ترسيخ حساسية جماعية خاصة تجاه السلطة والمركز ومفهوم الثقة نفسه.
وفي جزء كبير من المغرب، كان الانتقال نحو الدولة الحديثة يعني، بشكل أو بآخر، انتقال الإنسان من منطق القبيلة إلى منطق الحزب، ثم إلى أفق المواطن. غير أن هذا المسار ظل في الريف أكثر تعقيداً والتباساً. فالأحزاب، التي كان يفترض أن تؤدي دور الوساطة بين الفرد والدولة، لم تنجح دائماً في أن تتجذر داخل المجتمع المحلي أو أن تنتج ثقة مستقرة، ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يصفها حراك الريف بأنها مجرد “دكاكين سياسية”، لأن التجربة الحية كانت قد سبقت الحكم.
التعب لم يعد يطال المؤسسات وحدها، بل حتى القدرة على الثقة نفسها.


واستحضار كل هذه الطبقات التاريخية والسوسيوثقافية لا يهدف إلى اجترار الماضي أو الاحتماء بهوية منغلقة، بل إلى محاولة فهم الذات كما تشكلت عبر الزمن. فالمجتمعات التي لا تفهم تاريخ حساسياتها ومخاوفها وآليات دفاعها، تجد صعوبة أكبر في التحرر منها.


ولعل ما يحتاجه الريف اليوم أكثر من أي وقت مضى هو شكل جديد من الوعي بذاته؛ وعي لا يقوم على العزلة أو التموقع الدفاعي، بل على القدرة على تحويل الذاكرة إلى عنصر اندماج وإبداع وتكامل داخل المغرب وفي محيطه الأوسع.

 

0f954e36-edf1-4af6-99f0-f357ede6a3bf.jpeg

مسجد محمد السادس بمدينة الحسيمة


غير أن تجاوز هذا الإرهاق التاريخي لا يمكن أن يكون مسؤولية طرف واحد فقط. فإذا كان مطلوباً من الريف أن يخفف تدريجياً من منطقه الدفاعي وأن يعيد بناء ثقته في العمل المشترك وفي أفق المواطنة المندمجة، فإن الدولة بدورها مطالبة بأن تساهم في تفكيك تراكمات سوء الفهم والقطيعة والارتياب التي طبعت هذه العلاقة لعقود.
فالدولة القوية ليست هي التي تضيق بأسئلة مناطقها أو حساسياتها التاريخية، بل التي يمتلك صدرها ما يكفي من السعة لاستيعاب اختلافاتها وتعقيداتها.
والثقة، مثل القطيعة، لا تُبنى من طرف واحد. إنها تحتاج دائماً إلى خطوات متبادلة، وإلى شعور حقيقي بأن الجميع يتحرك — ولو بسرعات مختلفة — في اتجاه فتح صفحة أكثر هدوءاً وإنصافاً.


في قرية صغيرة قرب الحسيمة، أخبرني أحد الأصدقاء عن مشروع تعاوني بدأه بعض الشباب، ثم تفكك في أشهره الأولى، لا لغياب الكفاءة، بل لأن الخوف من الخذلان كان أسرع من بناء الثقة. لم يكن ذلك استثناءً، بل نمطاً يتكرر بأشكال مختلفة.


وهو ما استوقفني أيضاً في تفاعلات عدد من الأصدقاء مع مقالاتي الأخيرة ضمن ما أسميه بـ”الحسيميات”. لم يكن أكثر ما أثار انتباههم الحديث عن المشاريع أو الاستثمار أو علاقة المنطقة بالمركز، بل إصرار كثير منهم على أن ما يعيشه الريف اليوم يتجاوز مجرد أزمة تنمية أو تمثيلية سياسية، ليقترب أحياناً مما يشبه “أزمة إنسان”.


لم يكونوا يقصدون بذلك حكماً أخلاقياً على الناس، ولا حديثاً متعالياً عن “العقلية”، بل شيئاً أكثر هشاشة: الإحساس بأن التعب التاريخي الطويل بدأ يتسلل، بصمت، إلى العلاقات الإنسانية نفسها؛ إلى الثقة، وإلى القدرة على العمل المشترك، وإلى طريقة النظر إلى الآخر.
فالمجتمعات لا تتعب فقط من الفقر أو التهميش، بل أيضاً من العيش الطويل داخل منطق الدفاع والحذر. ومع الزمن، قد يتحول ذلك إلى رد فعل تلقائي جماعي يجعل الثقة أكثر هشاشة، والاختلاف أكثر قابلية لسوء التأويل.


فالمجتمعات لا تُولد متعبة ولا متوجسة. التاريخ الطويل هو الذي يترك آثاره أحياناً داخل البشر: الهجرة، والإحساس المزمن بالانتظار، وضعف الوساطة، وتراكم الخيبات الصغيرة، وتعثر المشاريع الجماعية. كلها عوامل قد تُنتج مع الوقت شكلاً من الإرهاق الإنساني الصامت.


وربما لهذا يصعب أحياناً على الريفي — مهما كان موقعه الاجتماعي أو الثقافي — أن يتحرر بالكامل من بعض الانفعالات العميقة التي راكمها التاريخ داخل الوعي الجماعي: الحذر، والتوجس، وسرعة الارتياب، والإحساس المزمن بالحاجة إلى الدفاع عن الذات.


فهذه المشاعر لا تسكن فقط في خطاب العامة أو في الذاكرة الشعبية، بل قد تتسلل أحياناً، بطرق مختلفة وأكثر تعقيداً، حتى إلى جزء من النخب والمثقفين أنفسهم. وكأن التاريخ الطويل لا يعيش فقط في الكتب والوقائع، بل أيضاً في الطبقات الخفية من الوعي الجماعي.

غير أن الريف عرف، في لحظات متفرقة من تاريخه، قدرة لافتة على تجاوز منطقه الدفاعي الضيق وإنتاج أشكال جديدة من التنظيم والعمل الجماعي. فالتجربة التي ارتبطت بعبد الكريم الخطابي لم تكن مجرد مقاومة عسكرية، بل محاولة لبناء أفق سياسي مغاربي وإنساني مختلف داخل شروط تاريخية شديدة التعقيد.
فالقبيلة تحمي، لكنها لم تعد تبني. والمواطن لا يختزل في الأوراق الإدارية أو في صناديق الاقتراع فقط، بل في قدرة المجتمع على إنتاج الثقة، وقبول الاختلاف، والعمل المشترك دون خوف دائم من الخذلان أو سوء الظن.


وربما هنا بالضبط يبدأ السؤال الحقيقي للريف اليوم: كيف يمكن تحويل هذه الطاقة الدفاعية التاريخية إلى طاقة إبداعية منفتحة؟ ليس بنسيان الذاكرة، بل بتحويلها من عبء ثقيل إلى أفق للمستقبل.


وربما يكون التحدي الأكبر ألا يبقى المستقبل معلقاً دائماً بين التوجس والهجرة والانتظار. فالريف لا يحتاج فقط إلى مشاريع وطرقات، بل أيضاً إلى أفق يجعل شبابه يشعرون أن لهم مكاناً طبيعياً داخل هذه الأرض، وأن المستقبل يمكن أن يُبنى هنا أيضاً، لا أن يُبحث عنه دائماً بعيداً. فالعنصر البشري ليس جزءاً من معادلة التنمية. هو المعادلة نفسها.

 

78eaad08-b061-4d54-bbed-bbf7da91fceb.jpeg

مسجد العتيق في الخمسينيات القرن الماضي.