خالد أخازي: بني ملال.. عندما تتحدث لغة الفوضى نيابة عن التنمية المفقودة... شارع محمد الخامس ليلا..

خالد أخازي: بني ملال.. عندما تتحدث لغة الفوضى نيابة عن التنمية المفقودة... شارع محمد الخامس ليلا.. خالد أخازي

في قلب بني ملال، المدينة التي زرتها مؤخرا، قد ييحرك تلك الفتنة لمدينة  تخفي جراحها عن عير السائح، وهي منغرسة في صمت الجبل وتمد قدميها في السهل الأخضر...
يبدو المشهد لعين السائح هادئا وشاعريا ولمن يمر عابرا. لكن بمجرد أن تطأ قدماك شارع محمد الخامس، الشريان النابض للمدينة، وخصوصا ليلا... تتبدد كل أوهام السكينة دفعة واحدة. هنا، لا تسمع إيقاع الحياة المعتاد، بل تصطدم بواقع خشن ومتوتر يخلخل فكرة الهدوء من أساسها. الشارع في هذه المدينة شارع محمد الخامس ليس شريانا للعبور من نقطة إلى أخرى، بل غدا مسرح مفتوح وقاس تعرض فيه كل تناقضات المجتمع الملالي في أوضح وأعنف صورها.

 

الفوضى وصراع الطبقات

الليل في هذا الشارع ليس استراحة للمتعبين، بل هو اختبار يومي ومرهق للأعصاب... دراجات نارية جرى تعديل محركاتها بعناية لتصدر أصواتا مرعبة ومزعجة، يقودها مراهقون وشباب بسرعات تتحدى كل منطق مروري وتتجاهل كل علامات التشوير. تعوي العوادم بلا سبب مبرر سوى الرغبة في إثبات وجود ضائع.
في شهادة تلخص حجم المعاناة، يقول مصطفى، وهو رجل في عقده الخامس يقطن بشقة تطل مباشرة على الشارع الرئيس: "الليل هنا ليس للراحة، إنه جحيم حقيقي. نغلق النوافذ بإحكام، ونضع العوازل، لكن هدير المحركات يخترق الجدران ويخترق عقولنا. لم نعد ننام، بل ننتظر بزوغ الفجر ليتوقف هذا العذاب وتنسحب هذه الآليات إلى جحورها".
لكن هذه الدراجات ليست وحدها في هذا العرض الصاخب. في الجهة المقابلة من المشهد، لا تقتصر الفوضى على الطبقات الهشة. ثمة لاعب آخر يفرض حضوره بثقل ووقاحة: سيارات فارهة، ذات زجاج داكن، يقودها أصحابها كما لو أن الشارع حلبة سباق خاصة ورثوها عن أجدادهم. يطلقون العنان لمحركاتهم الضخمة باستعلاء واضح، محولين الفضاء العمومي المشترك إلى ساحة لاستعراض القوة والامتياز الطبقي.
في هذا الشارع المكتظ، يلتقي نوعان من العربدة التي تخنق أنفاس المدينة: عربدة الفوضى الاي تصرخ عبر دراجة مجنونة خارج المعايير لتثبت وجودا وتلفت الانتباه، وعربدة الثراء الذي يزمجر بسيارة باهظة لأن صاحبها اعتاد ألا يسأل وألا يحاسبه أحد. النتيجة الحتمية واحدة: ضوضاء لا تحتمل، خطر يومي يحدق بالمارة، وإحساس عام ومحبط بأن القانون يتراجع خطوة إلى الوراء كلما تقدمت هذه السلوكيات المارقة خطوة إلى الأمام.

 

ما وراء الضجيج.. اقتصاد الظل وعبث الاستعراض

الوقوف عند مستوى الضجيج يشكل قراءة سطحية وناقصة لواقع أشد تعقيدا. تحت هذا الصخب المزعج، تختبئ طبقات عميقة من الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي تنخر جسد المدينة الواعدة. هنا، يصبح من الضروري والمستعجل التمييز بوضوح، لا فقط بين دراجات التوصيل ودراجات الفوضى، بل أيضا بين العمل الجاد والاستعراض الفارغ، بين الحاجة القاهرة والعبث الطائش، وبين من يسعى للبقاء على قيد الحياة ومن يفرض حضوره بالقوة والتخويف.
دراجات التوصيل لشباب اختار تدبير عطالة مزمنة، في هذا السياق المشحون، لم تكن عائقا للجمال، وإن كانت  عرض لمرض اقتصادي أكبر. هؤلاء شباب في مقتبل العمر، اصطدموا بجدار بطالة صلب وسوق شغل محدود للغاية، فلم يجدوا أمامهم سوى الطريق الأقصر والأكثر قسوة: العمل السريع والهش وغير المهيكل في قطاع التوصيل.
يتحدث إلينا كمال، شاب في الرابعة والعشرين، وعلامات التعب ترتسم بوضوح على وجهه رغم صغر سنه: "أنا لا أحب قيادة هذه الدراجة طوال اليوم بين السيارات وتحت الخطر الدائم، لكنني مجبر ومحاصر. لدي شهادة جامعية في الأدب، ولم أجد عملا يحفظ كرامتي. الدراجة هي مصدر رزقي الوحيد لأعيل أسرتي وأوفر ثمن الدواء لوالدتي. نحن عمال التوصيل لا نصدر الضجيج أبدا، نحن نركض بصمت خلف لقمة العيش المرة... الضوضاء يأتي من دراجات " من شي وحدين  لاباس عليهم...غير المسؤولين".
دراجات أمثال كمال ليست صاخبة بطبيعتها، بل هي صامتة في تعبها اليومي وعرقها النازف. إنها تجسد اقتصاد الظل وهو يحاول يائسا أن يلتقط أنفاسه الأخيرة في مدينة تضيق بأبنائها.
على النقيض من ذلك تماما، تمثل دراجات الفوضى والسيارات الفارهة المستعرضة خللا بنيويا وخطيرا في علاقة الفرد بالمجتمع وبالقانون وبالفضاء العام. الأمر هنا لا يتعلق بالحاجة لتوفير لقمة العيش، بل باختيار استعراضي نرجسي لتحويل الشارع إلى مجال لفرض السيطرة، حيث تتحول السرعة المفرطة إلى مرادف للقوة الوهمية، والصوت العالي المزعج إلى أداة لترويع الآخرين.
الخطير في هذا المشهد ليس فقط وجود هذه السلوكيات المنحرفة، بل تطبيع المجتمع معها يوما بعد يوم. حين يصبح الضجيج والخطر جزءا من الروتين اليومي المعتاد، وتتحول الحوادث المميتة إلى مجرد حكايات تروى ببرود في المقاهي، ندرك أننا أمام انزلاق خطير وصامت نحو قبول الفوضى كأمر واقع لا فكاك منه.

 

نمو إسمنتي يتسلق على أكتاف الركود الاقتصادي

غير أن السؤال الأعمق والأكثر إلحاحا يظل معلقا: لماذا يحدث كل هذا هنا في بني ملال؟ لماذا يبدو شارع مركزي في مدينة ذات مقدرات واعدة وكأنه يعاني من هذا التوتر العصبي الدائم؟
الجواب القطعي لا يكمن في الشارع وحده، بل في المحيط الاقتصادي والسياسي الذي يغلفه. تعيش بني ملال مفارقة صارخة وواضحة للعيان: نمو عمراني ملحوظ وسريع، يقابله بطء، بل تردد وركود في النمو الاقتصادي الحقيقي المولد للثروة. غابات من الإسمنت ترتفع كل يوم، العمارات الشاهقة تتكاثر وتتناسل، والتجزئات السكنية تزحف على الأراضي، لكن فرص الشغل لا تواكب هذا التوسع العمراني الشرس. المدينة تكبر في مساحتها وشكلها الخارجي، لكنها تظل قزمة ولا تتقدم بنفس الوتيرة في جوهرها التنموي.
تولد هذه المفارقة الحادة جيلا كاملا معلقا في الفراغ بين واقعين متناقضين: واقع تعليمي بلا آمال ولا أفق ...لم يمنحه الأدوات والمهارات الكافية لمواجهة تحديات العصر، وواقع اقتصادي مغلق لا يمنحه الفرص لإثبات ذاته.
يشاركنا هشام، خريج معهد التكوين المهني تخصص ميكانيك، إحباطه العميق قائلا: "المدينة أصبحت عبارة عن مقاهي وعمارات سكنية فقط. لا توجد مناطق صناعية كبرى تستوعب طاقاتنا، ولا استثمارات حقيقية توفر لنا عملا مستقرا. نمضي يومنا في المقهى نراقب الشارع جيئة وذهابا، وبالنسبة للكثيرين منا التوصيل ليس حلما مهنيا بل حل اضطراري يقيك شر التسول. أما الفوضى التي تراها، فهي للبعض ملاذ نفسي وطريقة لفرض الوجود حين تغيب كل قنوات الاندماج الطبيعية والمؤسساتية".

 

أعطاب الهيكلة وفقدان الثقة المتبادل

لا يمكن أن تكتمل هذه الصورة القاتمة دون التوقف بجرأة عند جانب أكثر حساسية وخطورة: مسؤولية الاختلالات البنيوية التي لا تزال ملفاتها مفتوحة، سواء على المستوى القضائي أو المجتمعي. الحديث هنا ليس عن وقائع معزولة أو أخطاء تدبيرية عابرة، بل عن منظومة متكاملة من الأعطاب التي تراكمت عبر سنوات طويلة، وأثرت بشكل مباشر وكارثي على توزيع الفرص العادلة، وعلى منسوب الثقة في المؤسسات المنتخبة والإدارية.
عندما تتعثر مشاريع تنموية كبرى وتثار ملف فساد دون أسباب واضحة ومقنعة للرأي العام، أو تثار شبهات قوية حول طرق تدبير الشأن العام والصفقات، أو تتأخر آليات المحاسبة والمساءلة، فإن الأثر المدمر لا يبقى محبوسا في حدود الملفات القانونية ورفوف المحاكم. بل يمتد أثره كالعدوى إلى الشارع، وينعكس مباشرة على سلوك الأفراد، ويخلق إحساسا عاما ومحبطا بأن قواعد اللعبة غير واضحة وغير عادلة.
الأسماء المتورطة قد تكون ثقيلة، ومتنوعة  المواقع، والملفات قد تظل مفتوحة لسنوات، لكن الأثر على أرض الواقع ملموس وموجع: بطالة هيكلية ومستمرة، هشاشة اجتماعية متزايدة، وفقدان تدريجي وخطير للثقة بين المواطن ومؤسساته، مما يغذي نزعات الغضب العشوائي وتجاوز القانون في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، كقانون السير.

 

الفتيات.. نصف المجتمع المنسي في زحمة الشارع

وفي قلب هذا المشهد المشحون بالصراعات الذكورية في الشوارع والمقاهي، تقف فئة كاملة مقصية ومهمشة في صمت مطبق: الفتيات. ضعف الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للفتيات في مدن متوسطة مثل بني ملال ليس وليد الصدفة المجردة، بل هو نتيجة حتمية ومباشرة لاختلالات وتقاطعات متعددة: نظام تعليمي لا يواكب تطلعاتهن المستجدة، فرص شغل محدودة تتركز غالبا في قطاعات هشة وبأجور زهيدة، وسياقات اجتماعية محافظة تضيق مساحة خياراتهن وتقيد استقلاليتهن المالية.
تقول مريم، شابة مجازة في الاقتصاد وتبحث عن عمل مستقر منذ أربع سنوات: "عندما تتجول في شارع محمد الخامس، تراه فضاء ذكوريا بامتياز. الشباب يحتلون المقاهي والناصية ويستعرضون بالدراجات والسيارات، ونحن الفتيات نعاني تهميشا مضاعفا في صمت. حتى فرص العمل البسيطة المتاحة لنا في بعض المتاجر أو العيادات تستغل حاجتنا بأجور لا تكفي لتغطية مصاريف النقل. حين تغلق الأبواب الاقتصادية أمام نصف المجتمع، فإن المدينة كلها تدفع الثمن وتنزف من الداخل".
إن غياب فرص عمل لائقة ومحترمة للفتيات لا يعني فقط إضافة أرقام جديدة إلى لوائح البطالة، بل يعني بالأساس فقدان توازن اجتماعي خطير، وتأخرا فادحا في عجلة التنمية المحلية، وإهدارا مجانيا لطاقة بشرية هائلة قادرة على الخلق والإبداع. المدينة التي تفشل في إدماج نسائها اقتصاديا، تظل مدينة عرجاء تسير بنصف قوتها وبنصف رؤيتها نحو المستقبل.

 

من استعادة الشارع إلى استعادة الثقة

وهكذا، بعد هذا الغوص في أعماق المدينة، نجد أنفسنا أمام لوحة مرتبكة... معقدة ومتشابكة الخيوط:
شارع رئيس صاخب يضج بالحياة والموت معا، وشباب يائس يبحث عن موقع قدم في خريطة التهميش، وسيارات تستعرض امتيازها الطبقي بوقاحة تخدش الحياء العام، ودراجات التوصيل نارية تعمل بصمت نازف أو أخرى  تعبث بضجيج قاتل، تقدم بطاقة علنية للفوضى باسم الثراء أو الجهل...ومدينة تنمو إسمنتيا بسرعة جنونية، لكنها لم تحسم بعد كيف تنمو، وبأي هوية تنمو، والأهم من ذلك: لمن تنمو.
الحل لهذه الأزمة المركبة والمستفحلة، بطبيعة الحال، لا يمكن أن يكون أمنيا وتقنيا فقط. لا يكفي أبدا تشديد المراقبة المرورية ونصب الرادارات، رغم أهميتها القصوى في وقف نزيف حرب الطرقات. ولا يكفي مجرد تنظيم 
قطاع الدراجات وتغريم المخالفين، رغم ضرورته الملحة لإعادة الانضباط. المطلوب أعمق بكثير من هذه الإجراءات السطحية: المطلوب...هو مشروع مجتمعي متكامل لإعادة بناء الثقة....ثقة راسخة في أن القانون يطبق بصرامة وشفافية على الجميع دون استثناء، على صاحب الدراجة الخارقة للنظام، وعلى سائق السيارة الفارهة الذي يعتقد أن نفوذه المالي يعفيه من احترام الفضاء العام.
ثقة في أن العمل، مهما كان بسيطا أو يدويا، هو قيمة مقدسة تحترم وتحمى بقوة القانون... 
وثقة مطلقة في أن كل من تسول له نفسه العبث بالمال العام أو عرقلة قطار التنمية والمشاريع المهيكلة، سيحاسب فعليا وعمليا، لا رمزيا عبر لجان تقصي لا تنتهي...
إلى جانب هذا كله، تحتاج بني ملال بشكل مستعجل إلى رؤية اقتصادية مندمجة وواضحة المعالم تقطع مع العشوائية. بني ملال ليست مدينة فقيرة في إمكاناتها، بل هي ضحية فقر مدقع في التوجيه وسوء في التدبير. تملك المدينة إمكانيات فلاحية هائلة، وموقعا جغرافيا استراتيجيا يربط بين المحاور الكبرى، وقابلية سياحية حقيقية بفضل تنوعها الجغرافي. لكن كل هذا يحتاج إلى استثمار ذكي ونظيف يخلق ثروة حقيقية وفرص شغل مستدامة، لا مجرد مشاريع استهلاكية ومقاهي تكرس ثقافة الريع وتعمق الفوارق الطبقية.
كما أن معضلة إدماج الشباب، ذكورا وإناثا على حد سواء، يجب أن تخرج من دائرة الشعارات السياسوية والموسمية لتتحول إلى سياسة عملية ملموسة: تكوين مهني مرتبط عضويا بحاجيات السوق المستقبلية، دعم مالي وتقني حقيقي للمبادرات المحلية الصغرى والمتوسطة، وتحفيز ضريبي للاستثمار في القطاعات المنتجة القادرة على امتصاص أفواج البطالة.
أما الفضاء العمومي المشترك، فيجب أن يستعاد بقوة القانون وبسلطة الوعي. الشارع ليس ملكا مشاعا للأقوى محركا، ولا للأغنى سيارة، ولا للأكثر تهورا. هو ملك ديمقراطي للجميع. تنظيمه وتحريره ليس إجراءا روتينيا حضريا، بل هو ضرورة حيوية لحماية جودة الحياة اليومية، ولإعادة الاعتبار لفكرة المدينة كفضاء مشترك يضمن التعايش السلمي بين كل مكوناته.
في النهاية المطاف، بني ملال عبر شارعها الرئيس محمد  الخامس ليست مجرد حالة محلية معزولة ندرسها في المختبر. هي مرآة مكبرة لأسئلة وطنية كبرى ومقلقة: كيف نبني مدنا متوازنة ومستدامة لا تلفظ أبناءها؟ كيف نوفق بين فوضى النمو العمراني ومتطلبات التنمية الاقتصادية العادلة؟ وكيف نحول طاقة الشباب الكامنة من عبء محتمل وقنبلة موقوتة في الشوارع إلى رافعة حقيقية تبني المستقبل؟
شارع محمد الخامس، بكل ضجيجه الخانق وتناقضاته الصارخة، يختصر كل هذه الأسئلة الحارقة. هو ليس مجرد طريق معبد بالإسفلت الميت، بل هو نص سوسيولوجي مفتوح، تكتب فيه كل يوم بمداد المعاناة فصول من قصة مدينة جميلة تبحث عن ذاتها الضائعة بين الجبل والسهل.
وربما، لفهم هذا الغبث بشكل أعمق وتفكيك شفراته، لا بد من العودة الضرورية إلى الجذور العميقة التي تصنع كل شيء في المجتمع:
إلى قطاع التربية والتعليم، حيث يجب أن تتشكل القدرات وتصقل المواهب قبل أن تهدر وتتبخر في طاحونة الشوارع... وسنفتح ملفات التعليم قريبا...وأكثر دقة...
وإلى قطاع السياحة الجبلية والإيكولوجية، كأفق استراتيجي واعد يمكن أن يعيد توزيع الضوء والثروة على المدينة، ويمنحها نفسا اقتصاديا جديدا ينقذها من السكتة القلبية.
ذلك حديث شائك وطويل سنفتحه في تقارير قادمة، لأن ما يحدث من فوضى وتذمر في الشارع، يبدأ دائما وينتهي في مكان آخر أعمق بكثير من مجرد عجلة تدور بسرعة جنونية.
خالد أخازي، كاتب وإعلامي