جمال الدين ريان
إن المشهد السياسي الحالي، الذي يعجّ بإعلانات تزكية "وكلاء اللوائح" والتحركات الميدانية المكثفة، لا يمكن تسميته بغير مسمى واحد: "تمرد صريح على الزمن القانوني". ففي الوقت الذي لم تُعلن فيه السلطات المختصة رسمياً عن انطلاق الحملة الانتخابية، نجد الأحزاب السياسية قد نصبت خيامها الرقمية والميدانية، وشرعت في استعراض عضلاتها الانتخابية عبر تقديم "وجوهها" للرأي العام، في محاولة بائسة لفرض "أمر واقع" سياسي يسبق الآجال القانونية.
إن ما نراه اليوم ليس مجرد "تواصل سياسي" كما يدعي البعض لتبرير هذه الهرولة، بل هو حملة انتخابية سابقة لأوانها مكتملة الأركان. القانون الانتخابي واضح وضوح الشمس ولا يقبل التأويل؛ فهو يحدد بدقة متناهية الفترة الزمنية للحملة، والتي تبدأ عادة قبل أيام معدودة من يوم الاقتراع وتنتهي في ليلة "الصمت الانتخابي". إن استغلال فترة ما قبل الحملة للترويج لبرامج انتخابية أو لوكلاء لوائح بعينهم، هو ضرب من العبث القانوني ومسّ صريح بمبدأ تكافؤ الفرص الذي يعتبر العمود الفقري لأي عملية ديمقراطية نزيهة.
أما بخصوص إمكانية إلغاء ترشيحات هؤلاء "المنفلتين" من عقال القانون، فالإجابة تكمن في صرامة الرقابة القضائية. إن أي تحرك انتخابي يكتسي صبغة "الدعاية" قبل الموعد المحدد قد يعرض صاحبه للطعن. القضاء الانتخابي يمتلك الصلاحية الكاملة للنظر في هذه الخروقات، وإذا ما ثبت أن المرشح استغل هذه الفترة للقيام بحملة انتخابية غير مشروعة أثرت على إرادة الناخبين أو أخلّت بالتوازن التنافسي، فإن قرار "الإلغاء" ليس مجرد احتمال، بل هو واجب قانوني لحماية الصندوق من عبث العابثين.
إن استمرار هذا الانفلات يُسائل هيبة القانون وقدرة الهيئات المشرفة على لجم أطماع الأحزاب التي ترى في الفراغ الزمني فرصة للاستحواذ على عقول الناخبين. لا يمكن بناء ديمقراطية حقيقية بعقليات "القرصنة" الانتخابية، وعلى من يطمح لتمثيل الشعب أن يكون أول من يحترم القوانين المنظمة للعبة، لا أن يقفز فوق الحواجز القانونية بحثاً عن نصر مزيف قد ينتهي به الأمر مطروداً من الحلبة بقرار قضائي لا رجعة فيه.