يخلف: العدالة تحتاج إلى جامعة قوية ومحاماة مستقلة

يخلف: العدالة تحتاج إلى جامعة قوية ومحاماة مستقلة مصطفى يخلف، محامي بهيئة أكادير

في هذا النص، يدعو الأستاذ مصطفى يخلف، المحامي بهيئة أكادير، إلى تجاوز الثنائيات الحادة في نقاش تعديل قانون مهنة المحاماة. مؤكدا أن العدالة تحتاج جامعة قوية ومحاماة مستقلة، مقترحا مسارات تدريجية متوازنة تدمج الكفاءات الأكاديمية والمهنية دون الإضرار باستقلالية المهنتين، لتكامل يخدم المجتمع والعدالة بعيدا عن التنازع.


في خضم الجدل الدائر حول مشروع تعديل قانون مهنة المحاماة، يبدو أن النقاش انزلق بسرعة وبإرادة غير بريئة من جهة معلومة وأسقطنا في ثنائية حادة بين منطقي المنع الإباحة المطلقين، وكأن الرأي العام المهني والقانوني أصبح مطالباً بالاختيار بين موقفين متناقضين لا ثالث بينهما، إما رفض أي إمكانية للجمع أو الانتقال بين الجامعة والمحاماة، وإما فتح الباب على مصراعيه لخلافات غير ذات قيمة بين الطرفين (الأستاذ الجامعي والمحامي)، دون ضوابط أو تدرج أو مراعاة لخصوصية كل مهنة عبر التاريخ.

غير أن هذا النوع من النقاش، مهما بدا حماسياً، فهو لم يستوعب بما يكفي من تأصيل تعقيد العلاقة بين الجامعة والمحاماة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بحق مهني أو امتياز وظيفي، بل بمؤسستين لهما أدوار مختلفة ومتكاملة داخل المجتمع والعدالة. و الجامعة تنتج المعرفة القانونية وتؤطر العقول، و تنتج محاماة قادرة على حماية الحقوق والحريات وتجسد قوة شخصية المحامي القادر على حماية العدالة من داخل الواقع اليومي للناس.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون هل نمنع أم نسمح؟ بل كيف يمكن بناء صيغة متوازنة تحترم استقلالية المحاماة، وتحفظ في الوقت نفسه القيمة العلمية والخبرة الأكاديمية التي راكمها الأستاذ الجامعي؟

فالحقيقة والواقع تجزمان من خلال الممارسة أن كل أستاذ جامعي لا يمكن أن يكون مؤهلاً بشكل تلقائي لممارسة المحاماة، كما أنه ليس كل محامي ولو كان فيدونا هو مؤهل بالضرورة للتدريس الجامعي.

فلكل مهنة لها شروطها النفسية والإنسانية الخاصة، وتحتاج مهارات خاصة، ولكل واحدة لها فلسفتها ووظيفتها وطبيعة تكوينها ومسؤولياتها الأخلاقية والاجتماعية.

فالمحاماة ليست مجرد تسجيل بجدول الهيئة ومعرفة بالنصوص القانونية، بل هي أيضا قدرة على تدبير النزاع، ومواجهة مباشرة مع السلط المختلفة والواقع، وتحمل لمسؤولية الدفاع عن الناس في لحظات دقيقة وحاسمة من حياتهم.

كما أن التدريس الجامعي ليس مجرد منصب وظيفي وإلقاء للمحاضرات أو امتلاك للخبرة المهنية، بل هو مشروع علمي وبيداغوجي متكامل يحتاج إلى البحث والتأطير والإنتاج الفكري والتكوين المستمر.

لذلك، فإن الحل المتزن قد لا يكون في المنع المطلق ولا في الإباحة المطلقة، وإنما في بناء مسار مهني تدريجي ومتوازن يسمح الاستفادة من الكفاءات التي يزخر بها الطرفين دون الإضرار بجوهر أي من المهنتين.

وفي هذا الإطار، يمكن التفكير في تمكين الأستاذ الجامعي المبرز، الذي راكم تجربة أكاديمية طويلة داخل الجامعة، من الولوج إلى مهنة المحاماة دون اجتياز الامتحان، لكن ضمن مسار مهني تدريجي يراعي خصوصية المهنة واستقلاليتها، وذلك عبر مراحل واضحة تنطلق من الممارسة بمكتب محاماة دون حق الترافع؛ ثم مرحلة ثانية يسمح له خلالها الحضور أمام المحاكم الابتدائية، وبعدها محاكم الاستئناف؛ إلى أن يكتسب الثقة في النفس والمهارات المهنية التي تخول لها الممارسة الفعلية دون أي احساس بالفرق.

وفي المقابل، يمكن أيضاً فتح المجال أمام المحامين ذوي الخبرة، خاصة المقبولين للترافع أمام محكمة النقض، للمساهمة داخل الجامعة في مجالات التأطير والتكوين والتدريس، لما راكموه من خبرة عملية وميدانية يحتاجها الطلبة والباحثون، ولما لا إحداث منصب أستاذ جامعي مهني متخصص برقم تأجير نوعي يتم اقتراح تعديله بقانون الوظيفة العمومية وفق نظام خاص.

فالعلاقة بين الجامعة والمحاماة لا ينبغي أن تُبنى على التنازع حول الامتيازات، بل على التكامل في إنتاج الكفاءة القانونية وخدمة العدالة، لأن أخطر ما يمكن أن يقع اليوم هو تحويل هذا النقاش إلى شرخ نفسي ومؤسساتي بين أساتذة القانون والمحامين، والذي قد يمتد مستقبلاً إلى العلاقة بين الجامعة وهيئات الدفاع، بل وحتى إلى صورة العدالة نفسها داخل المجتمع.

فالحكمة التشريعية الحقيقية لا تكمن في الانتصار لفئة ضد أخرى، وإنما في القدرة على إنتاج حلول متوازنة تحمي استقلالية المحاماة، وتصون مكانة الجامعة، وتفتح المجال أمام التكامل الرصين بين المعرفة الأكاديمية والخبرة المهنية، بعيداً عن الانفعال، وعن الحسابات الظرفية، وعن منطق الغلبة الذي لا يصنع إصلاحاً حقيقياً.