رشيد أيت بلعربي: مطلب الأساتذة الجامعيين.. تهديد لاستقلال المحاماة

رشيد أيت بلعربي: مطلب الأساتذة الجامعيين.. تهديد لاستقلال المحاماة رشيد أيت بلعربي، محامي بهيئة القنيطرة

في هذا الحوار، يدافع الأستاذ رشيد أيت بلعربي، محامي بهيئة القنيطرة، عن استقلالية مهنة المحاماة أمام مطالب أساتذة القانون بالولوج إليها دون قيود، مشددا على التنافي الوظيفي والقيمة المتبادلة بين الأطراف القانونية.
ويبرز دور المحاماة الرسالي في حماية الحقوق والحريات، مستعرضا مواقفها التاريخية والمعاصرة أمام مشاريع تشريعية مثيرة للجدل.

 

 أليس الرفض للجمع بين التعليم الجامعي والمحاماة تعبيراً عن رغبة في إغلاق المهنة أمام الكفاءات، أكثر من كونه دفاعا حقيقيا عن استقلالها؟

 بداية، لا بد من التأكيد أنه لا أحد ينفي الدور الأساسي الذي يقوم به أساتذة القانون في تلقين أولى القواعد القانونية لكل دارسي القانون والمهتمين به بشكل عام، سواء عبر محاضراتهم أو مقالاتهم أو المؤلفات التي يصدرونها. لكن رفض أغلبية المحامين لفكرة ولوج أساتذة القانون للمحاماة دون قيود ليس مرده الرغبة في صد أبواب المحاماة في وجوههم، بل هو دفاع عن الطابع الأساسي الذي يميز المحاماة والمتمثل في استقلاليتها. فالمحامي لا يمكن أن يمارس المحاماة إلا وهو مستقل عن الجميع، والأستاذ الجامعي موظف يشتغل لدى الدولة ويتقاضى راتبه منها، فكيف يمكنه أن يكون مستقلاً في مواجهتها؟


 كيف تبرر منع أستاذ القانون من ممارسة المحاماة، بينما تستفيد المهنة نفسها من خبرته العلمية حين يتعلق الأمر بالتكوين أو التأطير أو الاستشارة؟

 أؤكد مرة أخرى أنه لا أحد ينكر القيمة القانونية التي يقدمها أساتذة القانون سواء للمحامين أو غيرهم، سواء في تأطير الندوات التي يتم استدعاؤهم لها من طرف المحامين أنفسهم أو من خلال المؤلفات التي يصدرونها. والعكس صحيح أيضاً، فالأستاذ الجامعي يستفيد بدوره في محاضراته ومقالاته ومؤلفاته مما يقدمه المحامي والقاضي سواء في الندوات أو عبر الاجتهادات القضائية التي يتشارك فيها المحامي والقاضي. ولا ننسى القيمة القانونية التي يقدمها الاجتهاد القضائي في تطوير التشريعات، فإذا نظرنا إلى قانون المسطرة المدنية أو الجنائية سنجد أن عددا مهما من التعديلات التي أدخلت عليهما جاءت تنزيلاً لما استقر عليه الاجتهاد القضائي كمنتوج مشترك بين المحامي والقاضي، وبالتالي فالأمر يتعلق باستفادة متبادلة كل من زاوية اشتغاله التي يتقنها.

 

 هل الخشية فعلا على المحاماة من التداخل مع الجامعة، أم الخشية ببساطة من منافسة نوعية قد تعيد ترتيب المواقع داخل المهنة؟
 أعتقد أنه من الخطأ أن يتم اعتبار موقف المحامين الرافض لولوج أساتذة القانون للمحاماة دون قيود خشية أو خوفا من المنافسة التي يمكن أن يفرضها هؤلاء. فمهنة المحاماة في أصلها رسالة نبيلة للدفاع عن الحقوق والحريات وليست مهنة تجارية تخضع لمنطق السوق، ومن يعتبرها مهنة للمنافسة فهو يجهل طبيعتها أو لم يستوعب بعد الأدوار المنوطة بها. وأجده من المؤسف حقاً أن يصدر هذا التصريح عن مسؤول حكومي مارس المحاماة لأكثر من ثلاثين سنة.

 

 إذا كان المحامي يستطيع الاستفادة من الجامعة، فلماذا تُرفض القاعدة نفسها عندما يكون الأستاذ الجامعي هو الطرف الراغب في العبور نحو الممارسة؟
 الأمر لا يتعلق برفض ولوج أساتذة القانون للمحاماة، بل الرفض ينصب على الولوج دون شروط، والدليل على ذلك أن القانون الحالي ومشروع القانون 66.23 يمنحان امتيازا لأساتذة القانون الذين قضوا ثمان سنوات في التدريس في الولوج لمهنة المحاماة دون اجتياز الامتحان أو المباراة شريطة تقديم استقالتهم أو إحالتهم على التقاعد. فإذا كان التخوف أو الرفض مرتبطا بصفتهم أو بتفوقهم العلمي فلماذا لا يعير المحامون اعتباراً لولوج أساتذة القانون للمهنة بعد تقديم استقالتهم أو تقاعدهم؟ وهنا أقول أن من يريد المحاماة عن حق فهي تفتح ذراعيها له، لكن ليترك الوظيفة والراتب لغيره ليستطيع ممارستها باستقلال تام.


 ألا يبدو التمسك بالتنافي المطلق وكأنه حماية لامتيازات قائمة أكثر من كونه تنظيماً موضوعياً يخدم المهنة والمرتفقين؟
دائماً نؤكد أن انخراط المحامين ومشاركتهم الفعالة في صياغة أي قانون للمحاماة ليس حكراً على المغرب، بل هو عرف يجرى العمل به في جميع دول العالم حيث يستدعى المحامون من الجهات المكلفة بالتشريع للمشاركة في صياغة التعديلات الممكن إدخالها، بل إنه في دول كثيرة يكون المحامون هم أصحاب مبادرة التعديل. وعندما يعبر المحامون عن موقفهم الرافض لولوج أساتذة القانون للمحاماة دون قيود فهم يدافعون عن حماية استقلالية المحامي أثناء ممارسته للمهنة التي ستتأثر لا محالة مع وجود حالة التنافي بسبب الوظيفة، وهو الأمر المعمول به في جميع المهن القانونية، إذ لا يمكن المزاوجة في نفس التوقيت بين صفة أستاذ القانون والقاضي، أو أستاذ القانون والموثق، أو القاضي والمحامي، أو كاتب الضبط والمحامي، فلماذا يُسمح للأستاذ الجامعي ممارسة المحاماة دون قيود؟

 

 كيف يمكن لمهنة تقول إنها تريد التطور والانفتاح أن تعتبر البحث العلمي والخبرة الأكاديمية تهديداً بدل أن ترى في أساتذة القانون قيمة مضافة لتطوير مرافعات المحامين والمساهمة في تجويد الأحكام القضائية؟

 أعتقد أن خطابا شبيها بهذا صدر عن السيد وزير العدل أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب وفي محاضرة بكلية العلوم القانونية بالسويسي عندما تحدث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يحدثها أساتذة القانون على الممارسة المهنية. وهي كلمة تلقفها عدد كبير من الأساتذة الجامعيين وأعادوا صياغتها في قوالب لغوية مهذبة من قبيل الارتقاء بالمحاماة، تجويد الأحكام القضائية، الرفع من مستوى مرافعات ومذكرات المحامين، ربط الممارسة المهنية بالبحث العلمي، جعل مهنة المحاماة منفتحة، تنافسية قادرة على مواكبة المقاولة والاستثمار… إلخ. إن الحديث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يضفيها أساتذة القانون يبقى كلاماً مجرداً لا يمكن أن يصدر إلا عمن لا يعرف الواقع الحقيقي للمحاماة في المغرب، فالمحاماة لا تعوزها الكفاءة مطلقا، وإن كنا لا ننفي أن التكوين القانوني للمحامين يختلف مستواه من محامٍ لآخر كما هو حال الأساتذة الجامعيين أنفسهم والقضاة والوزراء وغيرهم، بل إن المحاماة تعج بالقامات المهنية الرفيعة في كل التخصصات سواء تعلق الأمر بالمجال الجنائي أو الإداري أو التجاري أو المدني أو القانون الدولي أو غيرها. ولا أعتقد أن الأساتذة الجامعيين يمكن أن يشكلوا تلك القيمة المتحدث عنها للممارسة المهنية مع كل الاحترام والتقدير لما يقدمونه في مدرجات الكليات، فالقيمة المضافة لما يمكن أن يصدر عن أساتذة القانون تكمن فيما يبذلونه من جهود في المحاضرات والمقالات والمراجع القانونية التي تتناول التشريعات القديمة والحديثة، المغربية والمقارنة وتواكبها بشكل مستمر، وفي الانكباب على عجل لإعداد وصفة سريعة لإعادة الاعتبار والثقة خاصة لشواهد الماستر والدكتوراه التي أضحت تعاني من اختلالات عميقة بسبب تفشي مجموعة من الظواهر المشينة (المحاباة، الرشوة، النقاط مقابل الجنس…). في حين أن القيمة المضافة لعمل المحامي تتجلى في العمل المستمر على الإبداع والاجتهاد في البحث عن النصوص القانونية المناسبة لتطويعها لخدمة الوقائع المعروضة عليه من موكليه والابتعاد عن كل الشوائب التي تسيء لمهنة المحاماة (الوساطة، السمسرة...). أما القاضي فالقيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها للعدالة هي الحرص الكبير على التطبيق السليم والعادل للقانون على الوقائع المعروضة أمامه استنادا إلى القانون نفسه وإلى الاجتهاد القضائي بحياد واستقلال ونزاهة، وبالتالي يساهم الأطراف الثلاثة: أستاذ القانون، والمحامي، والقاضي، كل من موقعه في خدمة القانون وخدمة العدالة، أي أن كل واحد منهم يساهم بقسط مهم دون أن يقوم بأكثر من وظيفة واحدة. إن من يتحدث عن القيمة المضافة التي يمكن أن يشكلها أساتذة القانون للمحاماة فهو بالتأكيد يختزل ممارسة المحاماة في كتابة المذكرات وتقديم المرافعات وينسى بأن المحاماة رسالة تتجاوز هذه النظرة السطحية القاصرة، فالمحاماة كانت ولا تزال مهنة المواقف التاريخية ورسالة نبيلة للدفاع عن الحقوق والحريات. وإذا كان هناك من يحاول غض بصره فإننا نذكّر بالقيمة المضافة التي شكلها المحامون دفاعاً عن الحقوق والحريات، عن استقلال السلطة القضائية، عن مبدأ فصل السلط، عن الديمقراطية وعن دولة الحق والقانون بشكل عام وفي أحلك الظروف التي عاشتها البلاد. وغير بعيد عن ذلك، فلننظر ما قدمه المحامون في العهد الجديد، في عهد الإنصاف والمصالحة، قبل وبعد دستور 2011 وفي جلسات الحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة من مواقف حقيقية وليس نظرية فقط. وبالأمس القريب، من يتذكر مواقف المحامين وصراعهم المرير مع وزير العدل والحكومة حول مشروع قانون المسطرة المدنية وما كان يحمله في صيغته التي صادق عليها مجلس النواب من تضييق على أبسط حقوق المواطنين في التقاضي وفي محاكمة عادلة؟ ومن يتذكر مواقف المحامين من مشروع قانون المسطرة الجنائية وما قدمه المحامون من مواقف لحماية الحقوق والحريات خاصة في النقاط المحورية للمشروع وفي مقدمتها الموقف من المادة الثالثة ومن السلطات الواسعة التي تم منحها للشرطة القضائية في البحث ومن خلال استحداث إجراءات جديدة تخرق أبسط الحقوق الدستورية للمواطن؟ وبخصوص مشروع القانون الحالي للمحاماة، من يتذكر التضحيات والمواقف التي قدمها المحامون منذ طرحه دفاعا عن استقلالية المحاماة؟ ومن يتذكر مواقف المحامين الرجولية دفاعاً عن حصانة الدفاع التي يستفيد منها المتقاضي وليس المحامي لتبقى أصواتهم صارخة في وجه السماء لإعلاء كلمة الحق في وجه الشطط والتسلط؟ وهنا أصل إلى السؤال المحوري الذي تتفرع عنه أسئلة كثيرة: أين كان أساتذة القانون عندما كانت القوانين تُطبخ الواحد تلو الآخر من طرف هاته الحكومة أو من سابقاتها؟ ما هي مواقفهم من مشروعي قانوني المسطرتين المدنية والجنائية قبل وبعد أن تم إصدارهما ومما تضمنتاه من خرق للدستور ولأبسط معايير المحاكمة العادلة؟ ما هو موقفهم من استقلالية مهنة المحاماة التي يريد وزير العدل جعلها تابعة لوزارة العدل والنيابة العامة؟ ما هو موقفهم من حصانة الدفاع التي يريد وزير العدل وحكومته خنقها وخنق صوت المحامين معها؟ أين هي القيمة المضافة التي أضافوها لكل مشاريع القوانين التي أصبحت قوانين؟ ما هي القيمة المضافة التي أضافوها للنقاش الدائر حول مشروع قانون المحاماة؟ ولماذا اقتصروا في نقاشهم على المادتين 13 و14 من المشروع؟ هل تهمهم المحاماة كرسالة للدفاع عن الحقوق والحريات حقاً؟ أم يهمهم فقط الولوج إليها دون قيد أو شرط؟