عبد الرحيم بوعيدة
ليست كل الشظايا تقتل.. بعضها لا يفعل أكثر من أن يوقظ ذاكرةً هرِمة..
شظايا تُرمى فلا تُصيب، لأن ما كان يُراد له أن يُوجِع، لم يعد قابلاً للألم أصلاً..
هي فقط تذكيرٌ باهت بأطروحةٍ شاخت، فقدت قدرتها على الإقناع، وباتت تتكئ على صدى انفجاراتها أكثر مما تستند إلى معنى وجودها..
تصل متأخرة، كرسالةٍ من زمنٍ انتهى، إلى من كانوا يوماً يصدقون حلماً وُلد على تخوم زويرات، في زمنٍ كان فيه التمرّد فضيلة، حتى لو كان موجهاً إلى الذات..
خمسون عاماً مرّت…
وخلالها لم تجرِ المياه فقط تحت رمال الصحراء، بل جرت الأعمار أيضاً، وذابت ملامح جيلٍ كامل في سراب الوعد..
جيلٌ لا يزال يعاند الزمن، يتكئ على جارةٍ شُيِّدت سياستها على جغرافيا باردة، لا على دفء التاريخ المشترك..
بين المغرب والجزائر، لم تكن الحدود يوماً سوى جرحٍ حديث في جسدٍ قديم..
هناك جسور من ذاكرةٍ واحدة، هدمها حقدٌ لا يُجيد سوى إعادة إنتاج نفسه..
حقدٌ على بلدٍ لا يملك بترولاً ولا غازاً، لكنه يملك ما هو أخطر: الإنسان، والموقع، وذاكرة ملكية تشبه صمام أمان في زمن الانفجارات..
ومع ذلك، نعترف -بشيء من القسوة على الذات- أننا لم نصل بعد..
نفتح كل صباح كتاب الأمل، ونكتب فيه بأخطاء الأمس، علّنا نبلغ يوماً مرتبة الدول التي نحلم أن نكونها..
في الجهة الأخرى، يتكرر الاسم نفسه: المغرب..
كأنه الجواب الوحيد لكل الأسئلة، والخطأ الوحيد في كل المعادلات..
وكأن شعباً كاملاً لا يعاني إلا بسببه..
وهناك، أبناء عمومة… لا يزالون عالقين بين حلمٍ يُستخدم، وصراعٍ يُدار، كأنهم أدوات في حكايةٍ طال زمنها حتى بهت معناها..
بدل أن تُصاغ الحلول، تُقذف القنابل..
وكأن الصوت العالي يغني عن الفكرة،
وكأن الانفجار بديل عن الحوار..
لكن السياسة -كما علّمنا الزمن- غلا تُدار بالبارود، بل بالكلمة..
بالجرأة التي تعترف، لا التي تُنكر..
بالعقل الذي يراجع نفسه، لا الذي يكرر أخطاءه..
التاريخ لا يرحم..
والسياقات تتبدل..
والمصالح هي اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا العصر..
أما حلم الأمس… فقد فقد حتى حقه في أن يكون كابوساً،
وصار قنبلةً، ترتدّ على من أطلقها..
سيقال عني الكثير..
سيُقال إنني صحراويٌ أغوته السلطة، أو باع صوته في سوق الولاءات..
لكنني، ببساطةٍ جارحة، أقول:
أنا صحراويُّ الهوية، مغربيُّ الانتماء، حتى العظم..
لم أساوم، ولم أبع..
انتقدت حين كان النقد ضرورة، ودافعت حين كان الدفاع واجباً..
دافعت عن الصحراء، لا كملفٍ سياسي، بل كأرضٍ لها نبض، وإنسانٍ له حق في الكرامة والتنمية..
ولم يقف ببابي خوف، ولم تُصادر كلمتي..
هنا، نختلف:
أنتم أسرى أطروحة، ونحن أبناء سؤال..
أنتم تخشون الكلام، ونحن نتنفسه..
قد يقول قائل إن السياسة أقصتني يوماً وأخرجتني من رئاسة الجهة، أو عطّلت مساراً بدا مؤكداً..
وأقول: تلك لعبة العالم كله..
تجاذبات، حسابات، قضاءٌ يقول كلمته..
أما عندكم… فلا انتخابات، ولا قضاء، ولا حتى وهم دولةٍ ثابتة..
هي كيانٌ من رمال، تُحرّكه يدٌ أخرى، وتلعب به كما تُحرّك الدمى..
أتذكر لقاءً في الأمم المتحدة سنة 2013،
حين قيل لي: ساعدونا بالصمت..
لكن كيف يصمت من يعرف الحكاية من داخلها؟
من يعرف اللهجة، والملح، والذاكرة؟
أنا ابن هذه الأرض..
أحبها كما تُحب الأم أبناءها المختلفين..
أعتز بحسانيتي، بلهجتي، بتاريخي، لكنني أراها خيوطاً في نسيج مغربي واسع، لا جدراناً تفصلني عنه..
غادرت وادنون شاباً، في الثامنة عشرة،
وحملتني مراكش أربعين عاماً من دون أن أشعر بغربة..
لأن الوطن ليس مكاناً فقط…
بل اعترافٌ متبادل بينك وبينه..
الوطن، يا أبناء العمومة، ليس خيمة تُنصب على الحدود،
بل جذور تمتد في الداخل..
وللأسف، لم تُمنحوا فرصة أن تشعروا به،
لأنكم عوملتم كضيوف في أرضٍ كان يجب أن تكون لكم وطناً..
أما القنابل…
فليست سوى ألعاب عاشوراء، تُحدث ضجيجاً أكثر مما تصنع أثراً..
تكشف العجز أكثر مما تخيف الخصم..
عودوا إلى المعنى، قبل أن تضيعوا في الضجيج..
فالصحراء رغم كل شيء لا تزال تتسع لكم،
إن عرفتم الطريق إليها…