سعاد بنور: تحقيق حماية استقلال المحاماة لا يبرر إغلاق باب الولوج إليها في وجه أساتذة جامعيين أكفاء في تخصصاتهم القانونية

سعاد بنور: تحقيق حماية استقلال المحاماة لا يبرر إغلاق باب الولوج إليها في وجه أساتذة جامعيين أكفاء في تخصصاتهم القانونية سعاد بنور، أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق عين الشق بالدار البيضاء

دعت سعاد بنور، أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق عين الشق بالدار البيضاء، إلى فتح جسر بين الجامعة ومهنة المحاماة، معتبرة أن هذا الجمع يُحسِّن جودة الخدمة القانونية ويوسّع نطاقها بعيدا عن الملفات التقليدية.
وأضافت في حوار مع جريدة "أنفاس بريس" أن المحاماة، بخلاف المهن القانونية الأخرى مثل التوثيق والعدول والخبرة، تقع في صلب المنازعة والجدل القانوني، ما يجعلها حاضنة طبيعية لتطوير الاجتهاد القضائي والربط بين النظرية والواقع. مبرزة أن قانون الوظيفة العمومية لا يحظر هذا الجمع، بل يفتح الباب أمام استثناء تشريعي يسمح له، وأن المانع الرئيسي اليوم هو قانون مهنة المحاماة نفسه..

 


* لماذا كل هذا الإصرار على الترافع من أجل الجمع بين التعليم الجامعي بما هو وظيفة عمومية ومزاولة مهنة المحاماة بما هي مهنة حرة، في ظل وجود مهن قانونية أخرى، من قبيل التوثيق العصري والعدول والخبراء القانونيين؟
** يرجع هذا الإصرار إلى سبب بسيط، لا تتعلق المسألة بالولوج إلى أي مهنة قانونية كيفما كانت، بل بالعلاقة المباشرة بين تدريس القانون والبحث القانوني والترافع أمام القضاء والمساهمة في النقاش التواجهي الذي يصنع الاجتهاد القضائي، فمهنة التوثيق العصري والعدول والخبرة القانونية مهن مهمة، لكنها لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها المحاماة، فالموثق والعدل يتدخلان أساسا في تأمين العقود وتوثيقها وإثباتها وإضفاء الشكل القانوني عليها، أما الخبير، فيقدم مساعدة تقنية للقاضي أو للأطراف، بينما يوجد المحامي في قلب النقاش القضائي التواجهي،  يقدم المشورة، ويرافع، وينازع، ويفسر، ويبني الوسائل القانونية، ويدفع نحو تطوير الاجتهاد القضائي، ويواجه القاعدة القانونية مباشرة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والقضائي. من هنا أهمية الجمع بين التدريس والبحث والمحاماة، فهذا الجمع يخلق جسرا حيا بين كرسي الأستاذية ومنصة الدفاع، فلا تبقى الجامعة حبيسة للنظرية المجردة ولأنها ستجد في المحاماة مجالا خصبا لاختبار نظرياتها، وتستفيد المحاماة من إنتاج أكاديمي وعلمي يحل المشاكل اليومية التي يواجهها المحامي.
ولا يتعلق الأمر إذن بتفضيل المحاماة على باقي المهن القانونية، بل بالاعتراف بأن مهنة المحاماة هي الأكثر اتصالا بالمنازعة والجدل القانوني وحقوق الدفاع وصناعة الاجتهاد القضائي، ومن ثم، فإن ممارستها بالنسبة لأستاذ القانون تشكل امتدادا طبيعيا للتدريس والبحث العلمي.
كما أن الدفاع عن هذا الجمع لا يعني إلغاء الضمانات، بل ينبغي تأطيره بضوابط صارمة، منع تضارب المصالح، احترام الاستقلال، ومنع الأستاذ المحامي من الترافع ضد جامعته أو ضد الوزارة الوصية عليه، ومنعه من تحمل مسؤوليات إدارية أو بيداغوجية أو تدبيرية داخل جامعته...
لذلك فإن هذا الإصرار مرده أن المحامي ليس مجرد مهني قانوني من بين غيره، بل هو الفاعل الذي يحول المعرفة القانونية إلى دفاع، واجتهاد قضائي، وحماية فعلية للحقوق/ وهذا هو الجسر الأساسي بين الجامعة والمحاماة الذي ينبغي إعادة بنائه.

 

* ماهي القراءة القانونية الدقيقة لموقف النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية من الجمع بين التعليم الجامعي ومهنة المحاماة؟
** يسمح الفصل 15 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية بوجود استثناءات لمبدأ منع الموظف من مزاولة نشاط حر، شريطة أن تنص على ذلك "الأحكام التشريعية المنافية الخاصة ببعض الهيئات". وهذا يعني أنه يمكن للقانون المنظم لمهنة المحاماة مثلا كما كان الحال قبل 1993 أن يسمح بالجمع بين مهنتي التدريس والمحاماة. 
زد على ذلك، لا يتضمن مرسوم 2 غشت 2023 المتعلق بالنظام الأساسي للأساتذة الباحثين أي نص صريح يمنع الأساتذة من ممارسة نشاط مهني آخر، بل نجد المادة 4 تنص صراحة على تكليفهم بـ "أعمال الخبرة والاستشارة وفق التشريع الجاري به العمل، وهذا يختلف تماما عن مرسوم 1997 الذي كان يمنعهم صراحة من مزاولة نشاط خاص بغرض الربح.
وعليه، لا يوجد في قانون الوظيفة العمومية ولا في النظام الأساسي الحالي للأساتذة الباحثين ما يمنعهم من الجمع بين التدريس والمحاماة، بل إن المانع الوحيد حاليا هو القانون المنظم لمهنة المحاماة.


* هل يمكن اعتبار التنصيص في قانون المحاماة على السماح للجمع بين المهنتين استثناء مشروعا ينسجم مع الفصل 15 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية؟ 
** بكل تأكيد، ففي ظل الفصل 15 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، كان قانون 18 ماي 1959 المنظم لهيئات المحامين ينص في فصله 48 على أن مهنة المحاماة لا تتنافى مع وظيفة أستاذ أو مكلف بدروس في الحقوق في الكليات أو المدارس، كما كان الفصل 71 من قانون 8 نونبر 1979 المنظم لمهنة المحاماة، يؤكد صراحةً على عدم تنافي مهنة المحاماة مع مهام أستاذ في الحقوق بإحدى الكليات، غير أنه بموجب المادة 7 من قانون 10 شتنبر 1993 المنظم لمهنة المحاماة تم إقرار التنافي بين مهنة المحاماة مع جميع الوظائف المأجورة، دون استثناء أساتذة القانون، وإذن، فالأساس القانوني للتنافي لا يتمثل في قانون الوظيفة العمومية، وإنما في قانون مهنة المحاماة الذي يحتاج لتعديل يعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل 1993، بما يسمح للأستاذ الباحث بالمزاوجة بين البحث العلمي والممارسة العملية، لذلك نطالب بتعديل المادتين 13 و14 من مشروع قانون مهنة المحاماة لرفع هذا الحاجز، مما سيجعل وضعية الأستاذ الجامعي المحامي وضعية نظامية وسليمة.

 

* هل نحن أمام تنظيم قانوني يحمي مهنة المحاماة فعلا، أم أمام منطق إقصاء يحافظ على الحدود التقليدية أكثر مما يخدم جودة الخدمة القانونية؟
** في تقديري، لا تكون الحماية القانونية المشروعة لمهنة المحاماة بالمنع المطلق، بل بالتنظيم الذكي القادر على تفادي المخاطر دون إهدار الإمكانات، فإذا كان الهدف هو حماية استقلال المحامي، ومنع تضارب المصالح، وضمان النزاهة، فهذه أهداف مشروعة بالكامل، غير أن مشروعيتها لا تعني أن الوسيلة الوحيدة لتحقيقها هي الإقصاء العام، ولا تبرر إغلاق باب الجامعة في وجه المحامين الحاصلين على شهادة الدكتوراه، أو الموجودين في مسار إعدادها، كما لا تبرر إغلاق باب الولوج إلى هيئة المحامين في وجه أساتذة جامعيين أكفاء في تخصصاتهم.
وهنا ينبغي التمييز بوضوح بين التنافي والمنع المطلق، فالتنافي، في أصله، ليس عقوبة ولا آلية لإبعاد فئة مهنية بعينها، بل هو نظام قانوني وظيفته حماية استقلال المحامي، ومنع الحالات التي قد تخلق تعارضا فعليا بين واجبات الوظيفة وواجبات الدفاع،  أما المنع المطلق، فهو منطق مختلف؛ لأنه لا يبحث في وجود خطر حقيقي، ولا يميز بين الحالات، ولا يفتح المجال لوضع ضوابط مهنية دقيقة، بل يقرر الإقصاء المسبق لمجرد الانتماء إلى صفة مهنية معينة.
لذلك، فالمنع المطلق لا يميز بين الخطر الحقيقي والخطر المفترض، فهو لا يقول: نمنع الأستاذ المحامي من الترافع ضد جامعته، أو ضد وزارته، أو في ملف توجد فيه مصلحة مباشرة لإدارته، ولا يقول: نمنعه من قبول قضايا قد تمس بحياده أو استقلاله أو بواجبات وظيفته الجامعية، بل يقول ببساطة: نمنعه من حيث المبدأ، لمجرد أنه أستاذ جامعي، وهنا لا نكون أمام تناف منظم ومعلل، بل أمام منع عام يتحول من آلية لحماية المهنة إلى وسيلة لإغلاقها.
والأجدر بالمشرع، إذا كان هدفه فعلا حماية المهنة، أن ينتقل من منطق المنع المطلق إلى منطق التنافي المنظم، أي أن يسمح من حيث المبدأ بفتح الجسر بين الجامعة والمحاماة، مع تقرير حالات خاصة ودقيقة لعدم القابلية أو المنع الجزئي، كلما تعلق الأمر بتضارب مصالح حقيقي أو شديد الاحتمال، فالحماية لا تقتضي إغلاق الباب، بل تقتضي ضبط العبور منه.
وللمفارقة، لا يحمي هذا المنع جودة الخدمة القانونية، بل قد يضعفها، فهو يبقي الأستاذ الجامعي حبيس البحث النظري والتلقين، بعيدا عن الواقع القضائي والمهني، ويبقي المحاماة، في كثير من الأحيان، بعيدة عن البحث العلمي والتخصص الأكاديمي العميق، والنتيجة هي اتساع الفجوة بين الجامعة والمحكمة، وبين المعرفة القانونية والممارسة العملية.
وليس هذا فقط، بل إن فتح أفق الولوج إلى كرسي الأستاذية يمكن أن يشكل حافزا قويا أمام عدد من المحامين الشباب، من حاملي الإجازة في الحقوق أو الماستر، لاستكمال مسارهم العلمي نحو الدكتوراه، وهذا المسار لن يكون مكسبا فرديا فحسب، بل رافعة جماعية لتطوير الكفاءات داخل هيئات المحامين، كما ونوعا، بما ينعكس مباشرة على جودة الخدمات القانونية المقدمة للموكلين.
ثم إن مهنة المحاماة اليوم لم تعد مجرد مهنة إجرائية تقوم فقط على الحضور أمام المحاكم، وإنما أصبحت جزءا من الاقتصاد القانوني، ومن مواكبة المقاولة، ومن حماية الاستثمار، ومن صناعة الأمن القانوني. فإذا ظلت المهنة منغلقة على ذاتها، فلن ينتظرها السوق؛ لأن المقاولات الكبرى ستبحث عن الخبرة حيث تجدها، أحيانا لدى مكاتب أجنبية أو لدى فاعلين من غير المحامين، وهذا لا يخدم المحاماة المغربية، بل يضعف موقعها في سوق الخدمات القانونية.
لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس: هل نحمي مهنة المحاماة أم لا؟ بل كيف نحميها؟ هل نحميها بمنع عام يغلق الباب أمام الكفاءات، أم بتنظيم دقيق يفتح المجال للتكامل مع الجامعة، ويمنع فقط حالات تضارب المصالح الفعلية؟ في تقديري، المهنة لا تحتاج إلى أسوار أعلى، بل إلى قواعد أذكى.

 

* هل تعكس مسودات ومشاريع قانون المحاماة الأخيرة توجها نحو الانفتاح على الجامعة، أم أنها تعيد تكريس منطق الانغلاق؟ 
** نعم، يمكن القول إن مسودات ومشاريع قانون المحاماة الأخيرة تظهر انفتاحا شكليا على الجامعة، لكنها تعيد في الجوهر تكريس منطق الانغلاق، فالانفتاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد الاعتراف النظري بقيمة الأستاذ الجامعي، أو السماح للمحامي بإلقاء دروس عرضية داخل المعاهد والكليات، وإنما يتحقق بفتح جسر مهني وأكاديمي حقيقي في الاتجاهين، أن يتمكن الأستاذ الجامعي في القانون من الولوج إلى هيئة المحامين دون أن يضطر إلى مغادرة الجامعة، وأن يتمكن المحامي المؤهل علميا، ولا سيما الحاصل على الدكتوراه، من الاندماج الكامل في الجامعة والبحث والتأطير، دون أن يفرض عليه التخلي النهائي عن مهنته الأصلية، متى أمكن تأطير تضارب المصالح بقواعد دقيقة.
وتزداد هذه المفارقة وضوحا عند الرجوع إلى مسودة سنة 2014، فقد كانت تلك المسودة، في بعض جوانبها، أكثر جرأة من الصياغات اللاحقة، لأنها نصت ضمن الحالات التي لا تتنافى مع مهنة المحاماة على مزاولة مهنة التدريس في المعاهد والكليات، دون أن تحصر ذلك صراحة في التدريس العرضي. وهذا كان يمكن أن يشكل نواة أولى لبناء علاقة أكثر انفتاحا بين هيئة المحامين والجامعة، غير أن المسودة نفسها ظلت مترددة، لأنها لم تفتح الباب كاملا أمام الأستاذ الجامعي لمزاولة المحاماة أثناء وجوده في الجامعة، بل جعلت استفادة أساتذة التعليم العالي في مادة القانون من الإعفاء من شهادة الكفاءة ومن التمرين مشروطة بقبول الاستقالة. 
وهذا يعني أن مسودة 2014 لم تكن منغلقة بالكامل، لكنها لم تكن منفتحة بالكامل أيضا، فقد سمحت للمحامي بالاقتراب من الجامعة، لكنها لم تسمح للأستاذ الجامعي بالاقتراب من المحاماة إلا بعد مغادرة الجامعة، وبذلك أقرت جسرا في اتجاه واحد، أو على الأقل جسرا غير مكتمل، المحامي يمكنه التدريس، أما الأستاذ فلا يمكنه ممارسة المحاماة إلا إذا قطع صلته الوظيفية بالجامعة.
أما الصياغة الحالية لمشروع قانون 66.23، كما ترد في النقاش الدائر حول المادتين 13 و14، فلا تتجاوز هذا المنطق، فالمادة 13 تعفي أساتذة التعليم العالي في مادة القانون من شهادة الكفاءة ومن التمرين الكامل، لكنها لا تسمح لهم بالولوج إلى المهنة إلا بعد الإحالة على التقاعد أو بعد قبول الاستقالة، شريطة ألا يتجاوز الأستاذ سن 55 سنة عند تقديم طلب الاستقالة، وهذا لا يقرر الجمع بين الجامعة والمحاماة، بل يقرر انتقالا مهنيا من الجامعة إلى المحاماة بعد مغادرة الجامعة.
أما المادة 14، فهي أكثر وضوحا في تكريس منطق التنافي، لأنها تعتبر أن مهنة المحاماة تتنافى مع جميع الوظائف الإدارية والقضائية، ولا تستثني إلا ممارسة التدريس بصفة عرضية في المعاهد والكليات. ومعنى ذلك أن المشروع لا يسمح للمحامي بأن يصبح أستاذا باحثا كامل الانخراط في الجامعة، مشاركا في البحث العلمي والتأطير الأكاديمي، بل يكتفي بالسماح له بتدخل محدود وظرفي في مجال التدريس.
وبذلك، يظهر أن التطور التشريعي لم ينتقل من الانغلاق إلى الانفتاح، بل انتقل من انفتاح محتشم وغير مكتمل في مسودة 2014، إلى تكريس أوضح لمنطق الفصل بين المهنتين في الصياغات اللاحقة، فالجامعة لا تُستدعى إلا بوصفها مؤهلا علميا يبرر الإعفاء من بعض شروط الولوج، لا بوصفها مؤسسة يمكن أن تتكامل مهنيا مع المحاماة. والمحاماة لا تُستدعى داخل الجامعة إلا بوصفها تجربة عملية مفيدة في التدريس العرضي، لا بوصفها خبرة مهنية يمكن أن تغني البحث والتأطير والتكوين الجامعي.
وهنا تكمن المفارقة: المشروع يعترف بقيمة الأستاذ الجامعي عندما يتعلق الأمر بإعفائه من بعض شروط الولوج، لكنه لا يقبل حضوره داخل المهنة إلا بعد خروجه من الجامعة، كما يعترف بقيمة المحامي عندما يتعلق الأمر بتدريس بعض المواد، لكنه لا يسمح له بالاندماج الكامل في المؤسسة الجامعية، فالاعتراف موجود، لكن الجسر غائب.
لذلك، فإن مسودات ومشاريع قانون المحاماة الأخيرة لا تعكس انفتاحا حقيقيا على الجامعة، بقدر ما تعيد إنتاج الفصل التقليدي بين الأستاذ والمحامي، حضور الجامعة مقبول بعد التقاعد أو الاستقالة، وحضور المحامي في الجامعة مقبول فقط على هامش المؤسسة، لا في قلبها.

 

* رفض الطرف الآخر لمزاولة الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة منطلقه تضييع فرص المحامين الشباب وإغراق المهنة، كيف تردين؟
** يمكن الرد على هذا التخوف بمنطق مغاير تماما: المشكلة ليست في دخول كفاءات جامعية إلى المحاماة، ولا في دخول كفاءات من مهنة المحاماة إلى الجامعة، بل في بقاء سوق الخدمات القانونية ضيقة، تقليدية، محصورة في ملفات بسيطة مدنية أو جنحية، وغير قادرة على خلق فرص جديدة للمحامين الشباب.
فالقول إن ولوج الأساتذة الجامعيين إلى مهنة المحاماة سيضيع فرص المحامين الشباب يفترض أن سوق المحاماة “ثابتة” يتقاسمها المهنيون فيما بينهم. وهذا تصور غير صحيح، السوق القانونية لا تتوسع بالانغلاق، بل بالتخصص، والرفع من الجودة، وبناء الثقة في العرض القانوني الوطني.
ولا ينبغي أن يُنظر إلى الأستاذ الجامعي في القانون كمنافس للمحامي الشاب، بل كرافعة لتوسيع مجالات اشتغال المحامين، فحضوره داخل المحاماة يمكن أن يساهم في فتح أسواق جديدة: قانون الأعمال، والمنازعات الضريبية والجمركية، والتحكيم، والمنافسة، والرقمنة، والعقود المعقدة، والاستثمار، وهذه مجالات لا تزال في جزء كبير منها إما ضعيفة التطور داخل الممارسة الوطنية، أو تستفيد منها مكاتب أجنبية وفاعلون من غير المحامين.
كما أن الجمع بين الجامعة والمحاماة سيخدم المحامي الشاب منذ مرحلة التكوين، فالطالب الذي يتلقى القانون على يد أستاذ محامي يعرف النص والاجتهاد والواقع القضائي والمهني، يلج المهنة بأدوات أقوى، ووعي عملي أكبر، وقدرة أفضل على الاندماج. وهذا يقلص الفجوة بين الجامعة والواقع، ويجنب الخريج صدمة الانتقال من درس نظري مجرد إلى ممارسة مهنية معقدة.
والأهم أن الانفتاح يجب أن يكون في الاتجاهين، ففتح الجامعة أمام المحامين الحاصلين على الدكتوراه، أو الموجودين في مسار إعدادها، سيمنح المحامين الشباب أفقا علميا ومهنيا جديدا، قد يصبح حلم الوصول إلى كرسي الأستاذية حافزا لهم لاستكمال دراستهم، وتعميق تخصصهم، والارتقاء بمستوى أدائهم داخل المهنة.
لذلك، فحماية المحامين الشباب لا تكون بمنع الكفاءات الجامعية من ولوج المحاماة، بل ببناء مهنة قوية، متخصصة، قادرة على منافسة المكاتب الأجنبية، واسترجاع جزء من سوق الخدمات القانونية الذي يغادر اليوم المجال التقليدي للمحاماة. وهذا هو جوهر منطق الانفتاح الذي ندافع عنه: الانتقال من محاماة منغلقة على الملفات التقليدية إلى محاماة منتجة للمعرفة القانونية، ومواكبة للمقاولة، وقادرة على المساهمة في الاقتصاد الوطني.