عبد اللطيف رويان:الجميع سوسيولوجيون.. إلا السوسيولوجيين أنفسهم !!!

عبد اللطيف رويان:الجميع سوسيولوجيون.. إلا السوسيولوجيين أنفسهم !!! عبد اللطيف رويان

لم تعد السوسيولوجيا في المغرب اليوم حكراً على أهلها، وهذا في حد ذاته إنجاز ديمقراطي يستحق التأمل. فقد فتحت هذه الحسناء أبوابها على مصراعيها، لتستقبل بحفاوة كل من هبّ ودبّ؛ المذيعَ الذي اكتشف نفسه عالماً اجتماعياً بين فاصلتين إعلانيتين، والناشطَ الذي أمضى ليلة كاملة يقرأ ويكيبيديا فأصبح مرجعاً، والشيخَ الذي وجد في السوسيولوجيا ضالته لتسويغ ما عجز الفقه عن تسويغه، وذلك الصنف الأخطر على الإطلاق، وهو من لا يعرف شيئاً لكنه يجهل أنه لا يعرف، فيُفتي بثقة من يمتلك الحقيقة كاملة موثقة بختم رسمي. وقد بلغ هذا الكرم المعرفي غير المسبوق حداً صار معه نحت المفاهيم السوسيولوجية ضرباً من ضروب الترفيه الفكري، تُصاغ على عجل بين تغريدة وأخرى، وتُتداول بيسر يفوق تداول أخبار الطلاق والزواج في مجالس الأحياء، في غياب شبه تام لأي رقابة أكاديمية، كأن حراس هذا العلم قد آثروا الصمت المريح على متاعب المساءلة والنقد. فأين تكمن جذور هذه الظاهرة؟ وما حجم الضرر الذي ألحقته بمصداقية هذا العلم؟ أم أننا بتنا أمام علم جديد كلياً يستحق تسمية خاصة، "سوسيولوجيا البداهة"، أو بتعبير أكثر دقة وأمانة: فقه الظاهرة الاجتماعية بلا وضوء؟

 

لقد شهدت العقود الأخيرة صعوداً لافتاً لما يمكن تسميته بـ"السوسيولوجيا الانطباعية"، تلك الخطابات التي تتزيّا بزي العلم وتوظف مصطلحاته، دون أن تمتلك أدواته المنهجية أو تستوعب مرجعياته النظرية. وقد تصدّر هذا المشهد أفراد قادمون من حقول متباينة، من رجال دين وإعلاميين ومدوّنين وممثلين وناشطين حقوقيين...، ليجدوا أنفسهم فجأة في موقع "المحلل الاجتماعي" الذي تُعاد إليه الأمور وتُصدر منه الأحكام.

 

ولعل ما أسهم في تغذية هذه الظاهرة هو الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت لكل صاحب رأي منبراً بلا بوّاب، وجمهوراً بلا محكّمين. فأصبح الحُكم على ظواهر اجتماعية بالغة التعقيد كالهجرة والهوية والتدين والجريمة والفقر والطلاق والرجولة والتحضر ...، رهيناً بمزاج صاحب "البوست" أو طول "الثريد"، لا بعمق البحث الميداني ولا بصرامة التحليل البنيوي.

 

ومن أكثر مظاهر هذا الانحراف إثارةً للقلق، ظاهرة نحت المفاهيم الجديدة وتسويقها على نطاق واسع، دون أن تستوفي الحد الأدنى من الاشتراطات العلمية التي تُضفي على المفهوم مشروعيته المعرفية. فالمفهوم في علم الاجتماع ليس وشماً لغوياً يُنقش على الظاهرة لمجرد التسمية والتمييز، بل هو أداة تحليلية مركّبة تستلزم تأسيساً نظرياً صارماً، وضبطاً اصطلاحياً لا يقبل المساومة، وتحديداً دقيقاً لحدوده المفاهيمية في مواجهة ما يجاوره أو يتقاطع معه، وهو ما يجعله في أقل تقدير مختلفاً جوهرياً عن الصياغة الارتجالية التي تولد بين تغريدة وتعليق...

 

غير أن ما يجري في الفضاء العام المغربي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً؛ إذ تُولَّد مفاهيم من رحم الانطباعات الشخصية والقراءات العابرة، بل وما يُستلّ أحياناً من ملاحظات عامية لم يقصد أصحابها يوماً أن تُرفع إلى مصافّ المفاهيم العلمية، ثم تُضخ في التداول الإعلامي والرقمي والإشهاري لتكتسب بالتكرار شرعيةً زائفة، يصعب بعدها تفكيكها أو التشكيك في مصداقيتها أمام جمهور لا يسأل عن مصدر ما يتلقاه ومشروعيته. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح لا يخلو من مرارة: من المسؤول عن هذا الفراغ الذي أتاح للجميع ما لم يكن متاحاً؟ والجواب ليس بعيداً عن الجامعة ذاتها.

 

لا يمكن إغفال المسؤولية التي تتحملها المؤسسة الأكاديمية المغربية في هذه المهزلة، وإن كان بعضهم يؤثر توزيع المسؤولية بالتساوي على الجميع تفادياً للإحراج، وهو في حد ذاته موقف يستحق الدراسة السوسيولوجية. فحين ينكفئ الأكاديميون المتخصصون إلى أبراجهم العاجية، مكتفين بإنتاج أبحاث لا تجد قارئها إلا في أضابير لجان التحكيم حيث تُدفن بهدوء مريح، ومتذرّعين بنبل الصمت العلمي سترةً على العجز عن الانخراط في النقاش العام بلغة يفهمها غير المتخصصين، فإنهم لا يتركون الساحة فارغة فحسب، بل يُسبِّلونها وقفاً خيرياً أمام كل من أوتي جرأة التنظير ولم يُؤتَ عدّته.

 

 

 

ولو اقتصر الأمر على هذا الغياب لهانَ الخطب، غير أن الجامعة لم تكتفِ بالتخلي عن الساحة، بل أسهمت في تجهيز من خلفها بأدوات الفراغ ذاتها؛ وكأن ذلك لم يكفِ، فقد أسهم ضعف الإنتاج العلمي المتاح للعموم، وشُح الترجمات المفاهيمية الرصينة، وغياب أي تواصل حقيقي بين الجامعة والمجتمع، في حفر فراغ معرفي هائل، سارع غير المتخصصين إلى ملئه بما أوتوا من حماس جارف لا يعوّض الكفاءة، تماماً كمن يسدّ ثغرة في سدٍّ بقطعة من الورق المقوّى، مطمئناً إلى أن لا أحد سيفحص الجودة. والمفارقة المُرّة أن هذا الفراغ لم يكن حتمياً ولا قدراً محتوماً، بل هو نتاج خيارات واعية آثرت فيها النخبة الأكاديمية راحة الاحتجاب على متاعب الحضور، فدفع العلمُ الثمنَ مرتين؛ مرة حين غاب أهله، ومرة حين حضر من لا أهلية له.

 

يُضاف إلى ذلك، وهنا تبلغ المفارقة ذروتها، أن بعض المنتسبين أصلاً إلى حقل السوسيولوجيا أسهموا هم أنفسهم في إذكاء هذه الظاهرة، حين آثروا بريق المنابر الإعلامية على وعثاء البحث الميداني، وتنافسوا على اصطياد الجمهور بدل الاستثمار في إنتاج معرفة رصينة، فأضحى بعضهم لا يكاد يتمايز عن منافسيهم من الهواة، اللهم إلا بتلك العبارة المضيئة التي تتصدر خانة التخصص أسفل الشاشة: "دكتور".

 

إن ما يترتب على هذا الوضع يتجاوز مجرد الإساءة إلى سمعة تخصص أكاديمي، ليطال البنية المعرفية للمجتمع في عمقها. فحين تُختزل ظواهر اجتماعية بالغة التركيب في تفسيرات ساذجة أو ارتجالية، وحين تُسكّ مصطلحات من عجينة الانطباع وتُوظَّف في غير سياقها الأصيل، ينشأ لدى الرأي العام ذلك الوهم الأشد خطورة من الجهل الصريح، وهم الفهم، الذي هو في حقيقته سوء فهم مُنظَّم يرتدي ثياب اليقين. ومن ثمة تُبنى مواقف وتُصاغ قناعات جمعية راسخة وتُتخذ قرارات استناداً إلى تحليلات معيبة في منطلقاتها ومنهجيتها، وهو ما يجعل الخطأ لا يقتصر على صاحبه بل يتسرب إلى النسيج الاجتماعي برمته.

 

فضلاً عن ذلك، يُفضي هذا الوضع إلى ما هو أشد وطأة وأبعد أثراً، إذ يُشوّه تصور الأجيال الشابة لهذا العلم في مهده، فيما بات الطالب الجامعي نفسه يستقي مفاهيمه السوسيولوجية الأولى من منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تطأ قدمه قاعة المحاضرات، بل ربما وصل إليها حاملاً يقينيات جاهزة يصعب على أستاذه تفكيكها، في مشهد يستحق وحده أطروحة دكتوراه حول سوسيولوجيا تدمير السوسيولوجيا.

 

إن إنقاذ السوسيولوجيا المغربية من هذا المنزلق يستلزم جملة من الإجراءات المتضافرة؛ في مقدمتها انخراط الأكاديميين بجدية في الفضاء العام دون التفريط في الصرامة المنهجية، وتطوير آليات للتواصل العلمي بلغة في متناول الجميع دون إسفاف أو ابتذال. كما يقتضي تعزيز ثقافة التحقق والتدقيق في المصادر والمرجعيات، والتصدي بشجاعة للخطابات الزائفة المتسترة بعباءة العلم.

 

إن السوسيولوجيا ليست حكراً على النخبة، وهذا مبدأ لا خلاف فيه، غير أنها ليست أيضاً فضاءً أعزل يدلفه كل من ضاقت به المجالات الأخرى أو أغرته سهولة الادعاء. فثمة فارق جوهري بين ديمقراطية المعرفة التي تجعل العلم في متناول الجميع، وبين فوضى المعرفة التي تجعل الجميع في متناول العلم، يتناولونه كيفما شاؤوا ومتى شاؤوا وبأي أداة اتفقت.

 

وبين الانغلاق الأكاديمي الذي يحتكر الحقيقة خلف أسوار الجامعة، والانفتاح الفوضوي الذي يُسوّي بين المنهج والمزاج، ثمة مسار وسط يجمع بين الرسوخ العلمي وإمكانية الوصول الديمقراطي. مسار يعرف فيه المتخصص كيف يتكلم دون أن يتعالى، ويعرف فيه غير المتخصص حدود ما يعلم دون أن يصمت. وهو بالضبط المسار الذي طالما غاب في السياق المغربي، لا لأنه مستحيل، بل لأن الطرفين لم يجدا فيه ما يكفي من إغراء؛ الأكاديمي لم يجد فيه شهرة، والهاوي لم يجد فيه حرية. واليوم، حين باتت "السوسيولوجيا الشعبوية" تُشكّل وعي الأجيال وتُغذي النقاشات العامة وتُلهم صانعي القرار أحياناً، لم يعد الأمر ترفاً فكرياً أو نقاشاً أكاديمياً بين جدران الجامعة، بل بات استحقاقاً معرفياً ومدنياً لا تحتمل التأجيل، إلا إذا كنا نرى في الفوضى نظاماً من نوع خاص يستحق الصون والحماية.

 

                                                                                   د.عبد اللطيف رويان

 

                                                                                     باحث في سوسيولوجيا الجريمة والانحراف