سعاد بنور: المحامون أول من طالبوا برفع التنافي مع التعليم الجامعي

سعاد بنور: المحامون أول من طالبوا برفع التنافي مع التعليم الجامعي سعاد بنور، أستاذة التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق

تُقدّم سعاد بنور، أستاذة التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق، تحليلا تاريخيا يذكّر بأن المحامين أنفسهم طالبوا برفع التنافي مع التدريس الجامعي، في سياق الجدل الراهن حول مشروع قانون 66.23 الذي يعيد تكريس المنع.
وتستحضر بنور مقترح الفريق الحركي سنة 2013  بمجلس النواب، ومسودة هيئات المحامين 2014 التي رفعت التنافي لصالح التكامل العلمي، منتقدة المفارقة في اشتراط استقالة الأساتذة مقابل السماح للمحامين بالتدريس.
 

في خضم الجدل الدائر اليوم حول مسألة الجمع بين مهنة التعليم الجامعي ومهنة المحاماة، يقتضي النقاش الهادئ والموضوعي استحضار مسار هذه القضية كما تطور داخل النصوص والمشاريع والمقترحات، فهذا المسار يكشف حقيقة أساسية كثيرا ما يتم إغفالها، مطلب رفع التنافي بين المحاماة والتدريس الجامعي لم يكن في بدايته مطلبا صادرا عن أساتذة القانون وحدهم، بل كان، في إحدى أهم محطاته، مطلبا عبّرت عنه مكونات من داخل مهنة المحاماة نفسها.
فالأستاذ الجامعي المغربي، شأنه في ذلك شأن نظرائه في عدد من التجارب المقارنة، كان يزاوج بين التعليم الجامعي والبحث العلمي من جهة، وممارسة المحاماة من جهة أخرى، إلى أن صدر الظهير الشريف رقم 1.93.162 بتاريخ 10 سبتمبر 1993، المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، والذي أتى بمقتضى جديد في مادته السابعة، يقضي بتنافي مهنة المحاماة مع جميع الوظائف المأجورة، وهو التوجه نفسه الذي حافظ عليه القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة، الصادر بتاريخ 20 أكتوبر 2008، من خلال مادته السابعة.
غير أن هذا الاختيار التشريعي لم يظل بمنأى عن النقد من داخل الجسم المهني نفسه، فقد انتبه عدد من المحامين إلى أن منع الجمع بين المحاماة والتدريس الجامعي لا يخدم بالضرورة مصلحة المهنة، بل قد يحرمها من مصدر مهم للتجديد العلمي، ومن قناة طبيعية للتفاعل بين البحث الأكاديمي والممارسة القضائية.
ومن هذا المنطلق، تقدم الفريق الحركي بتاريخ 10 دجنبر 2013 بمقترح قانون يرمي إلى تعديل المادة السابعة من قانون المحاماة، بما يسمح للمحامين بولوج مهنة التدريس والجمع بينها وبين مهنة المحاماة، وقد جاءت مذكرة تقديم هذا المقترح معبرة بوضوح عن أن '' من سلبيات قانون المحاماة لسنة 2008، ما ورد في المادة 7 التي تراجعت عن مكتسبات مهنة المحاماة كما هو متعارف عليه عالميا، و التي تنص على أن المحاماة لا تتعارض مع وظائف تدريس العلوم القانونية، لأن المحامي الجامعي الذي يدرس القانون يفيد الطلبة نظريا وعمليا ويعتبر من صناع الفقه القانوني و هذا مسموح به في أكثر دول العالم، و بالمقابل فإن البحث الأكاديمي والتدريس الجامعي من شأنه أن يضفي طفرة نوعية على أداء المحامي داخل ردهات المحاكم ''.
وهذه العبارة ذات دلالة قوية؛ لأنها تكشف أن المطلب في أصله، كان تعبيرا عن وعي مهني داخل المحاماة نفسها بأن الانفتاح على الجامعة يخدم المحاماة، ويقوي أداءها، ويرفع من جودة خدماتها القانونية.
وبناء على هذا التوجه، جاءت النسخة الأولى من مسودة مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، التي أعدتها جمعية هيئات المحامين بالمغرب سنة 2014، متضمنة مقتضى واضحا في المادة 9، ينص على أن مهنة المحاماة لا تتنافى مع مزاولة مهنة التدريس في المعاهد والكليات، وقد كان هذا المقتضى يوحي، من حيث المبدأ، بإمكانية إنهاء حالة التنافي بين التدريس الجامعي والمحاماة، والاعتراف بأن المهنتين لا تتعارضان بطبيعتهما، بل يمكن أن تتكاملا.
غير أن قراءة باقي مواد المسودة نفسها كانت تكشف عن مفارقة لافتة، فقد نصت المادة 18 منها على إعفاء أساتذة التعليم العالي في مادة القانون من الحصول على شهادة الكفاءة لمزاولة مهنة المحاماة، بشرط أن يكونوا قد زاولوا، بعد ترسيمهم، مهنة التدريس مدة ثماني سنوات بإحدى كليات الحقوق بالمغرب، وذلك بعد قبول استقالتهم.
وهنا ظهر تمييز غير مبرر بين وضعيتين متقابلتين، فمن جهة، رفعت المسودة حالة التنافي عندما يرغب المحامي في مزاولة التدريس، ومن جهة أخرى، لم تسمح للأستاذ الجامعي بولوج المحاماة إلا بعد مغادرة الجامعة وتقديم الاستقالة، وهذا التمييز طرح إشكالا منطقيا وقانونيا واضحا، فإذا كانت مهنة المحاماة لا تتنافى مع التدريس، فكيف يصبح الجمع مشروعا عندما يتحرك المحامي نحو الجامعة، وممنوعا عندما يتحرك الأستاذ الجامعي نحو المحاماة؟
إن التنافي، في جوهره، لا يتعلق بالأشخاص، بل بطبيعة المهن ومدى احتمال تعارضها الموضوعي، فإذا قيل إن المحاماة والتدريس الجامعي لا يتنافيان، فمعنى ذلك أن الجمع بينهما ممكن من حيث المبدأ، سواء كان الشخص محاميا يرغب في التدريس، أو أستاذا جامعيا يرغب في ممارسة المحاماة، أما السماح للأول بالجمع، واشتراط استقالة الثاني، فهو لا يؤسس لقاعدة مهنية موضوعية، بل يكرس تمييزا قائما على صفة الشخص لا على طبيعة المهنة.
وقد انتبه أساتذة القانون إلى هذا الخلل، وبادروا حينها إلى القيام بعدة مساع لدى القائمين على مهنة المحاماة، من أجل إعادة النظر في مسودة القانون المنظم للمهنة، غير أن المسار اللاحق لم يتجه نحو تعميق الانفتاح، بل سار في الاتجاه المعاكس، فقد صدرت مسودة 2019، ثم مسودة مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة في صيغة 12 غشت 2022، ثم مشروع دجنبر 2026 في مادته 14، ليتم التراجع عن مقتضيات المادة 9 من مسودة 2014، التي كانت ترفع حالة التنافي، والعودة إلى تكريس المنع من جديد، باستثناء ممارسة التدريس بصفة عرضية في المعاهد والكليات، وهذا الاختيار لا يرفع التنافي فعليا، بل يفرغه من مضمونه العلمي والأكاديمي؛ لأن التدريس العرضي لا يسمح للمحامي بالاندماج الحقيقي في الحياة الجامعية، ولا بالانخراط في مختبرات البحث، ولا بتأطير أطروحات الدكتوراه، ولا بالمساهمة المنتظمة في إنتاج المعرفة القانونية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية، حين كان الجمع يعني تمكين المحامي من التدريس، بدا الأمر مقبولا ومفيدا ومتوافقا مع المصلحة المهنية، أما حين أصبح النقاش يتعلق أيضا بتمكين الأستاذ الجامعي من ممارسة المحاماة دون التخلي عن الجامعة، عاد خطاب التنافي والمنع والانغلاق.
ومن هذه الزاوية، فإن الإبقاء على التنافي المطلق بين التعليم الجامعي والمحاماة لا يمكن قراءته باعتباره مجرد اختيار تقني في تنظيم المهنة، بل يندرج ضمن منطق الانغلاق الذي نبه إليه جلالته في خطاب العرش لسنة 2019 عند حديثه عن رفض المهن الحرة للانفتاح وانغلاقها على الذات بقوله "فالذين يرفضون انفتاح بعض القطاعات، التي لا أريد تسميتها هنا، بدعوى أن ذلك يتسبب في فقدان مناصب الشغل، فإنهم لا يفكرون في المغاربة، وإنما يخافون على مصالحهم الشخصية"؟
فالسؤال لم يعد فقط: هل تتنافى المحاماة مع التدريس الجامعي؟ بل أصبح السؤال الأعمق: هل يراد للمحاماة أن تكون مهنة منفتحة، معرفية، تنافسية، قادرة على مواكبة المقاولة والاستثمار والاقتصاد الوطني، أم يراد لها أن تبقى مجالا مغلقا يخشى دخول الكفاءات الجامعية بدعوى حماية المهنة؟
 المحاماة، في الدول التي جعلت من الخدمات القانونية رافعة للاقتصاد، ليست مهنة منغلقة على ذاتها، بل هي شريك في مواكبة الاستثمار، وتأمين المعاملات، وحماية المقاولات، وتطوير الثقة في المؤسسات، وهي لا تخشى الجامعة، بل تستفيد منها، ولا ترى في البحث العلمي تهديدا، بل مصدرا للتجديد والتخصص والارتقاء المهني.
إن تنظيم المهن الحرة لا ينبغي أن يكون موجها لحماية الأشخاص أو تحصين المواقع، بل لحماية المهنة والمجتمع وجودة الخدمات المقدمة للمرتفقين، فإذا كانت المهنة قوية، فلن يهددها دخول الأستاذ الجامعي،  وإذا كانت قائمة على الكفاءة، فإنها لا ينبغي أن تخشى المنافسة العلمية، وإذا كانت تسعى فعلا إلى تطوير ذاتها، فإن أقصر طريق إلى ذلك هو الانفتاح على الجامعة، لا إغلاق الباب في وجهها.
إن استحضار مسار الجمع بين التعليم الجامع والمحاماة يكشف أن النقاش لا ينبغي أن يقدم كما لو أن أساتذة القانون يطالبون اليوم بامتياز استثنائي مفروض على المحاماة، الحقيقة أن مطلب الجمع انطلق، في إحدى أهم محطاته، من داخل مهنة المحاماة نفسها، وبحجج مهنية قوية تؤكد أن التكامل بين الجامعة والمحكمة ليس خطرا على المحاماة، بل فرصة لتجديدها والارتقاء بها.
لذلك، فإن العودة اليوم إلى منطق التنافي المطلق لا تبدو مجرد اختيار تنظيمي، بل تراجع عن وعي مهني سبق أن عبر عنه المحامون أنفسهم، حين اعتبروا أن تدريس القانون والبحث الأكاديمي لا يضعفان المحاماة، بل يمنحانها عمقا علميا وقدرة أكبر على إنتاج دفاع قانوني رصين وفعال.
فالجامعة لا تهدد المحاماة، والمحاماة لا تهدد الجامعة، الذي يهددهما معا هو الانغلاق، والخوف من الكفاءة، وتحويل التنظيم المهني من وسيلة لتجويد الخدمة القانونية إلى آلية لحراسة الحدود بين المهن، أما الانفتاح المنظم، المؤطر بضوابط الاستقلال وتفادي تضارب المصالح، فهو الطريق الأجدى لبناء محاماة حديثة، وجامعة متفاعلة مع الواقع، وخدمة قانونية في مستوى حاجيات الاقتصاد والمجتمع وتحديات عصر الذكاء الاصطناعي.