إدريس الفينة: نجاعة الجماعات المحلية بين القرار الديمقراطي والتنفيذ التقني

إدريس الفينة: نجاعة الجماعات المحلية بين القرار الديمقراطي والتنفيذ التقني إدريس الفينة

لم يعد تقييم نجاعة تدبير الجماعات المحلية ممكناً من خلال عدد الصفقات التي يمررها هذا المجلس أو ذاك، ولا من خلال حجم المشاريع التي يعلن عن إطلاقها أو يواكب مراحلها الإدارية والتنفيذية. فالنجاعة الحقيقية لا تقاس بكثرة الصفقات، بل بمدى قدرة هذه الصفقات على التحول إلى مشاريع منجزة بجودة، وفي آجال معقولة، وبكلفة مضبوطة، وبأثر ملموس على حياة المواطن.

لقد أبانت التجربة السابقة في عدد من الجماعات الترابية عن اختلالات واضحة في تدبير الصفقات العمومية، خاصة حين يتعلق الأمر بمشاريع ذات طابع تقني معقد، من قبيل الطرقات، والبنايات، والكهربة، والماء، والتطهير، والتجهيزات الأساسية. فالكثير من المجالس المنتخبة لا تتوفر على إدارة تقنية مؤهلة بما يكفي لإعداد الدراسات، وتتبع الأشغال، ومراقبة جودة الإنجاز، وضبط المساطر القانونية والمالية المرتبطة بهذه المشاريع. ونتيجة لذلك، تحولت بعض الصفقات من وسيلة لخدمة التنمية المحلية إلى مصدر للتعثر، وسوء التدبير، وهدر الزمن والمال العام.

ومن هنا تبرز أهمية التوجه نحو إسناد تنفيذ عدد من هذه المشاريع إلى شركات التنمية المحلية، باعتبارها آلية مؤسساتية قادرة على توفير الخبرة التقنية والنجاعة التنفيذية التي تحتاجها الجماعات. فهذه الشركات لا تأتي لتعويض الدور الديمقراطي للمجالس المنتخبة، ولا لتقليص شرعية المنتخبين، بل لتضع بين أيديهم جهازاً تنفيذياً فعالاً يساعدهم على تنزيل اختياراتهم وبرامجهم بطريقة مهنية ومنظمة وفي اطار عمل وقائي.

إن الديمقراطية المحلية لا تعني أن يتولى المنتخب تدبير كل التفاصيل التقنية للصفقات، من إعداد دفاتر التحملات إلى مراقبة الورش وتسلم الأشغال. فدور المنتخب في جوهره سياسي وتمثيلي ورقابي؛ يتمثل في الإنصات لحاجيات الساكنة، وتحديد الأولويات، والمصادقة على التوجهات الكبرى، ومراقبة أثر المشاريع على المواطنين. أما التنفيذ التقني، فينبغي أن يسند إلى هياكل متخصصة تتوفر على الكفاءات والوسائل والخبرة الضرورية.

لهذا، فإن نقل جزء من مهام التنفيذ إلى شركات التنمية المحلية لا يمس هامش الديمقراطية في شيء، بل يعززها من خلال الفصل بين من يحدد الاختيارات باسم المواطنين، ومن يملك القدرة التقنية على تنفيذها. فالمجلس المنتخب سيظل صاحب الشرعية في تحديد الحاجيات وترتيب الأولويات، بينما تتكفل الجهة التنفيذية بترجمة هذه الاختيارات إلى مشاريع واقعية، قابلة للإنجاز والتقييم والمحاسبة.

كما أن هذا التحول من شأنه أن يقطع الطريق أمام بعض الممارسات التي أساءت إلى العمل الجماعي، خصوصاً لدى من ينظرون إلى المجالس المنتخبة كمدخل للاغتناء غير المشروع أو للتحكم في مسارات الصفقات العمومية. فعندما تصبح الصفقات خاضعة لمنظومة تقنية ومؤسساتية أكثر صرامة، وتدار من طرف أجهزة متخصصة تخضع للتتبع والتقييم، فإن هامش التلاعب والمحاباة واستغلال الموقع الانتخابي يصبح أضيق بكثير.

إن المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق “كم صفقة مرر المجلس؟” إلى منطق “ما جودة المشاريع المنجزة؟ وما أثرها على المواطن؟”. فالعبرة ليست بعدد الأوراش المفتوحة، بل بمدى قدرتها على تحسين الطرق، وتوفير الماء والكهرباء، وتأهيل المرافق، وتقريب الخدمات، وضمان استعمال أمثل للمال العام.

وعليه، فإن المبادرة الرامية إلى إسناد عدد من الصفقات والمشاريع إلى شركات التنمية المحلية تمثل خطوة إصلاحية ضرورية، لأنها تجمع بين الشرعية الديمقراطية التي تجسدها المجالس المنتخبة، والفعالية التقنية التي توفرها أجهزة تنفيذ محترفة. وبهذا المعنى، فهي لا تضعف الجماعات المحلية، بل تمنحها أدوات أقوى للاشتغال، وتحرر المنتخبين من أعباء تقنية معقدة، وتعيد تركيزهم على دورهم الأصلي: تمثيل المواطنين، تحديد الأولويات، ومراقبة النتائج.

إن حماية الديمقراطية المحلية لا تكون بترك الصفقات عرضة للارتجال وسوء التدبير، بل بتوفير الشروط التي تجعل القرار المحلي أكثر نجاعة وشفافية ومسؤولية. فالمواطن لا يهمه من يوقع الصفقة بقدر ما يهمه أن يرى مشروعاً منجزاً بجودة، وخدمة عمومية تشتغل، ومالاً عاماً يُصرف في محله.