محمد بنمبارك: المغرب ــ الجزائر .. مآلات التسوية المتعثرة بين الماضي والحاضر

محمد بنمبارك: المغرب ــ الجزائر .. مآلات التسوية المتعثرة بين الماضي والحاضر

بين الأمس واليوم متغيرات جدرية طرأت على النزاع المغربي الجزائري، فمنذ استقلال الجزائر1962، كان المغرب يطمح انطلاقا من صدق نوايا وحسن جوار إلى تسوية سلمية ثنائية متوافق عليها مع قادتها، حول قضية الحدود واستكمال الوحدة الترابية للمغرب؛ وكان من شأن هذه التفاهمات أن تؤسس لعلاقات أخوية متينة وتعاون ثنائي والاشتغال على المشروع الواعد للمغرب العربي، لكن النتائج كانت مخيبة للآمال المنشودة من طرف ملوك المغرب، جلالة المغفور لهما محمد الخامس والحسن الثاني.

 وللتذكير التاريخي فإن المادة الأولى من معاهدة الأخوة وحسن الجوار بين المغرب والجزائر الموقعة منتصف يناير 1969، تنص على: "إقامة سلم دائم وصداقة متينة وجوار مثمر ينبع من روح وضمير الأخوة العريقة بين الشعبين الشقيقين ويهدف إلى تشييد مستقبل مشترك”.، مع الالتزام بعدم الانخراط في أي حلف وتحالف موجه ضد أحدهما. فأين نحن اليوم من هذا الكلام الدبلوماسي الحالِم؟

كانت تكلفة حسن النوايا المغربية للتسوية والتفاهم والتقارب قاسية بمثابة خيانة جزائرية متعددة المحطات، خسر معها المغرب معركة حدوده الشرقية رغم تعهدات الحكومة الجزائرية المؤقتة في اتفاق يوليو 1961 بالتسوية معها بدل فرنسا في "إيكس ليبان"، لكن بعــد استقلال الجزائــر، وقــع الانقلاب على هذا الاتفاق من طرف أول رئيـس جزائـري أحمـد بـن بلـة، ممـا دفع إلـى حـرب الرمـال/ 1963، تعزز هذا النكران بعد انقلاب هواري بومدين 1965 على بن بلة، ليضاعف من حجم المشاكل والخلافات بين البلدين.

 

تفاقمت الأزمة في غياب استحضار التوقعات الغادرة، حين تم ابرام اتفاقية رسم الحدود، منتصف يونيو 1972، بين الملك الحسن الثاني والرئيس بومدين، والتي تراجع فيها المغرب عن المطالبة بحدوده الشرقية، على أمل فتح صفحة جديدة مع الجزائر تضع حدا للنزاع وتنقل العلاقات بين البلدين من العداء إلى الإخاء والمودة، يتقي بموجها الملك الحسن الثاني الشر الجزائري بضمان دعـمها للمطالـب المغربيـة فـي الصحـراء والاعتراف بســيادة المملكــة علــى كامــل ترابهــا. لكن بعدما كسبت الجزائر ملف الحدود، توسعت مطامعهما بالتراب المغربي وعاكست مساعي المغرب في استكمال وحدته الترابية، بل احتضنــت تنظيما انفصاليا، أسَّست له " الجمهورية الصحراويــة"، وكرست أموالها وإيديولوجيتها الثورية ودبلوماسيتها لحشد الدعم والتأييد الدولي للاعتراف بكيانها، مما مكنها من مقعد بمنظمة الوحدة الإفريقية، بشكل دفع المغرب للانسحاب من المنظمة. مواقف خيانة تاريخية لقادة الجزائر تطلبت 50 عاما من الصراع المرير لم تنته مجرياته بعد.

 اتفاق رسم الحدود أثار الكثير من الجدل آنذاك لدى الطبقة السياسية المغربية وحتى شخصيات وازنة مقربة من القصر، التي اعترضت على الاتفاق، مذكرة بالحقــوق التاريخيــة للمغــرب فــي الصحــراء الشرقيــة، في ظل غياب مصادقة البرلمان المغربــي على اتفاق التنازل عن جزء من التراب الوطني. إلا أن الملــك الحســن الثانــي تمسك بالتزاماته وصــادق علـى اتفاقيـة رسـم الحـدود عام 1989، جاء ذلك في إطار توافق سياسي موسع مع الرئيــس الشــاذلي بــن جديــد، بوقــف الحــرب بالصحــراء وتأســيس اتحــاد المغــرب العربــي فبراير 1989 بمراكش. وتعزز هذا التوافق، بعد وصول محمــد بوضيــاف إلى سدة الحكم بالجزائــر ينايــر 1992، إذ بعــد زيارته للرباط مــاي 1992 أمر الحســن الثانــي بنشــر اتفاقيــة الحــدود بالجريــدة الرسـمية 24 يونيـو 1992.

لكـن بعد ذلك بأيام قليلة تدخلت قوى الشر بالجزائر من جديد باغتيـال الرئيس بوضيــاف والإجهاز على التقارب بين البلدين، لينهار كل شيء ويخسر المغرب معركة دبلوماسية جديدة بعدما استوفى إجراءات المصادقة والنشر، فيما الجزائر استعجلت قبل ذلك، بالقيام بإرسال وثائق اتفاقية رسم الحدود إلى الامم المتحدة لاعتمادها.

 

 بالموازاة مع ذلك، تنصلت الجزائر من اعتماد أو نــشر الاتفــاق الاقتصادي الثنائي بالاستغلال المشتــرك ل "غــار الجبيــلات"، دون تنفيذ الالتزامـات المرتبطـة به. وخلال سنوات 2022/2025 أعلنت انطلاق أشغال الاسـتغلال لثـروات منطقـة تنــدوف المعدنيــ، وذلك خــارج نطاق الشراكــة الموقعــة مــع المغـرب. وفي مارس 2021 قامت القوات الجزائرية بنقل حقول “العرجة” بواحة فكيك من المجال المغربي إلى السيادة الجزائرية وطرد الفلاحين المغاربة إلى ما وراء الحدود.

 بإقدام الجزائر على هذه الخطوات الأحادية تكون قد ضربت بعرض الحائط كل أسس الاتفاقات المبرمة معها: "معاهدة الأخوة"، "رسم الحدود"، " غار الجبيلات"، خــروقات متوالية مــن طرف الجزائــر قد تدفــع أو تعطي الحق للمملكة بالدعوة لإعــادة طــرح القضيــة برمتها للتفــاوض وفق الحقائق التاريخية الموثوقة، في ظل الغموض والصمت المحيطين بملف الحدود، وهي المخاوف المتزايدة من قبل حكام الجزائر تجاه النوايا المغربية، على حدود يدركون جيدا أنها شـديدة الارتباط بهويـة وتاريخ المغرب وشـعبه.

على المستوى الشعبي، بات اتفاق الحدود الذي عاد إلى الواجهة بشكل بارز في السنوات الأخيرة، كأحــد الملفــات العالقة التي ترهــن حاضــر ومســتقبل المغاربــة على الواجهــة الشرقية للبلاد وتجديد مطالبهم بصحرائهم الشرقية المغتصبة جزائريا ومكابدتهم لتمزق حدودي شرقي وهم يخضون معركة الجنوب. وباتت الاتفاقات المخيبة للمغاربة، جزء من التاريخ الجريح المطمور يشكل عبئا بكل آلامه المتوارثة. هو ماض وأرشيف تحاصرنا وقائعه بأسئلة تخدش الذاكرة المكلومة، تسترعي الانتباه واليقظة، فالكفاح من أجل الصحراء والحدود هو كفاح من أجل المغرب ليظل منسجما متصالحا مع تاريخه.

 لقد استعصى على الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني التوصل إلى حلول مرضية مع قادة الجزائر بعد تجربة حرب محدودة ودبلوماسية هادئة بين مد وجزر، خان خلالها قادة الجزائر العهود والمواثيق ومزقوا الاتفاقات ووسعوا لائحة مطالبهم ورفعوا سقفها في مساعي خائبة لإلحاق بالغ الضرر بالمملكة: نظامها، شعبها، ترابها، اقتصادها، أمنها واستقرارها، مكانتها الدولية، قطع امتداداتها الثقافية والحضارية والبشرية مع محيطها شرقا وجنوبا، والأفظع التظاهر برعاية ودعم تنظيم انفصالي حولته إلى  أداة لتقويض المغرب وتمزيقه، في سياسة ممنهجة متواصلة للهيمنة وتكريس حالة العداء والقطيعة.

 

 انتبه جلالة الملك محمد السادس لتجربة أسلافه على العرش، وفطن للسياسة العدائية التاريخية لقادة الجزائر ونفاق رئيسها الراحل بوتفليقة، فغير قواعد اللعب كلية، على كافة المستويات: تدعيم وتطوير مؤسسات الحكم، الدفع بالمشروع التنموي الكبير للبلاد شمالها وجنوبها، تدعيم القدرات العسكرية والرفع من جاهزيتها، الضرب بقوة لتشطيب ميلشيات البوليساريو على الحدود جنوبا وشرقا، ثم النهوض بالأداء الدبلوماسي إفريقيا أولا، عربيا، أوروبيا، أمريكيا وباقي أقطار العالم، ورفَعَ سقف التحدي لما تقدم سنة 2007 إلى الأمم المتحدة بمبادرة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية تحت السيادة المغربية، أعقبها إنهاء سياسة الكرسي الفارغ بالاتحاد الإفريقي، فأوقف نزيف القرارات الإفريقية المجحفة بحق المغرب، معطلا التحركات الدبلوماسية الجزائرية والجنوب إفريقية، واضعا بذلك حدا للتدخل الإفريقي في النزاع الصحراوي، بعد أن أصبح حصريا من اختصاص الأمم المتحدة، وهي المعركة الدبلوماسية التي خسرتها الجزائر بعدما تكللت جهود المملكة، باعتماد مجلس الأمن الدولي/ أكتوبر 2025 للقرار 2797، الذي اعتمد مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء تحت السيادة المغربية كحل وحيد على طاولة التفاوض، وهو ما من شأنه ان يعمق عزلة الاطروحة الانفصالية ويدفع نحو التسوية النهائية التي تعاكسها الجزائر.

ذا ولم يغب عن الملك محمد السادس في ظل هذه المعركة المتعددة الأبعادـ المتسمة بتشابك رهاناتها وتعقيد سياقاتها، توجيه نداءات اليد الممدودة إلى الرئيس الجزائري، في إطار الرغبة في الحوار والتفاهم لحل المشاكل العالقة وتقريب وجهات النظر، لكن الرد كان مخيبا كالعادة، رافقته قرارات متعجرفة بالقطيعة واللاآت والإغلاقات والاتهامات، والدفع بمليشيات البوليساريو لتنفيذ هجماتها الإرهابية، وتحريك قطعات الجيش على الحدود تلويحا بالتهديد في دعوة مباشرة إلى وليمة دم، فضلا عن إقحام الرياضة في مسلسل التصعيد السياسي والإعلامي الحاقد. كانت الغاية من النداءات الملكية تعرية الجزائر أمام أنظار العالم، وغطاء دبلوماسيا لكشف حالة الاستعصاء الاستراتيجي الذي يقبع فيه حكام الجزائر.

 فلا مجال لإفساد فرحة المغاربة مرة أخرى، فالمومن لا يلدغ من الجحر / مرتين وفي حالتنا ثلاث مرات، ومآل المعركة الأخير هو كل شيء. وكما أكد على ذلك الملك محمد السادس في خطابه التاريخي بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء/ نوفمبر 2025: "حان وقت المغرب الموحد من طنجة إلى الكويرة، الذي لن يتطاول أحد على حقوقه وعلى حدوده التاريخية".

لن يتكرر المشهد مرة أخرى مع الملك محمد السادس، فمغرب اليوم ليس على استعداد للمساومة فلن يفرط في مصالحه ولن يُعيد الكَرَّة، ولن يخوض معركة التفاوض تحت شعارات " سلام الشجعان ولا غالب ولا مغلوب..."، هي معركة في ظل مباحثات تثبيت حقوق تاريخية للأمة المغربية لا وساطة لإرضاء أطراف، الجزائر خسرت المعركة بكل تفاصيلها ولم يتبق سوى تفكيك خيوط اللعبة المعقدة التي تقع عليها المسؤولية بالكامل. الجزائر اليوم على طاولة التفاوض، ليس اختيارا بل تحت طائلة الضغط الأمريكي، حضور لم يكن له ليتأتى لولا الحقيقة المرة التي تواجهها بمنطق عقلية الناجي، بمشهد ستحاول فيه الخروج بنتيجة لا يوجد فيها رابح كامل ولا خاسر استسلم.

 

لذلك واجب اليقظة  والقراءة الاستباقية، تدعو المفاوض المغربي اليوم إلى استحضار مطبات العلاقة مع الجزائر على مدى تاريخها الاستقلالي، من زاوية الحرص على عدم التفريط أثناء التفاوض على التراب والمصالح والمنافذ والمواقع والنفوذ والمواطئ والواجهة من جديد، حفاظا على المكتسبات ووقفا للنزيف، فلا مجال للحلول الرمادية مع قوى الشر الجزائرية الحاضرة على طاولة التفاوض، من باب التخلي عن 50 سنة من الصراع بمقابل ريعي وطمع متجدد رديء، ومطالبة بنصيبها من غنائم الحل الإقليمي، والبحث عن موطئ قدم داخل التراب المغربي مجددا مباشرة أو بالوكالة.

يجب علينا أن نقر بأن الجزائر اليوم  باتت في أكبر ورطة في تاريخيها، تتجلى في البحث عن منافذ للتحلل من أعباء مخيمات تندوف بثقلها المالي والعسكري والقيادي وبساكنتها الهجينة وخليط ميليشياتها المدججة بأسلحة متطورة، وضع يثير المخاوف لديها من أن يتحول إلى قنبلة موقوتة بالداخل، لذلك لا نستغرب أن تصدر منها مقترحات ملغومة، من باب تقديم حلول في توقيت غير بريء، ترمي إلى الدفع بساكنة المخيمات وميلشياتها المسلحة إلى داخل التراب المغربي لما تسميه المنطقة العازلة، في محاولة للتحلل من مسؤوليتها التاريخية المتعفنة، وبحثا عن طوق نجاة للتخلص من هذا الإرث الثقيل بشكل أو بآخر بعد انتهاء مدة الصلاحية، لذلك علينا ان لا نتفاجأ  بتقديم الجزائر أوراق تدمير وترتيبات حل عالية المخاطر.

عند كل محطة تاريخية يظهر النظام الجزائري في صورته الحقيقية ليكشف عن خبث نواياه واحلامه الإيديولوجية والعسكرية القائمة على الهيمنة والتوسع، في اعتقاد راسخ لدى حكامه أن بمقدورهم تغيير الجغرافيا وإعادة رسمها، وطمس حقائق التاريخ وصياغته وفق رؤيتهم القاصرة.

اليوم تدخل الولايات المتحدة الأمريكية على الخط مباشرة، لتصفية المشكل العالق بين البلدين وفق نمط جديد من التسوية، في وقت خسرت الجزائر دوليا مسبقا معركتها الدبلوماسية، وتحطمت أطروحتها الانفصالية وباتت مدفوعة إلى طاولة تفاوض طالما تملصت منها أمميا. لم يكن بإمكان الجزائر القبول لولا الضغط الأمريكي، الممارس حتى الآن بدبلوماسية الغزل، فهل تخاطر الجزائر بخسارة الغزل الأمريكي؟