عبد الله النملي يتوسط المبدع الإسباني ومجسم السلطان محمد الخامس
تتقاسم جريدة "أنفاس بريس" الحلقة الرابعة من بحث الأستاذ عبد الله النملي حول النموذج الفني الناجح العابر للحدود، حيث أوضح بأن المغاربة لم يتعودوا على "رؤية التماثيل التي تجسد شخصيات طبعت تاريخ الوطن، لكن وسط بهو قصر بلدية مدينة آسفي، يُوجد تمثال ضخم أبيض، في غاية الجمال والإبداع، نُفذ بدقة تشريحية عالية، يجسد السلطان محمد الخامس، جد الملك محمد السادس، وهو يمتطي صهوة جواد عربي، بلباس مغربي أصيل (السَّلْهَامْ)، يمسك بيده اليسرى لجام الفرس، ويمناه مبسوطة تحيي الجماهير".
ويُعد هذا التمثال، الفريد من نوعه بالمغرب ـ حسب عبد الله النملي ـ من أبرز الأعمال "النحتية المُذهلة التي أنجزها الفنان الإسباني الراحل "أنخيل بيستانيا Angel Pestaña" سنة 1963. وشارك في هذا العمل عدد من تلامذته المغاربة". في سياق متصل استأنس الباحث برواية تؤكد أن المبدع الفنان "بيستانيا"، الذي ولد بتاريخ 12/3/1932 بمدريد ووافته المنية بتاريخ 3/10/1999 كان قد "استقر بآسفي وأحب المدينة وتأثر بأجوائها الفنية وبها أنجب أبناءه الثلاثة". حيث استعان في إنجاز عمله الفني بـ "صور فوتوغرافية دقيقة للملك الراحل محمد الخامس، وبخيول حقيقية في منطقة عبدة كانت تُجلب له ليدرس تشريحها العضلي أثناء الحركة" فجاء الحصان في التمثال ممتلئاً وقوياً، وهو ما يعكس قوة "الْخَيْلْ الْعَبْدِي".
تخليد الرموز والعباقرة المغاربة (إصدارات 1962)
في عام 1962، كانت للمغرب رغبة في الاحتفاء برموزه التراثية والفكرية عالمياً. قام "بيستانيا" بالمشاركة في جائزة وطنية مع رسامين مغاربة وأجانب وفاز بالجائزة بعد رسمه الوجوه التعبيرية لثلاث من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي والمغربي، والتي اعتُمدت رسمياً كطوابع بريدية في ذلك العام:
1 ـ ساعي البريد التقليدي "الراجل" أو "الرقاص" الذي يمثل الصمود والمشقة في إيصال الرسائل سيراً على الأقدام بين المدن المغربية.
2 ـ ابن خلدون : مؤسس علم الاجتماع.
3 ـ ابن بطوطة : عميد الرحالة والمستكشفين.
تميزت هذه الرسوم بدقة التفاصيل والقدرة على استحضار الهيبة التاريخية لكل شخصية، مما جعلها من بين أجمل الإصدارات البريدية في تلك الحقبة.
التكريم واللقب: "القلم الذهبي" (P. d'Or)
يقول الباحث سعيد الجدياني "تقديراً لإسهاماته الفنية الاستثنائية ودوره في إشعاع الثقافة المغربية عبر الطوابع البريدية، حظي "بيستانيا" بتكريم رفيع من طرف وزارة البريد في عهد الوزير الراحل محمد الفاسي، حيث تسلم الفنان قلماً من ذهب خالص تقديراً لريشته المبدعة، وتأثراً بهذا التكريم واعتزازاً به، بدأ "بيستانيا" يوقع أعماله الفنية بلقب مستعار هو "P. d'Or" اختصاراً لـ Plume d'Or أو d'Or Pestaña أي "القلم الذهبي"، وهو اللقب الذي أصبح ملازماً له في الأوساط الفنية المغربية".
"بستانيا" و"العملي".. رواد نهضة خزف آسفي
يُعتبر "بستانيا" المتمم لعمل المعلم الكبير "بوجمعة العملي"، مدير أول مدرسة للخزف بآسفي سنة 1920. ويُذكر في الأوساط الثقافية بآسفي كفنان "مجدد"، وثاني مدير لمدرسة الخزف بآسفي بعد الاستقلال. واجه في بداياته مقاومة من بعض الخزفيين المحافظين، لكنه نجح في النهاية في ترك مدرسة فنية تخرج منها جيل من الحرفيين المَهرة، حيث نقل الخزف الآسفي من الطابع التقليدي الصرف إلى آفاق فنية أكاديمية.
بعد الاستقلال، ورثت الدولة المغربية مدرسة الخزف بآسفي، حيث تمت الاستعانة بالفنان "بيستانيا" بصفته خبيراً دولياً عالي المستوى. في تلك الفترة، كان المغرب ينهج سياسة الاستعانة بالخبرات الأجنبية (خاصة الإسبانية والفرنسية) لسد الفراغ التقني في المعاهد والمدارس المتخصصة، بمباركة من السلطات المحلية بآسفي التي كانت ترغب في استعادة بريق خزف المدينة.
اختيار الدولة له لم يكن تعيينا "إدارياً" صرفاً، بقدر ما كان فنياً وبيداغوجياً مبنياً على الأهداف التالية:
ـ إعادة هيكلة التكوين: وضع برامج دراسية حديثة تجمع بين الرسم الفني، الكيمياء (لتحضير المينا)، والتقنيات الجديدة (القولبة) وتطوير المعمل النموذجي.
ـ الخبرة الإسبانية: تميز الإسبان في تلك الفترة بتقنيات "الخزف المصقول" و"المينا المعدنية" التي كانت الدولة المغربية تطمح لتصديرها للأسواق الدولية كمنتج فاخر.
تولى "أنخيل بيستانيا" منصب مدير مدرسة الخزف بآسفي بعد استقلال المغرب، ما بين سنة 1958 إلى سنة 1972. وهي مؤسسة لعبت دوراً محورياً في تكوين الحرفيين والفنانين في هذا المجال. سبق للراحل الملك الحسن الثاني أن زارها عندما كان وليا للعهد، كما زارها أيضا وزير التجارة والصناعة الراحل السيد ادريس السلاوي.
عمل بعد الاستقلال، جنباً إلى جنب مع رائد الخزف المغربي الشهير بوجمعة العملي. وشكل هذا الثنائي مرحلة ذهبية في تاريخ الخزف الآسفي، حيث امتزجت الخبرة الجزائرية-الفرنسية للعملي مع اللمسة الأكاديمية الإسبانية ل "بيستانيا"، الشيء الذي نقل خزف آسفي من المحلية إلى العالمية.
كانت العلاقة بينهما علاقة تكامل وتنافس إبداعي. هذا التمازج هو ما جعل "خزف آسفي" في تلك الفترة يخرج من نمط "الأواني" التقليدية إلى نمط "التحف" (Objects d'art)، ولهذا السبب نجد قطعاً من تلك الحقبة تُباع اليوم في المزادات العالمية بأسعار مرتفعة.
ومن خلال منصبه، ساهم "بستانيا" في تأطير جيل من الخزافين المعلمين المغاربة الكبار، على سبيل المثال لا الحصر (الجيلالي الزيواني، عبد العزيز فصلي، حسن الغنيمي، حسن حكومي، عبد الرحيم بوسماح، محمد مزدلفة، حسن العطار، امحمد أيت داموح، العيساوي، محمد بن زمور، ولد خدة، محمد عيني، مخيخ، مولاي أحمد الغنيمي، حسن القسيمي، أجبار، محمد الوزاني، عبد السلام كسري، عمر طانطو، سكوتي..)
لقد حول "بيستانيا" المدرسة بحي الشعبة من مكان للحرفيين البسطاء إلى أكبر تجمع فني للخزف في أفريقيا، بعد إدخاله أساليب وتقنيات حديثة. لم يعد الخزفي الآسفي مجرد "صانع قِلال"، بل أصبح "فناناً تشكيلياً" قادراً على نحت تماثيل وتجسيد صور حية على الطين، بفضل القواعد التي أرساها هذا الفنان الإسباني الذي عشق آسفي وعشق طينها.
حماية "العلامة الآسفية"
في فترة إدارته، كان يشجع التلاميذ المتميزين على وضع أختامهم أو تواقيعهم خلف القطع. الشيء الذي ساعد في الدفاع عن الملكية الفكرية والتاريخية لخزف آسفي والمغرب. فالتوثيق الذي تركه "بيستانيا" و"العملي" يُثبت أن هذا الفن ليس مجرد تقليد عشوائي، بل هو علم وفن له أصول وأساتذة ومناهج مسجلة.
هذا الأمر رفع من قيمة خزف آسفي عالمياً، لأنه تحول من "بضاعة مجهولة" إلى عمل فني يحمل اسم صاحبه. القطع التي تعود لتلك الحقبة وتحمل ختم "مدرسة الخزف بآسفي Ecole de la Céramique Safi" مع توقيع فنان، تعتبر اليوم من الكنوز.
لم يكن الرجل مجرد إداري، بل كان فناناً أكاديمياً ساهم في تطوير تقنيات الخزف في المدينة مع الحفاظ على روحها التقليدية. فهو "العراب" الإسباني لخزف آسفي، الذي استطاع أن يترك بصمة لا تُمحى في ساحة المدرسة التاريخية وفي قلوب حرفيي المدينة. لم يكتفِ بتدريس التقنيات التقليدية، بل أدخل مفاهيم النحت والأبعاد القياسية. كان يرى أن الخزفي لا يجب أن يظل حرفياً فقط، بل يجب أن يتحول إلى "فنان تشكيلي" يتعامل مع الطين كمادة للنحت.
ساهم في تعزيز مكانة آسفي كـ "عاصمة للخزف" في المغرب، وهو لقب اكتسبته المدينة بفضل جودة المواد الأولية (الطين المحلي)، وتراكم الخبرات الحرفية، ومساهمة فنانين محليين وأجانب في تطوير هذا الفن. وقد كان لوجوده أثر في إدخال رؤية فنية حديثة، ساعدت على الانتقال من الخزف التقليدي إلى الخزف الفني المعاصر.
اللمسة الإسبانية في الطين المغربي
يتميز الطابع الفني لـ "بيستانيا" بالواقعية التشريحية، وكذلك الدقة في التفاصيل، سواء في تماثيله أو في القطع الخزفية التي تحمل أشكالاً آدمية أو حيوانية، ساعدت على الانتقال بالخزف من حرفة تقليدية إلى فن عالمي، حيث كان يشدد على أهمية "الرسم" قبل البدء في التشكيل بالطين، وهو ما جعل طلابه يكتسبون مهارة عالية في تخطيط الزخارف، مما أعطى لقطع الخزف بعداً فنياً يتجاوز مجرد الاستخدام المنزلي إلى التحف الفنية.
لا يزال كبار الحرفيين في "تل الخزف" بآسفي يتحدثون عن "الحقبة الإسبانية" في المدرسة بكثير من التقدير. لم يترك "أنخيل" وراءه مجرد مجسمات جامدة، بل ترك مدرسة فنية حقيقية أفاد منها الكثير من "المعلمين" والصناع التقليديين في آسفي، الذين انتقلوا بفضله من مفهوم "الحرفي" إلى مفهوم "الفنان التشكيلي". هؤلاء المعلمون حافظوا على الأشكال الهندسية التي كان "بيستانيا" يدعو إليها. واليوم نجد أحفاد هؤلاء الحرفيين يفتخرون بأن أجدادهم تعلموا "القواعد الأكاديمية" على يد المدير الإسباني. تلاميذه بآسفي لم يكونوا مجرد حرفيين، بل أصبحوا "معلمين" (Maîtres) نقلوا الخزف المغربي من الصنعة التقليدية إلى الفن التشكيلي العالمي.