ادريس الفينة: هل أصبح تقليص عدد الجماعات القروية مدخلاً ضرورياً لترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو الاستثمار؟

ادريس الفينة: هل أصبح تقليص عدد الجماعات القروية مدخلاً ضرورياً لترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد نحو الاستثمار؟ ادريس الفينة وفي الإطار وزير الداخليى عبد الوافي لفتيت

يعود النقاش حول عدد الجماعات المحلية، خاصة في الوسط القروي، إلى الواجهة في سياق التحولات الجديدة التي يعرفها تدبير التنمية الترابية بالمغرب. فمع التوجه المتزايد نحو شركات التنمية الترابية، واعتماد البرامج المندمجة للتنمية المجالية، لم يعد السؤال المطروح تقنياً أو إدارياً فقط، بل أصبح سؤالاً مالياً وتنموياً بامتياز: هل من المنطقي الاستمرار في الإبقاء على هذا العدد الكبير من الجماعات، في وقت تستهلك فيه نفقات التسيير جزءاً مهماً من الموارد، بينما الحاجة الحقيقية اليوم هي توجيه أكبر قدر ممكن من الإمكانيات نحو الاستثمار؟

 

تتكون الجماعات الترابية بالمغرب من 12 جهة، و75 عمالة وإقليماً، و1503 جماعة. وهذا الرقم وحده يبرز حجم البنية المؤسساتية المحلية التي تحتاج إلى تمويل دائم للتسيير، والموارد البشرية، والمقرات، والمعدات، والمصاريف الإدارية، قبل الوصول أصلاً إلى الاستثمار المنتج للخدمات والتنمية.  

 

وتزداد أهمية هذا النقاش حين نعلم أن الخريطة الجماعية تضم، وفق المعطيات المتداولة حول التقسيم الجماعي، 1282 جماعة قروية مقابل 221 جماعة حضرية، أي أن الجماعات القروية تمثل حوالي 85 في المائة من مجموع الجماعات بالمغرب. وهذا يعني أن جوهر الإشكال يوجد بالأساس في الوسط القروي، حيث تتعدد الجماعات، لكن كثيراً منها يظل محدود الموارد وضعيف القدرة التقنية والإدارية.  

 

إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الجماعات في حد ذاته، بل في جدوى الإبقاء على جماعات صغيرة وضعيفة، تستهلك جزءاً كبيراً من ميزانياتها في التسيير، ولا تملك في المقابل القدرة الكافية على إنتاج استثمار محلي فعلي. فالقرب الإداري لا تكون له قيمة تنموية إذا لم يكن قادراً على توفير طريق، أو ماء، أو كهرباء، أو نقل مدرسي، أو مرافق اجتماعية، أو مشاريع مدرة للدخل.

 

وتكشف أرقام الخزينة العامة للمملكة لسنة 2024 عن حجم هذا التحدي. فقد بلغت النفقات الإجمالية المنجزة من طرف الجماعات الترابية، عند نهاية دجنبر 2024، حوالي 47.9 مليار درهم، بارتفاع قدره 8.1 في المائة مقارنة مع سنة 2023. ومن هذا المبلغ، بلغت النفقات العادية حوالي 28 مليار درهم، أي أن جزءاً كبيراً من المال المحلي يذهب إلى التدبير اليومي قبل الاستثمار.  

 

أما نفقات الموظفين والتعويضات فقد بلغت، إلى غاية نهاية دجنبر 2024، حوالي 12.216 مليار درهم، مقابل 11.990 مليار درهم سنة قبل ذلك، أي بزيادة قدرها 1.9 في المائة. وتمثل هذه النفقات وحدها 43.7 في المائة من نفقات التسيير لدى الجماعات الترابية، كما تمتص ما يعادل 59.3 في المائة من حصة الجماعات الترابية من منتوج الضريبة على القيمة المضافة. وهذه الأرقام تطرح سؤالاً واضحاً: هل يمكن بناء تنمية قروية حقيقية إذا كانت الموارد الأساسية تُستنزف في التسيير قبل الاستثمار؟  

 

وفي المقابل، بلغت نفقات الاستثمار للجماعات الترابية سنة 2024 حوالي 17.824 مليار درهم، مقابل 15.462 مليار درهم سنة 2023، أي بارتفاع نسبته 15.3 في المائة. ورغم أهمية هذا الارتفاع، فإن نسبة تنفيذ اعتمادات الاستثمار لم تتجاوز 33 في المائة من التوقعات، التي بلغت 54.804 مليار درهم. وهذا الرقم بالغ الدلالة، لأنه يعني أن الإشكال ليس فقط في توفر الاعتمادات، بل أيضاً في القدرة على برمجتها وتنفيذها وتحويلها إلى مشاريع منجزة.  

 

هنا بالضبط تظهر أهمية النقاش حول شركات التنمية الترابية والبرامج المندمجة. فحين تكون الجماعات عاجزة عن تنفيذ الاستثمار بالسرعة والجودة المطلوبتين، يصبح من الضروري التفكير في أدوات تنفيذية أكثر فعالية. فالتنمية اليوم لم تعد تحتمل منطق المشاريع الصغيرة المتفرقة، ولا التدبير المجزأ بين جماعات محدودة الإمكانيات، بل تحتاج إلى رؤية مجالية واسعة، وإلى جهات تنفيذية قادرة على تجميع الموارد، وضبط الدراسات، وتتبع الأشغال، وتقييم النتائج.

 

وتؤكد أرقام سنة 2024 أن الجماعات، أي المستوى المحلي الأقرب إلى المواطن، تتحمل القسط الأكبر من النفقات؛ إذ بلغت حصتها من مجموع نفقات الجماعات الترابية 66.8 في المائة، بما يعادل حوالي 30.6 مليار درهم. كما أن نفقات الموظفين تمثل داخل ميزانيات الجماعات نسبة مهمة تصل إلى 35.4 في المائة، مقابل 20.1 في المائة فقط للاستثمار، حسب بنية النفقات حسب نوع الجماعة الترابية.  

 

هذه المعطيات تجعل سؤال تقليص عدد الجماعات القروية سؤالاً مشروعاً. فالمشكل ليس في الديمقراطية المحلية، بل في ضعف الأداة المؤسساتية التي يفترض أن تخدم هذه الديمقراطية. فما قيمة تعدد الجماعات إذا كانت عاجزة عن الاستثمار؟ وما جدوى الإبقاء على وحدات ترابية صغيرة تستهلك مواردها في التدبير اليومي، بينما المواطن يحتاج إلى مشاريع ملموسة في الطرق، والماء، والكهربة، والصحة، والتعليم، والنقل، وفك العزلة؟

 

إن تقليص عدد الجماعات القروية، أو على الأقل إعادة تجميع بعضها، يمكن أن يشكل مدخلاً لترشيد الإنفاق العمومي المحلي. فبدل توزيع الموارد المحدودة على عدد كبير من الهياكل، يمكن تجميعها داخل جماعات أقوى، بميزانيات أكبر، وإدارات تقنية أفضل، وقدرة أعلى على التخطيط والتعاقد والمراقبة. والهدف هنا ليس تقليص التمثيلية، بل تقوية الفعل المحلي حتى يصبح قادراً على إنتاج نتائج.

 

كما أن هذا التوجه ينسجم مع منطق العمل الوقائي في تدبير المال العام. فبدل ترك جماعات ضعيفة تدبر صفقات تقنية معقدة، ثم انتظار تقارير الاختلالات والتعثرات، ينبغي بناء نموذج يمنع الخلل من الأصل. الجماعة القوية، المدعومة بشركات تنمية ترابية وبرامج مندمجة، تكون أكثر قدرة على تنفيذ المشاريع وفق معايير مهنية، وأقل عرضة للارتجال وسوء التدبير.

 

ومن المهم التأكيد أن تقليص عدد الجماعات لا ينبغي أن يفهم باعتباره تراجعاً عن الديمقراطية المحلية. فالديمقراطية لا تقاس بعدد المجالس فقط، بل بقدرة هذه المجالس على تحسين حياة المواطنين. ويمكن الحفاظ على القرب من خلال آليات بديلة: ملحقات إدارية، مكاتب للقرب، خدمات رقمية، وحدات متنقلة، آليات للتشاور المحلي، وتمثيلية عادلة داخل الجماعات المندمجة.

 

المطلوب، إذن، ليس إلغاء القرب، بل الانتقال من القرب الشكلي إلى القرب الفعلي. فالقرب الحقيقي ليس أن يجد المواطن مقراً جماعياً قريباً منه فقط، بل أن يجد طريقاً صالحة، وماءً متوفراً، وكهرباء مستقرة، وخدمة عمومية فعالة، ومشروعاً تنموياً يغير واقعه اليومي.

 

لذلك، فإن الإبقاء على عدد كبير من الجماعات الضعيفة، في ظل التوجه نحو شركات التنمية الترابية والبرامج المندمجة، قد يخلق تناقضاً داخل نموذج التدبير المحلي. فمن جهة، يتم الدفع نحو تنفيذ مهني ومندمج للمشاريع، ومن جهة أخرى، تستمر بنية ترابية مشتتة تستهلك موارد مهمة في التسيير. وهذا التناقض يستدعي مراجعة عميقة وشجاعة.