عبد العالي بلقايد ومنظر لمدينة بنجرير
عرفت أثمنة الشقق المفروشة بمدينة بن جرير ارتفاعا صاروخيا، فاق في الكثير من الأحيان الأثمنة الموجودة في مدن مغربية بها ما يفي من متطلبات سياحية، أو استشفائية أو ثقافية، وهذا لم يكن نتيجة توطن المدينة الخضراء، بل بدأ منذ توسع القاعدة العسكرية لما تم نقل تلك الموجودة بمراكش إلى ابن جرير، بعض أطرها محتاجة إلى سكن خارج القاعدة ما أنعش حركة الكراء بالمدينة.
ابن جرير، مرتبطة تاريخيا واقتصاديا بهذه القاعدة منذ ولادتها مع أمريكا، ما ساهم في إنعاشها اقتصاديا، وساهم في تأهيل مجموعة من المهنيين في اللحامة، الميكانيكا، الطبخ...ما حرك فعاليات المدينة، وخاصة قلبها النابض «القشلة» وهي تسمية ترجع لتاريخ توطن دار الحاكم الفرنسي، وباقي الأطر المرتبطة به، وهو مانتج عنه حي إداري بمواصفات عصرية تفي بالمطلوب بيئيا «الجردة» مع وجود فضاءات للترفيه بالمركز.
الوافد من موظفين لم يكن يجد صعوبة في إيجاد سكن كما الأمر للطاريء، لتوفر أجنحة مرفقة بالمقاهي الموجودة بالمركز تفي بالمطلوب. كما انتشرت مجموعة من الفنادق التقليدية سواء بالمركز أو بالأحياء المحيطة به، وفي الغالب كانت تلبي حاجيات السكان المتسوقين للسوق الأسبوعي.
عملت الإدارة بهذا التاريخ على توفير سكن إداري للموظفين بمختلف القطاعات باكتراء منازل بدوار الجديد بحي البشريين لهذا الغرض، بحيث كان يسكن المرحوم الوافي بدار الزوين، وسي بوساكية بدار الحاج مبارك تيجة، قبل بناء حي «كاسطور» كحي معد للسكن الإداري سكنه الأجانب الذين كانوا يدرسون بالكوليج الوحيد الموجود بالمدينة. وقد وسعت الإدارة من العرض ببناء أحياء مثل «البام»، الداوديات، الشهداء بدعم من دولة الإمارات، إذا كانت الحاجة إلى سكن طاريء أو دائم متجاوب معه من طرف الإدارة. فقد تعداه إلى توفير تجزئات لمن يرغب في سكن دائم بحي النور، وحي السلام، وهو ما قلص من الوعاء العقاري للجماعة وحال دون تنفيد برامج اجتماعية كبناء مدارس رغم ضرورتها الإستراتيجية.
ستعرف المدينة انفجارا عمرانيا ليس فقط بتوازي مع إنشاء المدينة الخضراء، بل بتدخل القطاع الخاص بإعداد مجموعة من التجزئات السكنية: كتجزئة جنان الخير 1,2,3 مع إعداد مجموعة من التجزئات من المنعشين محليا أو من خارج الإقليم. وفرت عروضا تجاوبت معها فئات وافدة من سطات، البيضاء، مراكش، حين وجدت فيها أثمنة مناسبة أقل من مدنها.
لكن ماهو السر وراء غلاء أثمنة كراء الشقق المفروشة؟ والتي تشتكي من ارتفاع أثمنة كرائها فئة الطلبة، أو الوافدين لأجل التدريب المحدود زمنيا.
هذا النشاط محتكر من طرف شريحة استثمرت في العقار ومنه هذا الجانب المرتبط بالشقق المفروشة لما يذره من عمولات تفوق ماتقدمه المدينة للوافد من خدمات تفي بباقي الحاجيات التي تقتضيها الحياة المعاصرة. إلى جانب هذه الفئة الخبيرة في الإنعاش العقاري ومتطلبات السوق، نجد فئة من خارج الإقليم استثمرت هي كذلك في العقار ومنها من فضل عدم ولوج هذه الخدمات تفاديا للمشاكل المترتبة عن الكراء.
هل توجد مسؤولية للإدارة فيما يقع؟
تحديد السومة الكرائية تبقى رهينة العقد الذي يكون بين طرفي العلاقة الكاري والمكتري، ومسؤولية الإدارة تتحدد في تنفيد الأحكام القضائية الصادرة عن المحاكم، وفي حماية النظام العام من خلال سلطة الباشا، أو القائد، لضمان الصحة والسكينة والأمن العام، وهو في الغالب ينسحب على ماهو تجاري ومهني وصناعي.
لكن ماهي الجهات ذات الصلة بما يقع؟
في اعتقادنا تبقى إدارة حماية المستهلك التابعة لوزارة التجارة هي ذات الصلة بالموضوع. وهو أمر معيب من جوانب كثيرة، حيث أن الإدارة لم تولي أهمية بما يرتبط بالخدمات. ما يقتضي إصلاحا قانونيا وإداريا لتعميم الخدمات الإدارية على كافة حياة المواطن الإستهلاكية.
أما جمعيات المجتمع المدني إقليميا تحتاج إلى تأهيل إداري وتقني للتعاطي مع هذه المشاكل التي تتداخل فيها عدة عوامل مباشرة وغير مباشرة. ومنها السياسات الحكومية ذات التوجه الرأسمالي التغولي الحامي للرأسمال في المقام الأول، دون إيلاء الجانب الإجتماعي أية أهمية ما يشجع على المضي في اللاعدالة إجتماعية.
أما دور الجماعات الترابية فمحصور في إعداد تصاميم التهيئة بما يتجاوب مع حاجيات الناس وفق رؤية تعد المجال لرهانات وتطلعات الفاعلين بالعمران البشري. فتوطن المجال ببنيات ما يسمى الذكاء والإبتكار المتماشي مع رهانات العصر القائمة على الصناعة الثقافية المرتكزة على العنصر البشري، ما يقتضي استحضار فضاءات سكنية تستجيب لحاحيات هذه الشريحة لقضاء تدريبها، وتكوينها في ظروف بعيدة عن كل ضغط، وهو ما يستحضر مسؤولية المستثمر الأول في المشروع وخاصة المكتب الشريف للفوسفاط الذي تحول إلى شركة مساهمة، ما يمكنه من من إنشاء مراكز استقبال لهذه الفئة بأثمنة تناسب وضعهم الإجتماعي.
مع إعداد مراكز للصناعات التقليدية ومراكز للبحث في الفنون الشعبية كمكونات أساسية في الصناعة الثقافية، فالتعامل مع مخرجات كذا مشاكل مخارجها لا تستعصي على مؤسسة تمتلك من البنيات والكفاءات للتعاطي معها بما يخدم الإقليم والوطن بشكل عام.