منير لكماني: «هيبوش» في الإستعمال المغربي.. من الدلالة الحرفية إلى الوصف الإجتماعي

منير لكماني: «هيبوش» في الإستعمال المغربي.. من الدلالة الحرفية إلى الوصف الإجتماعي منير لكماني

يرتبط مصطلح «هيبوش» في بعض الإستعمالات المغربية بمعنى حسي قريب من القمل الصغير، أو من الحشرات الدقيقة التي توحي بالإزعاج وصعوبة الضبط. يمنح هذا المعنى الأصلي الكلمة خلفية دلالية متصلة بالصغر، والكثرة، والحركة غير المنتظمة. ومع أن المصطلح قد يختلف معناه من منطقة إلى أخرى، فإن حضوره في الكلام الشعبي يجعله قابلا للتوسع المجازي. فاللغة اليومية كثيرا ما تنقل الكلمات من معناها المادي إلى معان إجتماعية ونفسية. ومن هنا، لم يعد المصطلح محصورا دائما في دلالته الحرفية. بل صار يستعمل أحيانا لوصف حالات من الفوضى أو ضعف التنظيم. ويكشف هذا الإنتقال قدرة الدارجة المغربية على توليد معان جديدة من صور بسيطة ومألوفة.

التحول من التسمية إلى الوصف

عندما ينتقل المصطلح من تسمية شيء مادي إلى وصف سلوك إنساني، فإنه يكتسب قوة تعبيرية أكبر. فكلمة «هيبوش» لا تستعمل في هذا السياق لوصف الشكل، بل للإشارة إلى نمط من التصرف أو الحضور الإجتماعي. وقد يقصد بها جماعة تتحرك بلا نظام، أو أشخاص يتصرفون بطريقة مزعجة أو غير منضبطة. غير أن هذا الإستعمال يحتاج إلى وعي؛ لأنه ينتقل من وصف الحالة إلى تقييم الأشخاص. والفرق بين الأمرين مهم جدا في التواصل اليومي. فوصف السلوك يمكن أن يكون مقبولا إذا كان دقيقا ومحددا. أما إلصاق اللفظ بالأشخاص مباشرة، فقد يحول الكلمة إلى حكم قاس عليهم.

الدلالة الإجتماعية للكلمة

يحمل المصطلح، في إستعماله الإجتماعي، معنى يتصل بالفوضى، وضعف الإنضباط، وغياب الترتيب. لذلك قد يستعمل في مواقف التذمر من سلوك جماعي غير منظم. وقد يظهر في وصف إزدحام غير مرتب، أو تصرفات صاخبة، أو تعامل يفتقر إلى الإحترام. غير أن قوته التعبيرية تأتي من الصورة التي يستحضرها في ذهن السامع. فهو لا يصف الفوضى وحدها، بل يوحي أيضا بالإزعاج، والتنافر، وصعوبة السيطرة. ولهذا ينبغي فهمه بوصفه لفظا ذا شحنة إجتماعية واضحة. فالكلمة ليست حيادية تماما، بل تحمل أثرا نفسيا يتجاوز معناها المباشر.

خطورة الخلط بين السلوك والشخص

من أدق ما ينبغي الإنتباه إليه أن المصطلح قد يختلط فيه نقد السلوك بالحكم على الإنسان. فإذا قيل عن تصرف معين إنه فوضوي، فالنقد هنا موجه إلى الفعل. أما إذا وصف الإنسان نفسه بلفظ قاس، فإن النقد يتحول إلى مساس بالكرامة. وهذا الخلط هو ما يجعل بعض الألفاظ الشعبية حساسة في التواصل. فقد يقبل الشخص أن يقال له إن تصرفه غير مناسب، لكنه قد يرفض أن يختزل كله في كلمة جارحة. لذلك يجب إستعمال اللغة بطريقة تفرق بين الإنسان وسلوكه. فالتعبير الدقيق يحافظ على المعنى من غير أن يسقط في الإهانة.

السياق وأثره في المعنى

لا يمكن فهم كلمة «هيبوش» بمعزل عن السياق الذي تقال فيه. فقد تأتي أحيانا في حديث ساخر بين أصدقاء، فتكون أخف أثرا. وقد تقال في موقف غضب أو أمام الآخرين، فتتحول إلى عبارة مؤلمة ومهينة. كما أن نبرة الصوت، والعلاقة بين المتكلمين، والمكان الذي قيلت فيه، كلها عناصر تغير قوة الكلمة. فاللفظ الواحد قد يبدو عاديا في سياق، وقاسيا في سياق آخر. لهذا لا يكفي النظر إلى المعجم وحده لفهم المصطلح. بل يجب النظر إلى المقام الإجتماعي والنفسي الذي إستعمل فيه.

نحو إستعمال لغوي أكثر دقة

الأدق، عند التعبير عن الفوضى أو ضعف التنظيم، هو وصف السلوك لا وصف الأشخاص. يمكن مثلا القول: «كان التصرف غير منظم»، أو «حدث إضطراب في طريقة التعامل»، أو «غاب الإنضباط عن المجموعة». تنقل هذه العبارات المعنى بوضوح، من غير أن تحط من قيمة أحد. وهي أيضا أكثر قوة في النقاش الجاد؛ لأنها تحدد موضع الخلل بدلا من إطلاق حكم عام. فاللغة الدقيقة لا تحتاج إلى قسوة كي تكون مؤثرة. وكلما كان التعبير أكثر تحديدا، كان أقدر على الإقناع. ومن هنا، يصبح تجنب التحقير والقدح علامة على نضج لغوي وإجتماعي.

ثراء اللغة ومسؤولية الإستعمال

يكشف مصطلح «هيبوش» عن مسار لغوي معروف، يبدأ من معنى حسي بسيط، ثم يتوسع إلى وصف إجتماعي مركب. قوته لا تأتي من معناه وحده، بل من الصورة التي يستدعيها في الذهن. ولهذا يمكن أن يكون إستعماله مؤثرا، لكنه قد يكون جارحا إذا وجه إلى الأشخاص مباشرة. والتحليل الدقيق يبين أن المشكلة ليست في وجود الكلمة، بل في طريقة إستخدامها ومقامها. فحين نريد نقد الفوضى، من الأفضل أن نصف التصرف لا أن ننتقص من الإنسان. وحين نريد التعبير بقوة، يمكننا إختيار ألفاظ واضحة ومحترمة في الوقت نفسه. وبذلك نحافظ على ثراء اللغة الشعبية، من غير أن نحولها إلى وسيلة للإهانة أو الإقصاء.