مصطفى الحيسوني
يثير موضوع ممارسة الأستاذ الجامعي لمهنة المحاماة جدلًا واسعًا داخل الأوساط القانونية والسياسية بالمغرب، خصوصًا عندما يعترض المحامون على ولوج أساتذة الجامعات إلى المهنة، رغم أن هؤلاء الأساتذة أنفسهم يدرّسون القانون ويكوّنون الطلبة الذين يصبحون لاحقًا محامين وقضاة ومسؤولين في مؤسسات الدولة.
هذا الجدل يطرح أسئلة عميقة حول مفهوم العدالة المهنية، وحدود الاختصاص، وازدواجية المعايير داخل المجتمع.
من جهة، يرى عدد من المحامين أن مهنة المحاماة ليست مجرد معرفة نظرية بالقانون، بل هي ممارسة ميدانية تحتاج إلى خبرة يومية داخل المحاكم، وفهم دقيق للمساطر والترافع والتعامل مع القضايا الواقعية. لذلك يعتبرون أن الأستاذ الجامعي، رغم كفاءته الأكاديمية، قد لا يكون مهيأ تلقائيًا لممارسة المحاماة دون المرور بنفس الشروط والتداريب التي يخضع لها باقي المترشحين.
لكن في المقابل، يطرح الأساتذة الجامعيون ومن يدافع عنهم سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن منع أستاذ القانون من ممارسة المحاماة، بينما يُسمح للمحامي بممارسة السياسة، ورئاسة الجماعات، والاشتغال في البرلمان، والعمل داخل الجمعيات والمؤسسات؟
فإذا كان مبدأ التفرغ مطلوبًا، فلماذا يُطبق على طرف دون الآخر؟
فالواقع يكشف أن عددًا كبيرًا من المحامين يجمعون بين المحاماة والعمل السياسي أو النقابي أو الجمعوي، بل إن بعضهم يتقلد مناصب تشريعية وتنفيذية مهمة. وهذا يخلق انطباعًا لدى البعض بوجود نوع من الاحتكار للمهنة، أو الخوف من المنافسة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأساتذة جامعيين يمتلكون تكوينًا قانونيًا عميقًا وخبرة أكاديمية محترمة.
ثم إن الأستاذ الجامعي في كليات الحقوق ليس بعيدًا عن عالم القانون، بل هو الذي يساهم في تكوين الأجيال القانونية. فالطالب الذي يصبح محاميًا، أو قاضيًا، أو موثقًا، يكون قد تلقى تكوينه على يد الأستاذ الجامعي. لذلك يرى كثيرون أن منع هذا الأستاذ من ممارسة المحاماة يبدو متناقضًا، لأن من يعلّم القانون ويفسره ويؤطر البحث فيه، لا يُعقل أن يُعتبر غير مؤهل لفهمه عمليًا.
غير أن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يتحول إلى صراع بين المحامي والأستاذ الجامعي، بل إلى بحث عن التوازن بين الحق في ممارسة المهنة، وضمان الجودة المهنية، واحترام تكافؤ الفرص. فالمجتمعات الحديثة لا تقوم على إقصاء الكفاءات، بل على تنظيم المهن بطريقة عادلة وشفافة.
إن المطلوب اليوم هو فتح نقاش هادئ ومسؤول حول إصلاح المهن القانونية، بعيدًا عن الحسابات الفئوية الضيقة، لأن العدالة لا يمكن أن تتطور في ظل منطق الاحتكار أو الامتيازات المغلقة. فالقانون، في النهاية، مجال للعلم والممارسة معًا، ولا ينبغي الفصل بينهما بشكل عدائي.
وفي الأخير، يبقى السؤال مطروحًا: هل المشكلة فعلًا في الجمع بين التعليم والمحاماة، أم في الخوف من المنافسة داخل فضاء يفترض أنه يقوم أساسًا على الكفاءة.
مصطفى الحيسوني أستاد وباحث في القانون الدولي والملاحة التجارية بجامعة ماسينا بايطاليا.