عزالدين هنون
يطرح عزالدين هنون، أستاذ القانون العام بجامعة ابن طفيل، قراءة تحليلية لظاهرة طغيان روابط القرابة داخل المؤسسة التشريعية، معتبراً أنها ليست إشكالاً في حد ذاتها، بل مؤشر على محدودية تجديد النخب داخل بعض الأحزاب، في ظل عوامل بنيوية مرتبطة بالنظام الانتخابي وكلفة المنافسة وضعف مأسسة الاختيار الحزبي.
إلى أي حد يمكن اعتبار طغيان روابط القرابة داخل المؤسسة التشريعية مؤشراً على ضعف تداول النخب داخل الأحزاب السياسية؟
إن حضور روابط القرابة داخل المؤسسة التشريعية لا يمكن اعتباره في حد ذاته ظاهرة غير ديمقراطية، ما دام يتم عبر آليات انتخابية قانونية وتنافسية. غير أن تكرار هذه الظاهرة قد يُعدّ مؤشراً على محدودية دينامية تجديد النخب داخل بعض الأحزاب السياسية. ففي الأنظمة التي تعتمد على قوة الشخصيات المحلية ورأسمالها الرمزي والاجتماعي، قد تتحول السياسة إلى مجال تتوارث فيه الموارد السياسية (السمعة، الشبكات، القدرة التعبوية)، وليس فقط المواقع. وبالتالي فإن المسألة لا تتعلق بالقرابة في حد ذاتها، بل بمدى قدرة النظام الحزبي على إنتاج نخب جديدة خارج دوائر النفوذ التقليدية.
على مستوى الخطاب هناك رغبة في تجديد النخب حتى من الناحية السوسيولوجية ولكن مع اشتداد التنافس وقوة الرهانات تميل الأحزاب نحو الفعالية عبر الاحتفاظ على جميع أوراقها الانتخابية وعدم المخاطرة.
هل تُعدّ ظاهرة "توريث المقاعد البرلمانية" خللاً بنيوياً أم نتيجة طبيعية لآليات الانتخاب والتمويل السياسي؟
من الناحية التحليلية، لا ينبغي اختزال الظاهرة في بعدها الأخلاقي أو الشخصي. فهي قد تكون نتيجة تفاعل عدة عوامل بنيوية، من بينها:
نمط الاقتراع المعتمد، الذي يمنح أهمية كبرى للتموقع المحلي والسمعة الشخصية.
ارتفاع كلفة الحملات الانتخابية، مما يجعل النفاذ إلى الموارد عاملاً حاسماً.
ضعف مأسسة آليات اختيار المرشحين داخل بعض الأحزاب.
استمرار منطق "الأعيان" في بعض الدوائر الانتخابية.
إضعاف البعد السياسي للعملية الانتخابية التي يجب أن تعمد على الأفكار والمواقف السياسة
بمعنى آخر، إذا كانت البنية الانتخابية تشجع على الاستمرارية المحلية وعلى توظيف الرأسمال الاجتماعي، فإن انتقال التمثيلية داخل العائلة قد يصبح خياراً سياسياً قد يكون "عقلانياً" في إطار المنافسة الانتخابية.
وعليه، فالإشكال يرتبط أساساً ببنية النظام الانتخابي والحزبي الذي لم ينجح بعد في إرساء آليات قوية لتجديد النخب.
كيف يؤثر تمركز التمثيلية بالبرلمان داخل عائلات محددة على مبدأ تكافؤ الفرص وشرعية المؤسسات؟
حتى وإن تمت العملية عبر انتخابات قانونية، فإن تركز التمثيلية داخل عائلات معينة قد يثير تساؤلات حول:
تكافؤ الفرص في الولوج إلى العمل السياسي.
انفتاح المجال السياسي أمام الكفاءات الجديدة.
صورة المؤسسة المنتخبة في نظر الرأي العام.
المسألة هنا تتعلق أكثر بالإدراك المجتمعي للعدالة السياسية. فإذا شعر المواطن أن المجال السياسي مغلق أو شبه مغلق، فإن ذلك قد يؤثر على الثقة في المؤسسات، حتى لو كانت الإجراءات الانتخابية سليمة من الناحية القانونية.
المسالة تتعلق بنضج الفعل السياسي وقدرة السياسة على التعبئة وجعل المواطن ينخرط في الفعل العام
هل تسجل الأنظمة الديمقراطية المقارنة مظاهر مشابهة؟
الظاهرة ليست خاصة بالمغرب. فالعديد من الديمقراطيات تعرف وجود عائلات سياسية كما هو الحال في الولايات المتحدة (كينيدي، بوش، كلينتون)، وفي الهند (عائلة غاندي) وكذلك اليابان في بعض الدوائر الانتخابية، وفرنسا على المستوى المحلي
غير أن الفارق يكمن في قدرة هذه الأنظمة على تحقيق توازن بين الاستمرارية والتجديد. فحينما تكون الأحزاب قوية ومؤسساتية، فإن حضور عائلة سياسية لا يمنع بروز نخب جديدة بشكل موازٍ.
نضج الثقافة السياسية في هذه البلدان هو نتيجة تراكم زمني، وأعتقد أنه في المغرب يلزمنا وقت لكي نصل لهذا النضج، وبالتالي، فالسؤال ليس وجود الظاهرة في حد ذاتها، بل مدى اتساعها وتأثيرها على التداول الحقيقي للنخب.
ما هي الإصلاحات الممكنة لتعزيز تجديد النخب بالبرلمان؟
في إطار مقاربة إصلاحية هادئة، يمكن التفكير في تعزيز الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب عبر وضع آليات شفافة لاختيار المرشحين ودعم التكوين السياسي للشباب والنساء وتحسين شفافية تمويل الحملات الانتخابية . كما يمكن التفكير في آليات تحد من احتكار المواقع التمثيلية لفترات طويلة وتقوية الطابع البرامجي للأحزاب بدل الطابع الشخصاني.
الغاية ليست منع روابط القرابة، بل ضمان أن تكون المنافسة السياسية مفتوحة وعادلة.
ظاهرة انتقال التمثيلية داخل بعض العائلات ليست بالضرورة نتيجة نية احتكارية، بل تعكس في جزء منها بنية نظام انتخابي وحزبي ما زال يواجه صعوبة في تجديد نُخبه بشكل منتظم. التحدي الحقيقي ليس في الأشخاص، بل في تطوير القواعد والمؤسسات بما يعزز التداول والانفتاح والثقة في العمل السياسي.