"صمت الحقيبة": محمد العيساوعلي يوثق ذاكرة الريف وأوجاع الاغتراب في منجز أدبي مائز

"صمت الحقيبة": محمد العيساوعلي يوثق ذاكرة الريف وأوجاع الاغتراب في منجز أدبي مائز محمد العيساوعلي ومؤلفه

في إصدار أدبي مائز يجمع بين شتات الذاكرة وأوجاع الاغتراب، امتثل الأديب محمد العيساوعلي أخيراً لإلحاح قرائه ومحبيه، محولاً نصوصه التي كانت تنبض على صفحات الفضاء الأزرق إلى منجز ورقي أنيق حمل عنوان "صمت الحقيبة"، الصادر عن دار البصمة في طبعته الأولى لعام 2026، ليكون بذلك جسراً انتقالياً من الأدب الرقمي إلى التوثيق الورقي الذي يحفظ للهوية بريقها من الاندثار.

ويعد هذا المؤلف لبنة جوهرية تنضاف إلى خزانة "الأدب الريفي"، حيث استطاع العيساوعلي أن ينبش في الذاكرة المشتركة لمنطقة الريف الأبية، وتحديداً في الحسيمة، محاولاً إنعاش ما كان "نسياً منسياً" من طقوس وتقاليد وتفاصيل دقيقة تشكل جوهر الهوية الجماعية، وهو ما جعل العمل يتجاوز كونه مجرد سيرة ذاتية ليصبح وثيقة أنثربولوجية بامتياز تمتح من خصوصية المنطقة وطبيعتها وتفاصيلها الحميمية.

وتتجلى براعة الكاتب في قدرته على صهر تجارب إنسانية متعددة ضمن ثلاث محطات سردية كبرى تختصر عمر السارد وتنقله الوجودي، تبدأ من "تفنسة"؛ تلك البادية التي شهدت صرخة الميلاد وشكلت تمثلات الطفولة الأولى، لتنتقل بعدها الرحلة إلى فصول الهجرة الداخلية نحو مدينة الحسيمة، وتحديداً مؤسسة "البادسي" التعليمية، وصولاً إلى مدينة وجدة التي توج فيها مساره الجامعي، وهي رحلات كانت تمهد للحقيبة الكبرى والأصعب.

ومع الانتقال إلى "حقيبة المهجر"، التي يصفها السارد بالخفيفة في وزنها والثقيلة في حمولتها الإنسانية، ينفتح النص على عوالم "أدب المجهر" و"أدب الرحلة"، حيث يغوص بنا العيساوعلي في تفاصيل المثاقفة والاندماج وإجبارية التأقلم مع عالم مغاير، مستخدماً حنكة لافتة في جعل القارئ ذاتاً فاعلة تندمج مع الأحداث وتؤثث فضاء السرد وتؤرخ له زمنياً بأريحية ماتعة تجعله يعيش اللحظة بكل دقائقها.

إن "صمت الحقيبة" ليس مجرد تدوين لواقع شخصي، بل هو استدعاء جاد للقراءة والاطلاع على تجربة إنسانية غنية استطاع صاحبها بتفانٍ وإتقان لافتين أن يجمع بين دفتي كتاب واحد شتات الأصوات وعوالم الغربة، ليكون هذا المولود الجديد إضافة نوعية للمكتبة العربية واحتفاءً بمبدع استطاع أن يطوع الحرف ليحكي قصة جيل تأرجح بين الحنين إلى الجذور ومتطلبات الاندماج في ديار المهجر.