محمد قمار: الطفولة خارج حسابات التنمية... الأرقام لا تكذب

محمد قمار: الطفولة خارج حسابات التنمية... الأرقام لا تكذب محمد قمار

في قاعات مجالس الجماعات والمجالس الإقليمية والجهات، يرتفع صوت المنتخبين محمّلاً بمفردات التنمية والمشاريع المهيكلة ورهانات المستقبل. خطاب يكاد يكون قالباً جاهزاً يُعاد تدويره في كل دورة، لكن المتمعن فيه يلاحظ مفارقة صادمة: غياب شبه تام للطفولة كأولوية استراتيجية. فئة تُمثل أزيد من 30.2% من سكان المغرب حسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط لسنة 2024، أي أكثر من 11.2 مليون طفل وشاب أقل من 18 سنة، تُعامل كملف موسمي يُستحضر في المناسبات ويُغيب عند إعداد الميزانيات وبرامج العمل.

ولأن لغة الأرقام لا تجامل، فهي تكشف حجم هذا الغياب بوضوح. معطيات وزارة الشباب والثقافة والتواصل تؤكد أن البرنامج الوطني للتخييم لم يستفد منه سوى 184,752 طفلاً خلال صيف 2025، وهو ما لا يمثل سوى 1.6% من مجموع الأطفال في سن التخييم. هذا الضعف في الاستفادة يوازيه خصاص مهول في البنية التحتية، فالمغرب لا يتوفر إلا على 47 مركز تخييم تابع للدولة بطاقة استيعابية لا تتجاوز 22,000 سرير، بينما تقدر الحاجة الوطنية الحقيقية بأكثر من 150 مركزاً لتغطية الطلب المتزايد.

أما على مستوى التمويل، فالصورة أكثر قتامة. تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2024 أظهر أن 67% من الجماعات الترابية لا تخصص أي بند مالي واضح للمخيمات التربوية، وتلك التي تفعل لا تتجاوز المبالغ المرصودة ما بين 0.3% و0.8% من ميزانيتها السنوية، في الوقت الذي تُرصد فيه ملايين الدراهم للمهرجانات والأنشطة ذات الطابع الاحتفالي.

هذا التهميش المالي والسياسي يتناقض كلياً مع الأثر التربوي الموثق لهذه الفضاءات. دراسة ميدانية أنجزتها الوزارة سنة 2024 على عينة من 3,000 مستفيد كشفت أن 91% من الآباء لاحظوا تحسناً في سلوك أبنائهم بعد المخيم، وأن 87% من الأطفال طوروا مهارات التواصل وقبول الآخر، فيما أصبح 79% منهم أكثر ارتباطاً بقيم المواطنة.

إن التنمية التي لا تستثمر  في الرأسمال البشري  هي تنمية عرجاء، والإنسان لا يُبنى في سن الرشد بل تُغرس بذوره الأولى في الطفولة. وهنا تبرز المخيمات التربوية كأحد أهم الفضاءات التي جرى تبخيس دورها واختزالها في وظيفة الترفيه. لقد تجاوزت المخيمات هذا التوصيف السطحي، وأصبحت اليوم مؤسسة للتنشئة الاجتماعية غير النظامية ومختبراً لإنتاج قيم المواطنة. داخل المخيم يختبر الطفل أولى دروس التعايش، وفي الساحة يتعلم معنى الانضباط الجماعي عبر تحية العلم، وفي الورشة يكتشف أن حب الوطن يُترجم سلوكاً لا شعاراً.

من هنا يصبح السؤال مشروعاً وملحاً: أين موقع 11.2 مليون طفل في برامج عمل الجماعات؟ ألا يدرك المنتخب أن كلفة بناء مخيم واحد بحدود 15 مليون درهم أقل بكثير من الكلفة الأمنية والاجتماعية لشابٍ يُستَقطب من طرف التطرف؟ تقرير للبنك الدولي سنة 2023 قدر كلفة انحراف شاب واحد على الدولة بـ 1.2 مليون درهم على مدى عشر سنوات بين سجن وإعادة إدماج.

الرهان التنموي الحقيقي لا يُقاس بعدد الكيلومترات المعبّدة، بل بعدد العقول التي تم تحصينها. ميزانية تُرصد للطفولة اليوم هي ميزانية نوفرها غداً على فاتورة المعالجة الأمنية والاجتماعية.

الخلاصة أن لا مستقبل لوطن لا يستثمر في 30% من سكانه، ولا شرعية لتنمية تُهمّش عمودها الفقري. فلا تنمية بدون إنسان، ولا إنسان بدون تربية، ولا وطن آمن بدون طفولة مُحَصَّنة.