عبد الحي السملالي
لم يعد الإسلام في فرنسا موضوعاً يُناقَش لفهمه، بل مادة خام تُستعمل في كل الاتجاهات. في السياسة، يتحول إلى وقود انتخابي؛ وفي الإعلام، إلى وسيلة لرفع نسب المشاهدة؛ وفي النقاش العام، إلى مرآة تعكس عليها توترات المجتمع الفرنسي ومخاوفه.
لكن خلف هذا الضجيج، تتوارى حقيقة أكثر بساطة: غياب المعرفة، وحضور الخوف.
فالخطاب السياسي، بطبيعته، لا يتورع عن المبالغة. أما الإعلام، الذي يُفترض أن يكون بيته الحقيقة، فقد انزلق إلى منطق الإثارة، مستسلماً لسهولة التعميم وكسل البحث. وهكذا، تُختزل الظاهرة الإسلامية في فرنسا داخل قاموس ضيق من الكلمات المشحونة: إسلامisme، séparatisme، frérisme… كلمات وصفها رولان بارت بأنها «أماكن فارغة تُلقى فيها كل المعاني الممنوعة ثم تُقدَّس كأنها حقائق».
إنها مفاهيم-مانا: تُستخدم لإثارة الانفعال لا لإنتاج الفهم.
وما يزيد الصورة التباساً هو بروز «خبراء» و«باحثين» لا علاقة لهم بالبحث، ينسجون روايات عن شبكات سرية ومؤامرات إخوانية، وتلتقطهم بعض المنابر السياسية والإعلامية بشهية كبيرة. يكفي أن يلوّح أحدهم بعبارة «الإخوان المسلمون» حتى تُفتح أمامه الشاشات، رغم أنه لا يعرف العربية، ولا يمتلك أدوات البحث، ولا قام بأي عمل ميداني.
هكذا تُصنع الأساطير، وهكذا يُعاد تدوير الجهل في ثوب المعرفة.
وفوق ذلك، فإن الحقل نفسه بات مليئاً بأشباه الباحثين والمثقفين أصحاب الانطباعات؛ أشخاص يقدّمون رأياً شخصياً على أنه تحليل، وانطباعاً عابراً على أنه معرفة، ويُعاد تدوير كلامهم في الإعلام كأنه “خبرة”. إنهم جزء من المشكلة، لأنهم يساهمون في إنتاج ضباب معرفي يجعل الفهم الحقيقي للإسلام في فرنسا أكثر صعوبة.
ومع ذلك، يجب التنبيه إلى حقيقة أساسية: ظاهرة الإخوان موجودة فعلاً في كل السياقات الأوروبية والفرنسية، ولها حضور تاريخي وتنظيمي لا يمكن إنكاره.
وقد تحدثنا طويلاً عن سلبياتها وأخطارها، وعن ظاهرة التدجين والقطعنة داخل الإسلام الحركي والسياسي، وعن آليات تحويل الدين إلى أداة تعبئة أو ولاء.
لكن المشكلة ليست هنا، بل في الركوب على هذه الظاهرة دون فهمها، واستعمالها كفزاعة جاهزة، وغياب أي تحليل علمي جاد لتفكيك أطروحتها ومنطق اشتغالها.
إن اختزال الإسلام الفرنسي في «الإخوان» هو نفسه شكل من أشكال الجهل، لأنه يخلط بين ظاهرة محددة وبين ملايين المسلمين الذين لا علاقة لهم بها.
نتيجة ذلك، أصبح الإسلام الفرنسي مشوّهاً في كل مستوياته:
في توصيفه الديني، وفي فهمه الاجتماعي، وفي تحليل تنظيماته ومؤسساته.
كل شيء يُقدَّم عبر عدسة واحدة: الخوف.
لكن وسط هذا الانحدار، يظهر اليوم ما يشبه القطيعة المعرفية مع هذا الإرث من السطحية.
وهنا، يأتي من قلب المركز الوطني للبحث العلمي CNRS عملُ الدكتور كريم إفرّاك، الباحث في تاريخ النصوص وكوديكولوجيا الكتاب، وصاحب خبرة دقيقة في تحليل بنية النصوص، ومسارات تشكّل المعرفة، وتمييز الوثيقة من الرواية، والواقع من البناء الأيديولوجي.
في كتابه الجديد «DITIB France : dynamiques, impacts et enjeux»، لا يقدّم إفرّاك عملاً دعائياً ولا اتهامياً، بل تشريحاً معرفياً لمؤسسة ظلّت محاطة بالأساطير أكثر مما كانت محاطة بالبحث.
كتاب يعيد النقاش إلى أرضيته الطبيعية: الوقائع
الـDITIB — الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية — أحد أكبر الفاعلين في المشهد الإسلامي الفرنسي. تمتد عبر 265 جمعية، 76 إقليماً، 261 بلدية، وأربعين عاماً من العمل الديني والاجتماعي والثقافي.
ومع ذلك، بقيت خارج دائرة البحث الجاد. لم يزرها أحد، لم يدرسها أحد، ولم يحاول أحد فهمها. كانت تُستدعى في الخطاب العام كرمز أو كفزاعة، لا كواقع اجتماعي معقّد.
هنا يأتي عمل الدكتور كريم إفرّاك، الذي يقترب من الموضوع بمنهجية تجمع بين الدراسة الميدانية والتحليل البنيوي والقراءة التاريخية، مستفيداً من أدواته في تاريخ النصوص وكوديكولوجيا الكتاب لفهم البنى العميقة التي تشكّل المؤسسات الدينية.
لماذا DITIB؟
لأنها تمثل نموذجاً مثالياً لفهم الإسلام الفرنسي من الداخل، بعيداً عن التعميمات. فهي:
* مؤسسة محلية الجذور،
* لكنها مرتبطة بشبكات عابرة للحدود،
* تعمل ضمن القانون الفرنسي،
* لكنها تتحرك داخل فضاء ديني‑ثقافي تركي،
* وتواجه تحديات تتعلق بالاندماج، والعلمنة، وإدارة التعدد الديني.
هذا التعقيد يجعلها مختبراً مثالياً لتحليل العلاقة بين المحلي والعابر للحدود، وبين الدولة والمؤسسات الدينية، وبين الجاليات وفضائها الاجتماعي.
ما الذي يقدّمه الكتاب؟
يقدّم إفرّاك:
* دراسة ميدانية دقيقة،
* تحليلاً بنيوياً لطريقة عمل DITIB،
* قراءة تاريخية لمسارها،
* تفكيكاً لخطاب التخويف المحيط بها،
* وفهماً جديداً للإسلام الفرنسي عبر حالة ملموسة لا عبر تعميمات فارغة.
إنه نموذج جديد للبحث في الإسلام الفرنسي، نموذج يرفض الأساطير ويعيد الاعتبار للمعرفة.
أكثر من كتاب… لحظة مفصلية
لا يأتي هذا الكتاب ليملأ فراغاً في المكتبات، بل ليملأ فراغاً في الفهم.
إنه انتقال من الخطاب الانفعالي إلى التحليل الرصين، ومن صناعة الخوف إلى بناء المعرفة, ومن التعميم الكسول إلى الدراسة الدقيقة.
صدوره يشكّل منعطفاً يعيد ترتيب النقاش حول الإسلام الفرنسي، ويدفعه نحو مستوى أعلى من الجدية والمسؤولية، ويضع القارئ أمام صورة مختلفة تماماً عمّا اعتاد سماعه.
إنه، ببساطة:
عودة العقل إلى ملف اختُطف طويلاً من قبل الضجيج.
