النجاحات الدبلوماسية التي حققها المغرب تعود إلى التصور الذي انبنت عليه مبادرة الحكم الذاتي والزخم الذي أحدثته في مسار تدبير النزاع

النجاحات الدبلوماسية التي حققها المغرب تعود  إلى التصور الذي انبنت عليه مبادرة الحكم الذاتي والزخم الذي أحدثته في مسار تدبير النزاع د. محمد الكيحل، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالمعهد الجامعي للدراسات الافريقية، جامعة محمد الخامس الرباط، ورئيس مركز إشعاع للدراسات الاستراتيجية

يرى‭ ‬د‭ . ‬محمد‭ ‬الكيحل،‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية‭ ‬والعلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬بالمعهد‭ ‬الجامعي‭ ‬للدراسات‭ ‬الافريقية،‭ ‬جامعة‭ ‬محمد‭ ‬الخامس‭ ‬الرباط،‭ ‬ورئيس‭ ‬مركز‭ ‬إشعاع‭ ‬للدراسات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬أن‭ ‬توالي‭ ‬الاعترافات‭ ‬بقضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬بقاع‭ ‬العالم‭ ‬قرب‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬المفتعل‭ ‬الذي‭ ‬عمر‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬مشيرا‭ ‬بأن‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التدبير‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التغيير‭. ‬وأكد‭ ‬محاورنا‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬النجاحات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬عمل‭ ‬وجهد‭ ‬ديبلوماسي‭ ‬متواصل‭ ‬وحصاد‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬السياسي‭ ‬المتراكم‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬بتوجيهات‭ ‬من‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭. ‬


كما‭ ‬تطرق‭ ‬الى‭ ‬آفاق‭ ‬تطبيق‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬وما‭ ‬يتيحه‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬ورش‭ ‬الجهوية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬توزيع‭ ‬تقني‭ ‬للاختصاصات‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬جهوية‭ ‬ذات‭ ‬مضمون‭ ‬سياسي‭ ‬وتنموي‭ ‬أكثر‭ ‬نضجا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يشكل‭ ‬مختبرا‭ ‬متقدما‭ ‬لتطوير‭ ‬الدولة‭ ‬الترابية‭ ‬بالمغرب،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬توسيع‭ ‬صلاحيات‭ ‬الجهات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬المبادرة‭ ‬المحلية،‭ ‬وتحديث‭ ‬التدبير‭ ‬العمومي


كيف‭ ‬تقرأ‭ ‬تناسل‭ ‬اعترافات‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬بمخطط‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بعض‭ ‬دول‭ ‬إفريقية‭ ‬كانت‭ ‬تعترف‭ ‬بأطروحة‭ ‬الجزائر‭ ‬والبوليساريو؟
يؤكد‭ ‬توالي‭ ‬هذه‭ ‬الاعترافات‭ ‬الداعمة‭ ‬لقضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬بقاع‭ ‬العالم،‭ ‬قرب‭ ‬نهاية‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬المفتعل‭ ‬الذي‭ ‬عمر‭ ‬أزيد‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬وبأن‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التدبير‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التغيير‭. ‬هذه‭ ‬النجاحات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬فراغ‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نتيجة‭ ‬عمل‭ ‬وجهد‭ ‬ديبلوماسي‭ ‬متواصل‭ ‬وحصاد‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬الجهد‭ ‬السياسي‭ ‬المتراكم‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬بتوجيهات‭ ‬من‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬سر‭ ‬هذا‭ ‬النجاح‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬التصور‭ ‬الذي‭ ‬انبنت‭ ‬عليه‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬والزخم‭ ‬الذي‭ ‬أحدثته‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تدبير‭ ‬النزاع‭.‬

فالمبادرة‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬المغرب‭ ‬سنة‭ ‬2007،‭ ‬تشكل‭ ‬اليوم‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬المقاربة‭ ‬المغربية‭ ‬لملف‭ ‬الصحراء،‭ ‬ورافعة‭ ‬أساسية‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬الوطنية‭. ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مقترح‭ ‬تكتيكي،‭ ‬بل‭ ‬التجسيد‭ ‬العملي‭ ‬لرؤية‭ ‬ملكية‭ ‬استراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬أرسى‭ ‬دعائمها‭ ‬الملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭ ‬منذ‭ ‬اعتلائه‭ ‬العرش،‭ ‬محولا‭ ‬مقاربة‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬النزاع‭ ‬الجامد‭ ‬إلى‭ ‬دينامية‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬الواقعي‭ ‬والمستدام‭ .‬فمنذ‭ ‬سنة‭ ‬1999‭ ‬شهد‭ ‬ملف‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬تحولا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬عميقا،‭ ‬انطلق‭ ‬من‭ ‬توجيهات‭ ‬للملك‭ ‬محمد‭ ‬السادس‭. ‬لقد‭ ‬حدد‭ ‬الملك‭ ‬بوضوح‭ ‬معالم‭ ‬مقاربة‭ ‬جديدة‭ ‬تتجاوز‭ ‬«منطق‭ ‬النزاع‭ ‬العقيم»‭ ‬إلى‭ ‬«منطق‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬الواقعي»‭.‬

تقوم‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬متين‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬الوطنية‭ ‬منطلقا‭ ‬ومن‭ ‬الشرعية‭ ‬الدولية‭ ‬أفقا‭ ‬للتكامل‭. ‬فبدلا‭ ‬من‭ ‬الاستغراق‭ ‬في‭ ‬سجالات‭ ‬الماضي‭ ‬وجه‭ ‬الملك‭ ‬الجهود‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل؛‭ ‬فقضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية‭ ‬هي،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬قضية‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬حديثة‭ ‬أكثر‭ ‬منها‭ ‬مجرد‭ ‬نزاع‭ ‬ترابي‭ .‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬أضحت‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬التعبير‭ ‬الأوفى‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬بما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬سياسي‭ ‬واستشراف‭ ‬استراتيجي؛‭ ‬إنها‭ ‬الركيزة‭ ‬المحورية‭ ‬التي‭ ‬بنت‭ ‬عليها‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬استراتيجيتها‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬داخل‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي،‭ ‬مقدمةً‭ ‬للعالم‭ ‬حلا‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والواقعية‭.‬

كما‭ ‬يكمن‭ ‬جوهر‭ ‬النجاح‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬لهذه‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬المبدأ‭ ‬الذي‭ ‬أرسته‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية:‭ ‬«الثبات‭ ‬في‭ ‬المبدأ،‭ ‬والمرونة‭ ‬في‭ ‬الوسيلة»؛‭ ‬فبقدر‭ ‬ما‭ ‬يتمسك‭ ‬المغرب‭ ‬بسيادته‭ ‬الراسخة‭ ‬على‭ ‬أقاليمه‭ ‬الجنوبية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يبدي‭ ‬مرونة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬صيغة‭ ‬سياسية‭ ‬تضمن‭ ‬لسكان‭ ‬المنطقة‭ ‬إدارة‭ ‬شؤونهم‭ ‬بأنفسهم‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ .‬

‭ ‬هذا‭ ‬الجمع‭ ‬الذكي‭ ‬بين‭ ‬المبدأ‭ ‬والبراغماتية،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬أكسب‭ ‬المقاربة‭ ‬المغربية‭ ‬مصداقية‭ ‬دولية‭ ‬متزايدة‭. ‬وقد‭ ‬أكد‭ ‬الملك‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬الثابت‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬المسيرة‭ ‬الخضراء‭ ‬لسنة‭ ‬2019،‭ ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬«سيواصل‭ ‬العمل،‭ ‬بصدق‭ ‬وحسن‭ ‬نية،‭ ‬طبقا‭ ‬للمقاربة‭ ‬السياسية‭ ‬المعتمدة‭ ‬حصريا‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬واقعي،‭ ‬عملي‭ ‬وتوافقي»‭. ‬لقد‭ ‬أثمرت‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬دعماً‭ ‬دولياً‭ ‬متناميا‭ ‬لا‭ ‬زال‭ ‬متواصلا‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬اليوم‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬عشرات‭ ‬الدول‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬القارات‭ ‬تعتبر‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬الأساس‭ ‬الأكثر‭ ‬جدية‭ ‬وواقعية‭ ‬لحل‭ ‬هذا‭ ‬النزاع‭ ‬الإقليمي‭ ‬وجاء‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2797‭ ‬ليعطي‭ ‬زخما‭ ‬جديدا‭ ‬ويكرس‭ ‬مصداقية‭ ‬الطرح‭ ‬المغربي‭ ‬لإنهاء‭ ‬نزاع‭ ‬الصحراء‭ ‬والمتمثل‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭. ‬

‭ ‬ماهي‭ ‬أسباب‭ ‬اصطفاف‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬وراء‭ ‬مخطط‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬هل‭ ‬يعود‭ ‬لقرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الأخير‭ ‬أم‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الدعم‭ ‬الذي‭ ‬حظي‭ ‬به‭ ‬المغرب‭ ‬منذ‭ ‬2020‭ ‬بفضل‭ ‬الاعتراف‭ ‬الأمريكي‭ ‬بالسيادة‭ ‬المغربية؟


بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬ذكرها‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬سؤالك‭ ‬السابق،‭ ‬بالفعل‭ ‬يشكل‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الأخير‭ ‬دفعة‭ ‬قوية‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬المغربية‭ ‬والذي‭ ‬أقر‭ ‬بوجاهة‭ ‬وصوابية‭ ‬الطرح‭ ‬المغربي،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬واقعيا‭ ‬ومتفوقا‭ ‬هو‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭. ‬فمبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مقترح‭ ‬إداري‭ ‬أو‭ ‬مناورة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬ترجمة‭ ‬لرؤية‭ ‬ملكية‭ ‬متجذرة‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬الدولة‭ ‬المغربية‭ ‬الحديثة،‭ ‬كما‭ ‬أرساها‭ ‬الملك،‭ ‬إذ‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬سيادة‭ ‬متجددة‭ ‬وحية،‭ ‬سيادة‭ ‬تتجسد‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬الفائقة‭ ‬على‭ ‬إدماج‭ ‬التعدد‭ ‬والتنوع‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬وحدة‭ ‬وطنية‭ ‬صلبة؛‭ ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية‭ ‬العميقة‭ ‬أعاد‭ ‬المغرب‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬السيادة‭ ‬ذاته،‭ ‬فلم‭ ‬تعد‭ ‬تعني‭ ‬«السيطرة‭ ‬الجغرافية»‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تعني‭ ‬بالأساس‭ ‬«القدرة‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬جامع»‭ ‬يدمج‭ ‬جميع‭ ‬مكوناته‭ ‬ضمن‭ ‬فضاء‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والبشرية‭ ‬والمواطنة‭ ‬الكاملة؛‭ ‬إنها،‭ ‬كما‭ ‬تجسدها‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية،‭ ‬سيادة‭ ‬تمارس‭ ‬«بالحكمة‭ ‬لا‭ ‬بالقوة،‭ ‬وبالانفتاح‭ ‬لا‭ ‬بالانغلاق»‭.‬

ومن‭ ‬رحم‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬برزت‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬سنة‭ ‬2007‭ ‬باعتبارها‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬القضية،‭ ‬فهذه‭ ‬المبادرة‭ ‬لم‭ ‬تأت‭ ‬بوصفها‭ ‬تنازلا‭ ‬عن‭ ‬الثوابت،‭ ‬ولا‭ ‬باعتبارها‭ ‬التفافا‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وإنما‭ ‬قدمت‭ ‬كصيغة‭ ‬سياسية‭ ‬ومؤسساتية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ ‬ووحدة‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وتمكين‭ ‬سكان‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬من‭ ‬تدبير‭ ‬شؤونهم‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬اختصاصات‭ ‬موسعة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فإن‭ ‬المبادرة‭ ‬مثلت‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬التعاطي‭ ‬المغربي‭ ‬مع‭ ‬الملف،‭ ‬إذ‭ ‬انتقل‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬المقترحات‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬المبادرة‭ ‬بإنتاج‭ ‬تصور‭ ‬ذاتي‭ ‬للحل،‭ ‬ذي‭ ‬مضمون‭ ‬دستوري‭ ‬وسياسي‭ ‬قابل‭ ‬للنقاش‭ ‬والتفاوض‭.‬

وقد‭ ‬اكتسبت‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬أهميتها‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬مضمونها،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬من‭ ‬السياق‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬طرحت‭ ‬فيه‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تميل‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬سياسي‭ ‬واقعي‭ ‬ومتوافق‭ ‬عليه،‭ ‬بدل‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬الملف‭ ‬داخل‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬المقاربات‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للتنفيذ‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬وجد‭ ‬المقترح‭ ‬المغربي‭ ‬صدى‭ ‬متزايدا‭ ‬داخل‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬الذي‭ ‬أخذ،‭ ‬في‭ ‬قراراته‭ ‬اللاحقة،‭ ‬يشيد‭ ‬بجدية‭ ‬المبادرة‭ ‬ومصداقيتها،‭ ‬ويعتبرها‭ ‬أساسا‭ ‬معقولا‭ ‬لإطلاق‭ ‬دينامية‭ ‬تفاوضية‭ ‬جديدة‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش،‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬محصورا‭ ‬في‭ ‬ثنائية‭ ‬الاستفتاء‭ ‬أو‭ ‬الجمود،‭ ‬بل‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬إمكانات‭ ‬التسوية‭ ‬السياسية‭ ‬ضمن‭ ‬منطق‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬ويستجيب‭ ‬للتحولات‭ ‬المعاصرة‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬النزاعات‭ ‬الترابية‭.‬

ولم‭ ‬يقتصر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الأممي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬انعكس‭ ‬أيضا‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬المغربي،‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تركيزا‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬الدعم‭ ‬الدولي‭ ‬للمبادرة،‭ ‬وعلى‭ ‬تحويلها‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬مقترح‭ ‬سياسي‭ ‬إلى‭ ‬أرضية‭ ‬تفاوضية‭ ‬ذات‭ ‬حضور‭ ‬متنام‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬الدولية‭. ‬وقد‭ ‬ظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬اتساع‭ ‬دائرة‭ ‬التأييد‭ ‬للمقاربة‭ ‬المغربية،‭ ‬وفي‭ ‬تزايد‭ ‬الانخراط‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية،‭ ‬وفي‭ ‬تطور‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم‭ ‬بوصفها‭ ‬مجالا‭ ‬واعدا‭ ‬للتنمية‭ ‬والاستثمار‭ ‬والاندماج‭ ‬الإفريقي،‭ ‬لا‭ ‬باعتبارها‭ ‬فقط‭ ‬منطقة‭ ‬نزاع‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاعتراف‭ ‬الأمريكي‭ ‬بمغربية‭ ‬الصحراء‭ ‬سنة‭ ‬2020،‭ ‬وما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬تطورات‭ ‬دبلوماسية،‭ ‬شكل‭ ‬مؤشرا‭ ‬إضافيا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المبادرة‭ ‬المغربية‭ ‬أصبحت‭ ‬تتحرك‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬دولية‭ ‬أكثر‭ ‬تقبلا‭ ‬لمنطق‭ ‬الحل‭ ‬الواقعي‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬فهمه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬أنهى‭ ‬النزاع‭ ‬نهائيا‭ ‬قبل‭ ‬صدور‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2797،‭ ‬لأن‭ ‬الملف‭ ‬ظل‭ ‬محكوما‭ ‬باستمرار‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬مواقف‭ ‬الأطراف،‭ ‬وبحضور‭ ‬اعتبارات‭ ‬إقليمية‭ ‬حالت‭ ‬دون‭ ‬الانتقال‭ ‬السريع‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬نهائية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬المؤكد‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬نجحت،‭ ‬منذ‭ ‬2007،‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬النقاش‭ ‬الدولي‭ ‬حول‭ ‬الصحراء،‭ ‬وجعلت‭ ‬المقاربة‭ ‬المغربية‭ ‬أكثر‭ ‬حضورا‭ ‬وقابلية‭ ‬للتداول‭ ‬داخل‭ ‬الفضاء‭ ‬الأممي‭ ‬والدبلوماسي‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإنها‭ ‬شكلت‭ ‬الأساس‭ ‬المرجعي‭ ‬الذي‭ ‬ستبنى‭ ‬عليه‭ ‬لاحقا‭ ‬التحولات‭ ‬الأحدث،‭ ‬والتي‭ ‬سيأتي‭ ‬المحور‭ ‬الثاني‭ ‬لتحليلها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2797‭ ‬والخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬سياقه‭.‬

وجوابا‭ ‬على‭ ‬سؤالك،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكار‭ ‬الزخم‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬قرار‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬تدبير‭ ‬قضية‭ ‬الصحراء‭ ‬المغربية؛فالقرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2797‭ ‬يشكل‭ ‬محطة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬نزاع‭ ‬الصحراء،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬توقيته،‭ ‬ولكن‭ ‬أيضا‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬الدلالات‭ ‬القانونية‭ ‬والسياسية‭ ‬التي‭ ‬حملها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تطور‭ ‬المقاربة‭ ‬الأممية‭ ‬لهذا‭ ‬الملف‭. ‬فبعد‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬تدبير‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬المراوحة‭ ‬بين‭ ‬المقترحات‭ ‬المتعارضة‭ ‬والخيارات‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬محدوديتها‭ ‬العملية،‭ ‬جاء‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬ليعكس‭ ‬تحولا‭ ‬ملحوظا‭ ‬في‭ ‬منطق‭ ‬التعاطي‭ ‬الدولي‭ ‬مع‭ ‬القضية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترجيح‭ ‬مقاربة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الواقعية‭ ‬السياسية‭ ‬وقابلية‭ ‬الحل‭ ‬للتنزيل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬تحت‭ ‬السيادة‭ ‬المغربية‭ ‬موقعا‭ ‬أكثر‭ ‬مركزية‭ ‬داخل‭ ‬المرجعية‭ ‬التفاوضية‭ ‬الأممية‭.‬

ولا‭ ‬تنبع‭ ‬أهمية‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬مجرد‭ ‬وثيقة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬يعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬معايير‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬النزاع‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬لغته‭ ‬ومضمونه،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مؤطرا‭ ‬بالتصورات‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬مراحل‭ ‬سابقة‭ ‬من‭ ‬تدبير‭ ‬الملف،‭ ‬وإنما‭ ‬بات‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬إعلاء‭ ‬منطق‭ ‬الحل‭ ‬السياسي‭ ‬الواقعي‭ ‬والدائم،‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬التوافق‭ ‬والفعالية‭ ‬والاستقرار‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬القرار‭ ‬2797‭ ‬لا‭ ‬يؤسس‭ ‬فقط‭ ‬لمكسب‭ ‬دبلوماسي‭ ‬ظرفي،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬تطورا‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬المنتظم‭ ‬الدولي‭ ‬لطبيعة‭ ‬النزاعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬المعقدة،‭ ‬ولحدود‭ ‬المقاربات‭ ‬الانفصالية‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬حلول‭ ‬قابلة‭ ‬للاستمرار
 

ماهو‭ ‬المطلوب‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تنزيل‭ ‬مشروع‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬وتجفيف‭ ‬منابع‭ ‬البوليساريو‭ ‬فيما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أحواض‭ ‬جغرافية‭ ‬تساند‭ ‬الطرح‭ ‬الجزائري؟

المطلوب‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬استثمار‭ ‬الزخم‭ ‬السياسي‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬الذي‭ ‬أحدثه‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬أقر‭ ‬بمكتسبات‭ ‬قانونية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬لصالح‭ ‬المملكة‭. ‬فالقرار‭ ‬أحدث‭ ‬تغيرات‭ ‬في‭ ‬مرجعيات‭ ‬ومسار‭ ‬التفاوض‭ ‬ومنح‭ ‬أفقا‭ ‬للتسوية‭ ‬السياسية‭ ‬بقضية‭ ‬الصحراء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬بها‭ ‬المغرب‭ ‬هي‭ ‬الإطار‭ ‬المرجعي‭  ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التسوية‭ ‬النهائية‭  ‬لهذا‭ ‬النزاع،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬واضح‭ ‬نحو‭ ‬الطرح‭ ‬المغربي‭ ‬وإقبار‭ ‬لكل‭ ‬الطروحات‭ ‬الأخرى‭ ‬المناوئة‭ ‬للسيادة‭ ‬والوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬للمملكة‭. ‬ولم‭ ‬تأتي‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬لمجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬المتداخلة‭ ‬والمتغيرة،‭ ‬فلم‭ ‬تقتصر‭ ‬آثار‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2797‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬المرجعية‭ ‬التفاوضية‭ ‬للنزاع،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬المستويين‭ ‬الداخلي‭ ‬والإقليمي،‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬لحظة‭ ‬ذات‭ ‬انعكاسات‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد‭.‬

وأعتقد‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬اللازم‭ ‬الاستثمار‭ ‬الجيد‭ ‬للظرفية‭ ‬المواتية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الدفع‭ ‬للملف‭ ‬إلى‭ ‬دفة‭ ‬الحل‭ ‬النهائي‭ ‬حتى‭ ‬يطوي‭ ‬المغرب‭ ‬نزاع‭ ‬مفتعل‭ ‬كلفه‭ ‬بذل‭ ‬جهود‭ ‬سياسية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬واقتصاديا‭ ‬كبيرة‭ ‬واجتماعية‭ ‬كبيرة‭. ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬دينامية‭ ‬داخلية‭ ‬تواجب‭ ‬التطورات‭ ‬والمستجدات‭ ‬التي‭ ‬تعرفها‭ ‬القضية‭ ‬الوطنية‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬الصادر‭ ‬بتاريخ‭ ‬31‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025‭ ‬قد‭ ‬جاء‭ ‬لتأطير‭ ‬هذه‭ ‬المرحة‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬منها‭ ‬بلادنا‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬القرار‭ ‬الأممي‭ ‬رقم‭ ‬2797‭ ‬قد‭ ‬مثل‭ ‬تحولا‭ ‬في‭ ‬المرجعية‭ ‬الدولية‭ ‬المؤطرة‭ ‬للنزاع،‭ ‬فإن‭ ‬الخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬جاء‭ ‬ليؤطر‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬النسق‭ ‬الدستوري‭ ‬والسياسي‭ ‬المغربي،‭ ‬ويمنحه‭ ‬امتداده‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬والمؤسساتي‭. ‬

فالقضية‭ ‬الوطنية‭ ‬الأولى،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭ ‬السيادية‭ ‬وموقعها‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الدولة،‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬مجالات‭ ‬التوجيه‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للملك،‭ ‬بما‭ ‬يجعله‭ ‬الفاعل‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الاختيارات‭ ‬الكبرى‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬بالوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬والسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للمملكة‭. ‬فلم‭ ‬يكتف‭ ‬الخطاب‭ ‬الملكي‭ ‬بتسجيل‭ ‬أهمية‭ ‬القرار‭ ‬الأممي،‭ ‬بل‭ ‬تجاوزه‭ ‬إلى‭ ‬تأويله‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬الثوابت‭ ‬الوطنية،‭ ‬وإلى‭ ‬تحويله‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬دبلوماسية‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬سياسي‭ ‬جديد‭. ‬فقد‭ ‬قدم‭ ‬الخطاب‭ ‬القرار‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤشرا‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬الملف‭ ‬مرحلة‭ ‬متقدمة‭ ‬من‭ ‬التموقع‭ ‬الدولي،‭ ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬عرض‭ ‬سياسي‭ ‬مغربي،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬إطارا‭ ‬يكتسب‭ ‬دعما‭ ‬متزايدا‭ ‬داخل‭ ‬المنتظم‭ ‬الأممي،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬موقعها‭ ‬كأرضية‭ ‬للتفاوض‭.‬

ماذا‭ ‬عن‭ ‬الشروط‭ ‬المطلوبة‭ ‬لتنزيل‭ ‬الجهوية‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬السقف‭ ‬الزمني‭ ‬الذي‭ ‬تتوقعه‭ ‬لذلك؟


الشروط‭ ‬أولا‭ ‬هي‭ ‬مرتبطة‭ ‬بمسارات‭ ‬التفاوض‭ ‬ونتائجها‭ ‬الجارية‭ ‬الآن،‭ ‬وهي‭ ‬مرتبطة‭ ‬بتوازنات‭ ‬الأطراف‭ ‬المتفاوضة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬تدبير‭ ‬سكة‭ ‬الملف‭ ‬لصالحها؛‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬يمسك‭ ‬بزمام‭ ‬الأمور،‭ ‬وهي‭ ‬مرتبطة‭ ‬أيضا‭ ‬بالمتغيرات‭ ‬الدولية‭ ‬والاقليمية‭ ‬الجارية‭ ‬وبالرهانات‭ ‬الداخلية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬والجيواقتصادية‭ ‬للمغرب‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬الجهوي‭ ‬والقاري‭. ‬فالرهان‭ ‬المرتبط‭ ‬بالحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬بعده‭ ‬القانوني‭ ‬والمؤسساتي‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوزه‭ ‬إلى‭ ‬أفق‭ ‬إقليمي‭ ‬واستراتيجي‭ ‬أوسع،‭ ‬يجعل‭ ‬منه‭ ‬أداة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الوحدة‭ ‬الترابية‭ ‬والتنمية‭ ‬والاندماج‭ ‬الجهوي‭ ‬والإقليمي‭. ‬فمبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬تنزيلها‭ ‬ضمن‭ ‬تصور‭ ‬متكامل،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬إطار‭ ‬لتسوية‭ ‬نزاع‭ ‬إقليمي‭ ‬إلى‭ ‬رافعة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتثبيت‭ ‬نموذج‭ ‬مغربي‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬التعدد‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬الموحدة،‭ ‬ولمراكمة‭ ‬موقع‭ ‬جديد‭ ‬للأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬داخل‭ ‬السياسات‭ ‬الوطنية‭ ‬والإفريقية‭ ‬والأطلسية‭.‬

فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الوطني،‭ ‬يتيح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬إمكان‭ ‬تعميق‭ ‬ورش‭ ‬الجهوية‭ ‬المتقدمة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬توزيع‭ ‬تقني‭ ‬للاختصاصات‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬جهوية‭ ‬ذات‭ ‬مضمون‭ ‬سياسي‭ ‬وتنموي‭ ‬أكثر‭ ‬نضجا‭. ‬فنجاح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬في‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يشكل‭ ‬مختبرا‭ ‬متقدما‭ ‬لتطوير‭ ‬الدولة‭ ‬الترابية‭ ‬بالمغرب،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬توسيع‭ ‬صلاحيات‭ ‬الجهات،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬المبادرة‭ ‬المحلية،‭ ‬وتحديث‭ ‬التدبير‭ ‬العمومي،‭ ‬وربط‭ ‬التنمية‭ ‬بالمجال،‭ ‬وإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬لوظيفة‭ ‬القرب‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭. ‬وبذلك،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬استثناءً‭ ‬مرتبطا‭ ‬فقط‭ ‬بخصوصية‭ ‬النزاع،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الدولة‭ ‬المغربية‭ ‬نفسها،‭ ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬أن‭ ‬التلازم‭ ‬الوظيفي‭ ‬بين‭ ‬«التمكين‭ ‬القانوني» (عبر‭ ‬مقتضيات‭ ‬القوانين‭ ‬التنظيمية‭ ‬للجهوية)‭ ‬و«التمكين‭ ‬الاقتصادي» (الذي‭ ‬يجسده‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭ ‬الجديد‭ ‬للأقاليم‭ ‬الجنوبية)‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬مبادرة‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬طابعا‭ ‬واقعيا‭ ‬وقابلا‭ ‬للتنفيذ‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬وينقلها‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬«مقترح‭ ‬لتسوية‭ ‬سياسية‭ ‬ظرفية»‭ ‬إلى‭ ‬«مشروع‭ ‬مجتمعي‭ ‬ومؤسساتي‭ ‬مستدام»‭ ‬يضمن‭ ‬وحدة‭ ‬الدولة‭ ‬وفعالية‭ ‬التدبير‭ ‬الجهوي‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬ثانية،‭ ‬يفتح‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬آفاقا‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتنموية‭ ‬مهمة،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اقترن‭ ‬بسياسات‭ ‬عمومية‭ ‬مندمجة‭ ‬تستثمر‭ ‬ما‭ ‬تزخر‭ ‬به‭ ‬الأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭ ‬جغرافية‭ ‬وبحرية‭ ‬ولوجستية‭ ‬واستثمارية‭. ‬فالموقع‭ ‬الأطلسي،‭ ‬والامتداد‭ ‬الإفريقي،‭ ‬والقدرات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالطاقات‭ ‬المتجددة،‭ ‬والموانئ،‭ ‬والربط‭ ‬التجاري،‭ ‬كلها‭ ‬عناصر‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم‭ ‬فضاء‭ ‬استراتيجيا‭ ‬لتوطين‭ ‬مشاريع‭ ‬كبرى‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬وعلى‭ ‬استقطاب‭ ‬استثمارات‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭.  ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬الأفق‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬لا‭ ‬ينفصل‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬جهوي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬خلق‭ ‬الثروة،‭ ‬ورفع‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭ ‬وتحسين‭ ‬البنيات‭ ‬الأساسية،‭ ‬وتثبيت‭ ‬الساكنة‭ ‬في‭ ‬محيطها‭ ‬داخل‭ ‬شروط‭ ‬عيش‭ ‬كريمة‭ ‬ومستدامة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأفق‭ ‬يتصل‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬بالبعد‭ ‬الإفريقي‭ ‬والأطلسي‭ ‬للسياسة‭ ‬المغربية؛‭ ‬فالأقاليم‭ ‬الجنوبية‭ ‬مرشحة،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬التحولات‭ ‬الجارية،‭ ‬لأن‭ ‬تشكل‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وعمقه‭ ‬الإفريقي،‭ ‬ومنصة‭ ‬للتعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واللوجستي‭ ‬والطاقي‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الساحل‭ ‬وغرب‭ ‬إفريقيا‭ ‬والفضاء‭ ‬الأطلسي‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬فإن‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعزز‭ ‬إعادة‭ ‬تموقع‭ ‬هذه‭ ‬الأقاليم‭ ‬ضمن‭ ‬الرؤية‭ ‬المغربية‭ ‬للتعاون‭ ‬جنوب-جنوب،‭ ‬وأن‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬مجالا‭ ‬لتجسيد‭ ‬سياسات‭ ‬الاندماج‭ ‬الإقليمي،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬موضوع‭ ‬للنزاع‭. ‬وهنا‭ ‬تبرز‭ ‬القيمة‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬للمبادرة،‭ ‬لأنها‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬التسوية‭ ‬السياسية‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬بوصفه‭ ‬موردا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬للتنمية‭ ‬والتعاون‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الأفق‭ ‬لا‭ ‬يلغي‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يعترض‭ ‬التنزيل‭ ‬من‭ ‬صعوبات‭ ‬وتحديات‭. ‬فنجاح‭ ‬الحكم‭ ‬الذاتي‭ ‬يظل‭ ‬رهينا‭ ‬أيضا‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة،‭ ‬سواء‭ ‬ما‭ ‬تعلق‭ ‬منها‭ ‬باستمرار‭ ‬التوترات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬أو‭ ‬بطبيعة‭ ‬مواقف‭ ‬بعض‭ ‬الفاعلين‭ ‬الدوليين،‭ ‬أو‭ ‬بصعوبة‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬التوافق‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬البناء‭ ‬المؤسساتي‭ ‬الفعلي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تنزيل‭ ‬المبادرة‭ ‬قد‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬داخلية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بسرعة‭ ‬التأهيل‭ ‬الإداري،‭ ‬وبمستوى‭ ‬جاهزية‭ ‬النخب‭ ‬الجهوية،‭ ‬وبحجم‭ ‬الموارد‭ ‬الضرورية‭ ‬لتمويل‭ ‬الاختصاصات‭ ‬الجديدة،‭ ‬وبالتوازن‭ ‬الدقيق‭ ‬بين‭ ‬مقتضيات‭ ‬الوحدة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومطالب‭ ‬الفعالية‭ ‬الجهوية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭