عبد العزيز كوكاس، كاتب وإعلامي
ليست الفورة الدبلوماسية المغربية حدثًا معزولًا، ولا هي وليدة قرار واحد، بل ثمرة تراكم طويل أعاد نقل قضية الصحراء من منطق النزاع الإيديولوجي البارد إلى منطق الواقعية السياسية. ربح المغرب لأنه غيّر أدواته: من خطاب الدفاع إلى خطاب المبادرة، ومن انتظار الاعتراف إلى بناء المصالح، ومن التعامل مع الجغرافيا كعبء إلى التعامل مع الجغرافيا كقيمة استراتيجية. هذه الفورة الدبلوماسية باتت تؤشر على انتقال بنيوي في تموقع المغرب داخل النظام الدولي، وعلى إعادة صياغة ذكية لملف ظل لعقود أسير توازنات الحرب الباردة. ما يجري اليوم هو إعادة ترتيب للشرعيات: شرعية التاريخ، وشرعية الواقع، وشرعية المصالح.
لقد شكّل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه سنة 2020 لحظة مفصلية، لكنه لم يكن وحده سبب التحول. ثم جاء قرار مجلس الأمن 2797 في 31 أكتوبر 2025 ليمنح مخطط الحكم الذاتي موقعًا أكثر مركزية كأساس للتفاوض، لا كاقتراح للاستئناس. القرار جدد ولاية المينورسو سنة أخرى، لكنه أقرّ عمليًا بأن الحل الواقعي يوجد داخل السيادة المغربية، مع استمرار لغة الأمم المتحدة حول حل سياسي متوافق عليه.
أسباب الاصطفاف الدولي مع الطرح المغربي متعددة:
أولها أن أطروحة الانفصال فقدت جاذبيتها التاريخية، لأنها ظلت سجينة قاموس الحرب الباردة.
وثانيها أن المغرب بنى في أقاليمه الجنوبية نموذجًا تنمويًا مرئيًا: طرق، موانئ، طاقات متجددة، استثمارات، دبلوماسية قنصلية، وربط إفريقي أطلسي.
وثالثها أن العالم لم يعد يكافئ الكيانات الهشة، بل يبحث عن شركاء مستقرين في الأمن والطاقة والهجرة والتجارة.
مخطط الحكم الذاتي
لوقت طويل، اشتغل المغرب داخل منطق رد الفعل، يواجه أطروحة انفصالية مدعومة بشبكات إيديولوجية وسياسية. غير أن التحول الجوهري بدأ حين نقلت الرباط مركز الثقل من الدفاع إلى المبادرة، عبر طرح مخطط الحكم الذاتي سنة 2007، ثم تطويره كأرضية واقعية وقابلة للتفاوض.
هذا التحول كان مؤسساتيًا واستراتيجيًا من خلال توسيع الحضور القنصلي في الأقاليم الجنوبية، ربط الدبلوماسية بالاستثمار، جعل الصحراء منصة للتعاون الإفريقي-الأطلسي، وكما قلت سابقا تقديم نموذج تنموي ملموس بدل خطاب نظري.
لكن الأهم هو أن الاعترافات لم تعد تُبنى على التعاطف الإيديولوجي أو شراء ذمم الزعماء بحقائب البترودولار، بل على حسابات البراغماتية والواقعية، لقد أعادت دول إفريقية تقييم مواقفها في ضوء شراكات اقتصادية وأمنية مع المغرب، وغادرت دول من أمريكا اللاتينية مربع الاعتراف بالجمهورية الوهمية، ومعظم القوى الدولية باتت ترى في المغرب فاعلًا مستقرًا في منطقة مضطربة.
لقد فقد الطرح الانفصالي الكثير من جاذبيته لثلاثة أسباب رئيسية:
• انهيار مرجعيته التاريخية: لم يعد العالم يحتفي بحركات الانفصال كما في سبعينيات القرن الماضي في ظل الحرب الباردة.
• ضعف النموذج البديل: غياب أي تصور مؤسساتي واقعي لدى البوليساريو، مقابل نموذج تنموي مغربي قائم.
• تحوّل أولويات العالم: الأمن، الطاقة، الهجرة، الاستقرار… وهي مجالات يتموقع فيها المغرب كشريك موثوق.
كما أن استمرار ارتباط جبهة البوليساريو بالدعم الجزائري جعلها تُقرأ دوليًا كامتداد لنزاع إقليمي أكثر من كونها حركة "تحرر". رغم التراكم الدبلوماسي الكاسح، فإن الرهان اليوم لم يعد خارجيًا فقط. التحدي الأكبر هو الانتقال من “شرعية الاعتراف” إلى “شرعية الإنجاز”. أي الانتقال من دبلوماسية المكاسب إلى سياسة التنزيل. يجب أن يتحول الحكم الذاتي من وثيقة تفاوضية إلى أفق مؤسساتي واضح: برلمان جهوي قوي، حكومة جهوية ذات اختصاصات واضحة، عدالة مجالية، نخب صحراوية منتخبة وذات شرعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن سكان الأقاليم الجنوبية يرون في الحكم الذاتي أوسع فضاء للكرامة والمشاركة والازدهار.
أما تجفيف منابع البوليساريو ومناورات الجزائر، فيتم بثلاثة مسارات: عزل دبلوماسي هادئ لما تبقى من اعترافات، فتح قنوات إنسانية وإعلامية مع ساكنة المخيمات، وتقديم نموذج مغربي جذاب أقوى من خطاب الانفصال. لقد بدأت دول إفريقية ولاتينية في مراجعة مواقفها، وآخرها مثلًا مالي التي سحبت اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية وأعلنت دعمها للمبادرة المغربية.
إن الجهوية المتقدمة في الأقاليم الجنوبية هي الامتحان الداخلي للمغرب. نحن في حاجة إلى أفق واضح، تدريجي، معلن، يربط بين المؤسسات المنتخبة واللامركزية المالية والإدارية. فالحكم الذاتي لا ينبغي أن يُختزل في حل للنزاع، بقدر ما يجب أن يكون مختبرًا مغربيًا جديدًا للديمقراطية الترابية.
القضية اليوم دخلت طورًا جديدًا: لم يعد السؤال هل الحكم الذاتي ممكنًا، بل كيف نجعله عادلًا، ناجعًا، ديمقراطيًا، وجاذبًا. هنا تبدأ المعركة الأصعب: معركة تحويل الانتصار الدبلوماسي إلى تعاقد تاريخي بين الدولة والمجتمع والمجال
عبد العزيز كوكاس، كاتب وإعلامي