عبد اللطيف ​أيت بوجبير: المحاماة والمدرج.. هل هي شراكة كفاءات أم رغبة في احتكار المكتسبات؟

عبد اللطيف ​أيت بوجبير: المحاماة والمدرج.. هل هي شراكة كفاءات أم رغبة في احتكار المكتسبات؟ عبد اللطيف ​أيت بوجبير

​إلى الأساتذة الأفاضل، د. محمد بيصة ودة. سعاد بنور،

​لقد طالعت تعقيباتكم بشغف، ولا يسعني إلا أن أثمن روح الحوار القانوني الراقي. لكن، وكما تدرسون طلبتنا في الجامعات، فإن "الحقيقة القانونية لا تكتمل إلا بجمع شتات النصوص لا بانتزاعها من سياقها". واسمحوا لي، من موقع الممارسة اليومية، أن أضع النقاط على الحروف في "نوازل" لم تسعفكم فيها ربما كثرة المراجع النظرية.

​1. الكفاءة ليست "صكا" حصريا للجامعة:
​لقد ركز الأستاذ بيصة على حاجة المحاماة للتخصص (المنافسة، الملكية الفكرية.. إلخ)، وكأن المحاماة جسد عليل ينتظر "مصل" الجامعة ليشفى.
عفوا أستاذي، إن "التخصص" في المحاماة يبنى في ردهات المحاكم، وفي مواجهة الواقع العملي وتعقيدات المساطر، وليس فقط في بطون الكتب. المحاماة لا ترفض العلم، بل ترفض "التعالي العلمي"؛ فإذا كانت الجامعة ترى نفسها "قيمة مضافة" للمهنة، فلماذا تغلق أبوابها أمام المحامي الممارس (الحاصل على الدكتوراه) ليكون "قيمة مضافة" قارّة داخل كراسي الأستاذية؟ لماذا يحكم عليه بوضعية "أستاذ زائر" (Vacataire) لسنوات، بينما تطالبون أنتم بولوج المحاماة بصفة "أصيل" من اليوم الأول؟

​2. مغالطة الفصل 15 من نظام الوظيفة العمومية:
​أشارت الأستاذة بنور إلى تطور الفصل 15، معتبرة أن "الاستثناء التشريعي" يمنح الضوء الأخضر للجمع.
وهنا نسأل: هل الاستثناء التشريعي الغاية منه خلق "امتياز فئوي"؟
إن فلسفة التنافي في القانون المغربي والمقارن لم توضع "تضييقا" على العلم، بل "حماية للمرفق العام". الأستاذ الجامعي يتقاضى أجرا من دافعي الضرائب مقابل التفرغ التام للبحث والتأطير. فكيف يستقيم شرعا وقانونا أن يترك الأستاذ مدرجه وطلابه ومختبره، ليتفرغ للمنازعات الضريبية والتحكيم الخاص في أوقات العمل الرسمية؟
إذا كان الفصل 15 قد انفتح، فليكن انفتاحا شاملا: استقالة من الوظيفة العمومية، ثم ترحيب حار في رحاب المهنة. أما "الجمع" فهو جمعٌ بين "الأمان الوظيفي" و"الرزق المهني"، وهو ما يضرب مبدأ تساوي الفرص الذي هو أسمى من أي نص قانوني فرعي.

​3. المحاماة "رسالة" وليست "تكميلا للدخل":
​تتحدثون عن "الانغلاق"، ونحن نتحدث عن "الاستقرار المهني". المحاماة في المغرب تعاني تضخما عدديا وهشاشة اجتماعية لآلاف الشباب. فهل من "الرقي" أو "الإنصاف" أن يزاحم أستاذ في الدرجة "ج" (بكل احترام لاستحقاقه) محاميا شابا يكافح لأداء واجبات كراء مكتبه وتغطيته الصحية؟
إن دعوى "تعميق التخصص" لا ينبغي أن تكون "حصان طروادة" للسطو على لقمة عيش مهنيين لا يملكون "راتب الدولة" في نهاية كل شهر.

​4. التنافي هو الأصل.. والعدالة لا تقبل "الازدواجية":
​لقد أقر الأستاذ بيصة بوجاهة دفوع التنافي، وهذا إقرار يحسب له. فالتنافي ليس "سياجا" بل هو "حدود فاصلة" لضمان استقلالية كل مهنة.
​الأستاذ الجامعي سلطة معرفية وتأطيرية.
​المحامي سلطة دفاع وممارسة ميدانية.
الجمع بينهما يؤدي حتما إلى "تضارب مصالح"؛ فكيف نحاكم طالبا عند أستاذه في المدرج، وهو خصمه في المحكمة غدا؟ أو كيف نضمن حياد الأستاذ في نقطة علمية قد تكون موضوع دعوى يترفع فيها في المساء؟
​ختاما للأساتذة الأفاضل:
نحن لا نقصي الجامعة، فالمحاماة ابنة الجامعة البارة. لكننا نرفض أن تحوّل المهنة إلى "ملحق إداري" أو "مورد إضافي".
مرحبا بكم زملاء "كاملين" لا "مجزئين"؛ قدموا استقالاتكم من الوظيفة، واتركوا المدرجات لمن يتفرغ لها من الشباب العاطل، وتعالوا لنتقاسم مرارة الممارسة وحلاوة الدفاع في الميدان.
​فالمحاماة، كما قلتم، "رسالة".. والرسالة لا تؤدى بـ "نصف وقت" ولا بـ "نصف تفرغ" ولا من مفتقر للاستقلالية بسبب علاقة تبعية اقتصادية للدولة.

عبد اللطيف ​أيت بوجبير، محامٍ بهيئة المحامين بالدار البيضاء