محمد أمغار
يستعرض هذا الحوار نقاشا قانونيا عميقا مع الدكتور محمد أمغار، المحامي بهيئة المحامين بالدار البيضاء، حول الإشكاليات المرتبطة بالجمع بين مهنة المحاماة والوظيفة العمومية، وتحديدا مهنة التدريس الجامعي.
ويفكك الحوار المقتضيات القانونية المتعلقة بحالات التنافي، ويوضح الأسس التي تقوم عليها مهنة المحاماة والوظيفة العمومية، بعيدا عن منطق "حماية الامتيازات"، مع التأكيد على ضرورة احترام مبادئ التفرغ والنجاعة المهنية في سياق يهدف إلى النهوض بالبحث العلمي وتطوير المنظومة القانونية..
* أليس الرفض للجمع بين التعليم الجامعي والمحاماة، تعبيرا عن رغبة في إغلاق المهنة أمام الكفاءات، أكثر من كونه دفاعا حقيقيا عن استقلالها؟
** أظن أن مسألة الجمع ما بين ممارسة مهنة المحاماة وممارسة الوظيفة العمومية في الآن ذاته، هو السؤال الحقيقي المطروح؛ وهذا الإشكال، أو ما يعرف بحالة التنافي ما بين الوظيفتين -أي وظيفة الأستاذ الجامعي ومهنة المحاماة- ليس وليد المشروع، أي مشروع قانون المحاماة المعروض على البرلمان.
ذلك أن حالة التنافي ما بين الوظيفة العمومية وممارسة المهن الحرة والتجارة، مرتبطة بقوانين الوظيفة العمومية في المغرب ومختلف الدول الحديثة، ولا تخص المحاماة لوحدها؛ لأن حالة التنافي تخص كل المهن الحرة، ومنها التوثيق وخطة العدالة والاشتغال في القطاع الخاص والتجارة وغيرها.
لذلك، فإن الحديث عن إلغاء حالة التنافي ما بين الأستاذ الجامعي الموظف والمحاماة هو حديث عن إلغاء حالة التنافي بالنسبة لجميع المهن الحرة، وهو شيء لا يستقيم مع القانون المنظم للوظيفة العمومية وقوانين المهن الحرة بمختلف أصنافها.
والحديث هنا لا علاقة له بإغلاق أو فتح المجال أمام الكفاءات، بقدر ما له علاقة بالقضاء على جمع مهن ومداخيل ورواتب، الشيء الذي سوف يترتب عنه تضارب المصالح من جهة، وحرمان الشباب من فرص الشغل، وتكديس المناصب أكثر مما هي مكدسة لدى فئات، على حساب خريجي الجامعة المغربية من جهة أخرى.
* كيف تبرر منع أستاذ القانون من ممارسة المحاماة، بينما تستفيد المهنة نفسها من خبرته العلمية حين يتعلق الأمر بالتكوين أو التأطير أو الاستشارة؟
** لم يُمنع أستاذ القانون من ممارسة أي مهنة حرة، سواء تعلق الأمر بالمحاماة أو التوثيق أو غيرها؛ كل ما في الأمر أن القوانين المنظمة للمهن الحرة وقوانين الوظيفة العمومية تشترط عدم الجمع بين الوظيفتين، والأستاذ الجامعي له الخيار لولوج المحاماة أو التوثيق أو غيرها، شريطة توفر الشروط القانونية، ومنها مرور مدة معينة في التدريس وتقديم الاستقالة من الوظيفة العمومية؛ لأن القانون المغربي والقانون المقارن يمنع الجمع بين الوظيفة وممارسة المهن الحرة.
وفيما يخص الجانب المتعلق بالخبرة العلمية، فإنها الشرط الذي مكنه من الولوج الاستثنائي للمحاماة والتوثيق، والتي تشترط قوانينها توفر سنوات من التدريس لمادة أساسية في القانون دون حاجة إلى المرور من التمرين والحصول على شواهد الولوج للمهن الحرة المطلوبة.
والأكيد أن الأستاذ الجامعي من مهامه، وفق ما جاء في مقتضيات المادة 4 من المرسوم رقم 2.23.545 الصادر في 2 غشت 2023، إغناء البحث العلمي والمساهمة في نشر وتقييم وتمثيل نتائجه، والمساهمة في تطوير البحث العلمي التنموي بشراكة مع مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والجماعات الترابية والقطاعات الإنتاجية والمجتمع المدني.
ما يوضح أن العلاقة ما بين الجامعة والمؤسسات المهنية للمهن الحرة هي علاقات وطيدة، الهدف منها تبادل الخبرات وانفتاح الجامعة على المجتمع، دون الإخلال بالمبادئ القانونية القائمة على حالة التنافي والتفرغ للبحث العلمي وإنشاء أجيال المستقبل؛ وهذا لن يتم إلا بضمان النجاعة والمصداقية في المهام المسندة لكل إطار من أطر الدولة والمجتمع. والأكيد أن الأستاذ الجامعي من هذا المنظور هو مثقف عضوي، مهمته البحث العلمي وتأطير أجيال المستقبل من الطلبة الباحثين عن العلم والمعرفة، والمساهمة في النقاش العمومي، دون حاجة للجمع بين الوظيفة العمومية ومهنة من المهن الحرة أو التجارة أو غيرها.
* هل الخشية فعلا على المحاماة من التداخل مع الجامعة، أم الخشية ببساطة من منافسة نوعية قد تعيد ترتيب المواقع داخل المهنة؟
** الأمر لا يتعلق بالخشية على المحاماة من التداخل مع الجامعة، لأن المحاماة هي ابنة شرعية للجامعة؛ ذلك أن كل المحامين وكل القضاة وكل الموثقين وكل العدول وكل المفوضين القضائيين هم خريجو الجامعة وخريجو كلية الحقوق. والأمر لا يتعلق هنا بالمنافسة، بل بالتكامل في إنتاج الثقافة القانونية وضمان حقوق المتقاضين ومبادئ العدالة، إلخ؛ كلٌّ من الزاوية التي يعمل فيها. والأستاذ الجامعي أوكل له القانون مهاما محددة في المراسيم المنظمة للتعليم العالي، والمحاماة أوكل لها القانون المهام المحددة في القانون المنظم لمهنة المحاماة؛ والقانون اشترط شروطا معينة للانتقال من الوظيفة إلى المهنة الحرة، في حالة توفرها يمكن معها للقاضي والأستاذ الجامعي الولوج للمحاماة وممارستها، شأنهم شأن باقي المحامين.
ومن هذا المنظور، فإن أعراف المهنة وتقاليدها لا تميز ما بين محام ومحام، بغض النظر عن مساره قبل الولوج لمهنة المحاماة.
إن المحاماة هي مهنة الحقوق والحريات، ولا وجود لمواقع داخلها، فالكل داخل الجبة السوداء سواء، على الأقل على مستوى أدبيات المهنة.
* إذا كان المحامي يستطيع الاستفادة من الجامعة، فلماذا ترفض القاعدة نفسها عندما يكون الأستاذ الجامعي هو الطرف الذي يرغب في العبور نحو الممارسة؟
** الإشكال هنا غير مطروح؛ ذلك أن المحامي، كما قلت سابقا، هو من الجامعة، هو خريج الجامعة، وولوج المحاماة بعد حصوله على شهادة الأهلية وقضاء فترة التمرين. ومن هذا المنظور، فإن القاعدة هي أن كل المهن والوظائف العليا هي نتاج الجامعة والمعاهد العليا.
أما الإشكال القانوني المطروح فهو إشكال الجمع ما بين الوظيفة والمهنة الحرة؛ وفي هذا الإطار فالمحامي كذلك لا يمكنه الجمع ما بين المحاماة والوظيفة، ذلك أن قانون المهنة أشار إلى حالة التنافي ما بين مهنة المحاماة وجميع الوظائف الإدارية والقضائية. ومن هذا المنظور، فإن النص القانوني للوظيفة العمومية وقانون المحاماة هو الذي يمنع الجمع ما بين المحاماة والوظيفة العمومية، سواء كقاضٍ أو أستاذ جامعي أو موثق أو موظف في وزارة العدل أو المحافظة العقارية أو غيرها، وهو نص يسري على المحامي وعلى الأستاذ الجامعي الموظف، لذلك أين هذه القاعدة المشار إليها في السؤال؟ ما دام أن القانون، أي قانون التنافي، يطبق على الطرفين؛ المحامي والأستاذ الجامعي الموظف.
ومن جهة أخرى، وعكس ما يتمسك به البعض بكون التشريعات المقارنة تسمح بذلك، فإنه وبالاطلاع على مختلف قوانين المحاماة في الدول العربية أو الغربية، نجد أن هذه القوانين تمنع الجمع بين الوظيفة والمحاماة، وتسمح فقط بالتدريس بشكل عرضي، وهذا المقتضى موجود في القانون المغربي المنظم للتعليم العالي، وهو مقتضى الهدف منه سد الخصاص بشكل مؤقت، وهو ما تنص عليه مقتضيات المادة 21 من المرسوم الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين، والذي جاء فيه: "يجوز للجامعات والمؤسسات الجامعية أن تستعين، متى استلزمت الحاجة إلى ذلك، بأساتذة غير دائمين تكون لهم، بحسب الحالة، صفة أساتذة مشاركين، يتقاضون تعويضات عن الدروس، ومنهم الخبراء والمهنيون المنحدرون من القطاع الخاص الحاصلون على دكتوراه الدولة أو الدكتوراه وغيرها من الشواهد العليا، والمتوفرون على تجربة مهنية معتبرة لها علاقة بمادة التدريس"؛ بمعنى أن التدريس هنا يكون عرضياً ولسد الخصاص، وليس الجمع بين المهنة الحرة والوظيفة العمومية، وهذا هو المسموح به في كل التشريعات المقارنة.
*ألا يبدو التمسك بالتنافي المطلق أنه حماية لامتيازات قائمة، أكثر من كونه تنظيما موضوعيا يخدم المهنة والمرتفقين؟
ليس هناك تنافي بين الأستاذية في الجامعة والمحاماة، وهذا هو السؤال الحقيقي؛ لأن التنافي له علاقة بالوظيفة العمومية. أما ممارسة الأستاذية، فإن الأستاذ الجامعي، وفق المادة 3 من المرسوم 2.23.545 المعتبر بمثابة النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، يمارس المهام المسندة إليه بمقتضى القانون بالجامعات التي يتم تعيينه فيها، ويمكن ممارسة نفس المهام في جامعات أخرى بترخيص مكتوب من رئيس الجامعة المعين فيها. بمعنى أن النص القانوني المنظم للتعليم العالي يمنع عليه ممارسة مهام غير المهام المنصوص عليها في المادتين 3 و4 من المرسوم 2.23.545، ومن هذا المنظور فإن الأمر لا يتعلق بالمحاماة، بل يتعلق بكل المهن الحرة، وقانون التوثيق خير مثال على ما أقول، والذي يشترط على الأستاذ الجامعي إذا أراد الولوج إلى مهنة التوثيق، التوفر على أقدمية 15 سنة في التدريس، وتقديم استقالته من الوظيفة العمومية أو إحالته على التقاعد دون سبب تأديبي، واشترط 55 سنة كحد أقصى، وهو الحد الأقصى لولوج الوظيفة العمومية.
ولذلك، ومن هذا المنظور، أين هي حماية الامتيازات المتحدث عنها إذا كان الأمر يتعلق بتطبيق قواعد قانونية تنظم المهن الحرة والوظيفة العمومية؟ ولماذا الحديث عن المحاماة فقط دون الحديث عن هذه القواعد القانونية المؤطرة للمهن الحرة والوظيفة العمومية؟ ومن هذا المنظور فإن الأمر لا يتعلق بحماية الامتيازات، ذلك أن ممارسة كل مهنة من المهن تتم وفقاً للقانون؛ بمعنى ممارسة اختصاصات أسندها القانون لمزاولي هذه المهن، ولا مجال للحديث هنا عن امتيازات. لذلك فالأستاذ الجامعي يمارس المهام المسندة إليه والمنصوص عليها في القانون المنظم للتعليم العالي، وهي:
- إغناء البحث العلمي والمساهمة في نشر وتقييم وتثمين نتائجه.
- المساهمة في تطوير البحث العلمي التنموي بشراكة مع مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار والجماعات الترابية والقطاعات الإنتاجية والمجتمع المدني.
- القيام بأنشطة التدريس في صيغة دروس رئيسية أو أعمال توجيهية أو أعمال تطبيقية، وذلك ضمن التكوين الأساسي والتكوين المستمر، ووفق نمطي التعليم الحضوري أو التعليم عن بعد أو هما معاً.
- إنتاج المواد البيداغوجية المادية والرقمية والعمل على تجويدها.
- تقييم المعارف والمؤهلات والكفايات المكتسبة، والمساهمة في لجان الامتحانات والمباريات والمداولات وفي الحراسة.
- تأطير أطروحات الدكتوراه ومشاريع نهاية الدراسة والأعمال الميدانية والمساهمة في تقييمها وتجويدها.
- إسداء الاستشارة لفائدة الطلبة ومواكبتهم وتوجيههم.
- تطوير أساليب ومناهج التدريس.
- القيام بأعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل.
لذلك لاحظ معي المهام الحقيقية الموكولة للأستاذ الجامعي باعتباره قاطرة إعداد الطلبة والبحث العلمي لفائدة التطور والتنمية؛ ومن هذا المنظور وبالرجوع إلى المرسوم، نجد أن الأستاذ الجامعي ملزم على مستوى التدريس بـ 246 ساعة إلى 300 ساعة سنويا، دون الحديث عن المهام الأخرى، فكيف يمكن الجمع بين موظف حدد القانون مهامه وضرورة تفرغه للعمل في الجامعة، ومهنة حرة، دون الإخلال بالمبادئ المؤدية للتنمية والتطور؟ أظن أن الجواب عن هذا السؤال يمكن إيجاده في تجربة دول جنوب شرق آسيا في التعليم وإعداد الأطر القادرة على خلق التنمية والتطور.
* كيف يمكن لمهنة تقول إنها تريد التطور والانفتاح أن تعتبر البحث العلمي والخبرة الأكاديمية تهديدا، بدل أن تراها رافعة لتجويد الدفاع؟
** بالعكس، مهنة المحاماة كانت دائما في صلب البحث العلمي والترافع الحقوقي، والدليل على ذلك حجم الشراكات المبرمة ما بين المؤسسات المهنية للمحاماة والجامعات والمعاهد المغربية والأجنبية، وحجم اللقاءات والندوات التي ساهم فيها المحامون إلى جانب زملائهم الأساتذة الجامعيين والقضاة ومختلف أطر الدولة والمجتمع.
المحاماة منفتحة على كل القوى الحية في المجتمع بهدف تطبيق القوانين المؤدية إلى التطور والتنمية، وإشكالية التنافي المنصوص عليها في مختلف القوانين المقارنة الهدف منها ضمان العقلانية والتفرغ للمهام المسندة لكل إطار من إطارات الدولة والمجتمع.
ومن هذا المنظور، فإن التعليم بصفة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة، يعتبر اللبنة الأولى لبناء مجتمع آمن منتج ومستدام، وتفرغ أستاذ التعليم العالي لهذه المهمة يعتبر من أقدس المقدسات، والمدخل لإعادة الاعتبار للقدوة التي انهارت مع سيادة المال، وما أدراك ما المال! رحم الله من علّمنا، وأطال عمر من بقي منهم على قيد الحياة.