بنسعيد الركيبي: الآباء ضحايا في مدرجات لم يدخلوها

بنسعيد الركيبي: الآباء ضحايا في مدرجات لم يدخلوها بنسعيد الركيبي

في كل مرة تشتعل فيها مدرجات كرة القدم بالعنف، يتجه الضوء تلقائيا نحو المشهد الأكثر إثارة: شباب غاضب وكراسي مكسرة وشعارات ملتهبة، وتدخلات أمنية تعيد “النظام” إلى مكان لم يعرفه أصلا. ولكن خلف هذا المشهد الصاخب، تختبئ مأساة أكثر هدوءا… وأكثر وجعا: آباء وأمهات يدفعون الثمن من أعصابهم وكرامتهم ومستقبل أبنائهم.

والمفارقة أن هؤلاء الآباء لم يشتروا تذكرة ولم يرتدوا قميص فريق، ولم يصرخوا في مدرج. ومع ذلك، يجدون أنفسهم في قلب المعركة. ينتظرون مكالمة هاتفية في ساعة متأخرة ويترقبون خبرا عاجلا عن اعتقال ابنهم. وفي تلك اللحظة تتحول الكرة من لعبة إلى تهديد وجودي داخل الأسرة.

ولأن الخطاب السائد يحب الحلول السهلة فإنه يوجه الاتهام مباشرة للأسرة لتقصيرها في تربية الأبناء. طارحا سؤال "غياب التربية"، وهو سؤال يبدو منطقيا…لكنه في العمق مريح أكثر مما هو دقيق. لأنه يعفي باقي المنظومة من مسؤوليتها، ويحول الأسرة إلى شماعة جاهزة لتعليق فشل جماعي. فالحقيقة أكثر إزعاجا، لأن شغب الملاعب ليس انفجارا عفويا، وإنما هو نتيجة مسار طويل من الإهمال. شباب يعيش فراغا قاتلا ومؤسسات تربوية فقدت جاذبيتها و فضاءات شبابية مغلقة، وخطاب إعلامي يمجد الصراع ويغذي ثنائية “نحن وهم”، فتتحول  المدرجات إلى ساحة تصفية حسابات رمزية.

ووسط كل هذا، يجد الآباء أنفسهم مطالبين بالتحكم في عالم لم يعد البيت مركزه. ذلك أن الأب والأم يقدمان ما يستطيعان، لكن ابنهما يتشكل في الشارع وفي الهاتف أو في جماعة الأقران، وفي ثقافة شعبوية تتجاوز قدرتهم على الضبط.

ثم تأتي اللحظة القاسية حيث يصلهم خبر اعتقال ابنهم  أو إصابة، أو حتى مجرد تورطه في مشهد عنف. فتتحول الأسرة من فضاء للحماية إلى ساحة مساءلة. حيث نظرات الجيران وتعليقات الأقارب، وإحساس داخلي قاس بأن شيئا ما انفلت… دون أن يعرف أحد أين بدأ الانفلات فعلا.

والمشكلة أن المجتمع يحب اختزال الظواهر المعقدة في جملة واحدة (التربية هي الحل). في الواقع هي عبارة جميلة لكنها تختبئ خلفها حقيقة مرة مفادها أن التربية وحدها لا تواجه منظومة كاملة من الإغراءات والضغوط والانفلات الرمزي. فما يحدث في الملاعب هو انعكاس مكثف لما يحدث خارجها. المدرج مجرد مرآة مكبرة.. وعندما نكسر المرآة، لا تختفي الصورة.
وبذلك يصبح الآباء هنا جزء من ضحاياه هذا الشغب. فيدفعون الثمن مرتين: مرة حين ينزلق الابن، ومرة حين يطلب منهم تفسير ما لا يمكن تفسيره ببساطة.

وهذا لا يعفي الأسرة من دورها، لكنه يضع الأمور في حجمها الحقيقي. لأن اختزال الظاهرة في تقصير أسري، يريح الضمير الجماعي ويؤجل النقاش الحقيقي حول السياسات الشبابية والتربية والإعلام، والفضاءات العامة. وفي النهاية، السؤال الذي يجب أن يطرح بجرأة: كم من أسرة تعيش اليوم على إيقاع مباراة لم تنته بعد؟ وكم من أب وأم يجلسان في صمت…في مدرج الخوف يترقبان؟
وذلك هو الوجه الآخر لشغب الملاعب… وجه لا يظهر في الكاميرات، لكنه الأكثر صدقا.