محمد خوخشاني
كان هناك وقت قدّم فيه الدعم الغربي — والأمريكي خصوصًا — لإسرائيل على أنه عقيدة لا تمس، وحلف يتجاوز الرئاسات والأغلبيات البرلمانية وحتى القوانين الدولية. اليوم، لم تعد هذه العقيدة تظهر فيها شقوق فقط، بل انهيارات متسارعة في المشهدين السياسي والشعبي الغربي. فما يحدث في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا منذ أكتوبر 2023 وحتى لحظة كتابة هذه السطور، تجاوز كل التصورات السابقة لـ"عدم الاحترام" للمواثيق الدولية، ليصل إلى مستوى التحدي العلني لكل الأعراف الإنسانية.
انهيار الدعم اللامشروط.
التصويت الذي رفض فيه 40 سيناتورًا ديمقراطيًا من أصل 47 إرسال معدات هندسة مدنية إلى إسرائيل، و36 منهم إرسال القنابل، لم يعد حدثًا معزولًا. اليوم، نشهد مقاطعة حكومية فعلية من دول مثل إسبانيا وبلجيكا والنرويج وأيرلندا، واعتراف متزايد بدولة فلسطين كخطوة تصحيحية لعقود من التواطؤ. بل إن إدارة بايدن نفسها، رغم استمرارها في تسليح إسرائيل، اضطرت مرارًا إلى تجميد شحنات قنابل ثقيلة تحت ضغط داخلي غير مسبوق.
التهجم اليومي على الفلسطينيين: من غزة إلى الضفة.
لم يعد ما تقوم به إسرائيل مجرد "نزاع" يمكن وضعه في سياق الدفاع عن النفس. فالمجازر اليومية في غزة، التي تجاوز عدد شهدائها 40 ألف فلسطيني — معظمهم أطفال ونساء — إلى جانب تدمير البنية التحتية الصحية والتعليمية، واستهداف الصحفيين والعاملين في الإغاثة الدولية، كلها سجلت بأدلة لا تقبل الجدل أمام المحاكم الدولية.
أما في الضفة الغربية والقدس، فالتصعيد لم يتوقف منذ 7 أكتوبر 2023. تهجير قسري، هدم منازل، إغلاق معابر، وأكثر من 600 شهيد فلسطيني منذ بدء العدوان على غزة. لكن الأخطر هو غض الطرف الغربي عن سلوك المستوطنين المتطرفين، الذين باتوا — تحت حماية الجيش الإسرائيلي — يرتكبون مجازر حقيقية في بلدات مثل "حوارة" و"برقة" و"الخضر"، ويقطعون أشجار الزيتون، ويحرقون المحاصيل، ويطردون السكان من أراضيهم بالرصاص الحي.
لبنان وسوريا: التمدد العدواني بغطاء غربي صامت.
لم تكتف إسرائيل بعدوانها على غزة والضفة، بل وسّعت دائرة استهدافها إلى لبنان وسوريا بشكل يومي تقريبًا. اغتيالات في الضاحية الجنوبية لبيروت، استهداف مطار دمشق، قصف بلدات جنوب لبنان بقنابل عنقودية محرمة دوليًا، وتهجير أكثر من 100 ألف لبناني من منازلهم. كل ذلك يحدث، وغالبية العواصم الغربية تكتفي بـ"بيانات قلق" متكررة، بينما تواصل تسليح إسرائيل وتوفير الغطاء الدبلوماسي لها في مجلس الأمن.
هذا السلوك كشف ازدواجية المعايير الغربية بكل وقاحة: أوكرانيا تستحق دفاعًا غربيًا شاملاً، بينما لبنان وسوريا وفلسطين تترك لمصيرها أمام آلة عسكرية إسرائيلية لا تعترف بحدود ولا مواثيق.
الانهيار الأخلاقي في الضفة والقدس: المستوطنون كذراع غير رسمي.
ما يعانيه الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس من عنف المستوطنين هو نموذج صارخ على الفوضى التي يغذيها الصمت الغربي. المستوطنون، الذين تصفهم التقارير الحقوقية بأنهم "ميليشيات مدعومة من الدولة"، يرتكبون جرائم حرب بمرأى ومسمع من جيش الاحتلال، بل وأحيانًا بمشاركته. إحراق مساجد، سرقة مواشي، إطلاق نار على مدنيين عزل، وكل ذلك دون أي رادع فعلي.
الدول الغربية التي تفرض عقوبات على عشرات الإيرانيين والروس دفاعًا عن حقوق الإنسان، لم تضع حتى اليوم أكثر من مستوطنين معدودين على قوائم العقوبات، رغم توثيق عشرات الآلاف من الاعتداءات.
الغرب أمام امتحان المصداقية.
حقيقة أن المحكمة الجنائية الدولية تطلب مذكرات اعتقال بحق نتنياهو وغالانت، وأن محكمة العدل الدولية تصف وجود إسرائيل في الأراضي المحتلة بأنه "غير قانوني"، وأن جنوب أفريقيا تقاضي إسرائيل بتهمة الإبادة الجماعية، كلها تضع الغرب أمام مرآته.
فإما أن يكون الغرب مدافعًا عن النظام الدولي القائم على القوانين، وحينها يجب أن تتوقف الأسلحة فورًا، وتعقبها عقوبات حقيقية. أو أن يعترف بأنه فقد كل مصداقية، وأن حقوق الإنسان أصبحت مجرد شعار يُستخدم ضد أعداء الغرب فقط.
دعوة للمصالحة مع الواقع.
لماذا نكتب هذه الافتتاحية اليوم؟ لأن حجم الكارثة الإنسانية تجاوز قدرة التغطية الإعلامية الغربية على التعتيم. لأن صور الأطفال اللبنانيين والفلسطينيين الأشلاء، وتقارير المنظمات الحقوقية، وشهادات العاملين في الميدان، كلها نجحت في اختراق الجدار الإعلامي الذي كان يحمي إسرائيل.
أول خطوة للمصالحة أن تعترف العواصم الغربية بخطئها التاريخي في تمكين هذه السياسات. والثانية: تجميد فوري لكل الأسلحة المستخدمة في الحروب الحضرية. والثالثة: عقوبات جماعية ضد المستوطنين العنيفين. والرابعة: دعم غير مشروط لمقاضاة قادة إسرائيل بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
الخلاصة.
لم يعد العالم يقبل بازدواجية المعايير. إسرائيل فقدت شرعيتها الأخلاقية في عيون شعوب العالم، وغالبيات الشباب في الغرب نفسه يرفضون ما يحدث. قادة إسرائيل المقبلون، إن كانوا عقلاء، سيدركون أن عنف المستوطنين وتهجير الفلسطينيين وقصف الجيران ليس أبديًا، وأن الغرب بدأ يفهم — ولو متأخرًا — أن مصداقيته تتآكل مع كل قنبلة تسقط على مدرسة أو مستشفى أو مخيم للاجئين.
جرس "اللامشروطية" لم يعد يُقرع. إنه مكسور. والكرة الآن في ملعب الغرب: إما أن يستعيد مصداقيته بأفعال، أو يدفع ثمن تواطئه لعقود قادمة.