أسامة المهنديز والحلي التقليدية
في وقت تتهاوى فيه الحدود بين الفنون، وتذوب فيه التصنيفات كالشمع تحت لهيب الشمس، يبرز اسم يصعب أسره في قفص مهنة واحدة: أسامة المهنديز. هل هو فنان مكياج حوَّل الوجوه إلى مزامير صامتة تعزف ألحان المشاعر؟ أم هو رسام أطلق العنان للون كي يغتصب الفراغات البيضاء؟ أم هو سينمائي أمسى الحلي عنده مشهدا سينمائيا مصغرا؟ أم هو كل هذا وأكثر، ذلك الساحر الذي اختزل المعرفة الإنسانية بالفن في بصمة إبهام؟
لكن السؤال الأكثر دهشة: لماذا ترك أسامة مسرح الأضواء حيث كانت أصابعه ترسم الوجوه لتصبح أيقونات، ليغوص في أعماق حجر العقيق؟ هل كانت تلك الوجوه التي زينها بالماكياج تخبره سرا لا يسمعه غيره؟ أم أنه وجد أن البشرة المتعبة، مهما علا شأنها، قصيرة العمر مقارنة بالحجر الذي ينام في باطن الأرض مئات السنين في انتظار من ينفض عنه غبار النسيان؟
ثمة من يقرأ التراث، وهناك من يحلم به. أما أسامة المهنديز فقد اختار أن يجعله يهذي. خلف أبواب دار العقيق، لا تصنع المجوهرات، بل تفصَّل كالأحلام. كل حجر يُختار كما يُختار الصديق: بوسواس الحبيب، بغيرة العاشق، بنزق الشاعر. يتأمله طويلا قبل أن يقرر: هل هذا العقيق يصلح أن يكون عين الجملة، أم أن منزلته أن يكون هامسا في الأذن؟
فما سر هذا الولع المغربي بالعقيق؟ أسامة يعرف أن الحجر ليس مجرد معدن صلد، بل هو حكاية تصلبت. في عروقه رسوم لأنامل أمازيغية كانت تهمس للفضة قبل أن تطبعها بحروف لم تكتب قط. في لونه أطياف الأندلس التي سقطت لكنها لم تمت. في صمته شجن المدن العتيقة، تلك التي تصرخ بالألوان وتئن تحت وطأة الجدران. يستنطق أسامة الحجر كما يستنطق الراهب إنجيله، سائلا إياه: "أيها العتيق، أنت الذي رأيت قرونا من الزواجر والتمائم، أي سحر تخبئه في بطنك لم يكتشفه أجدادنا بعد؟". وفي كل مرة، يجيب الحجر بلمعة لا يُحسن تفسيرها إلا من مارس الجنون الفني باحتراف صوفي. تتحول آنذاك ورشته لصنعة.. ولمعمل كيمياء فنية
داخل دار العقيق، تشبه عملية الإنتاج تلك الطقوس الوثنية الباذخة. لا آلات، لا قوالب جاهزة، لا اختصار. أنامل تفتت الفضة والمعادن كما يفتت الزمن ذكرى جميلة، ثم تعيد تركيبه كقصيدة ناقصة... وبين النحاس والفضة، تتوه الأسئلة. أيها الفنان، لماذا تصر على تعذيب المعدن بهذا القدر من الحضن قبل أن يرضخ لشكله النهائي؟ وهل تبكي القطعة الوحيدة التي لا تشبه غيرها عندما تغادر يديك إلى رقبة غريبة؟
يضحك أسامة دون صوت، ويجيب عبر لغته الخرساء: "المجوهرات الحقيقية ليست تلك التي تزين الجسد، بل تلك التي تحتله. تلبس الإنسان ولا يلبسها. تمتلكه ولا يمتلكها".
بين صخب الفن التشكيلي وهدير السينما ولغو المكياج الذي يتلاشى مع أول دمعة، لماذا تخلى أسامة المهنديز عن كل ألق الأضواء ليعتزل في وكر حجري يصنع حليا لا تلبسها النساء فقط بل تلبس هويتهنَّ؟ هل لأنه اكتشف أن الوجه البشري مهما كان جميلا، يهرم، أما الحجر فهو يتجعد بشكل جميل؟ أم أنه وجد في العقيق ما يشبه روحه: حجر إن كسرته لم يتبدد، بل أصبحت شظاياه قطعا صغيرة من فوضى مقدسة؟
دار العقيق لا تصنع المجوهرات... دار العقيق ترفع الآذان للحجارة. وتجعل العقيق يبكي فرحا عندما يرى نفسه فجأة ليس حجرا في قرارة منجم، بل قبلة على صدر امرأة أو نبضة في معصم عاشق.
في زمن يقدس السريع والمكرر والمستهلك، يأتي أسامة المهنديز، هذا العاشق المجنون، ليقول: إن صناعة الجمال.. هي انتقام بطيء من سرعة النسيان. وإن التراث ليس ما نرثه من أجدادنا، بل ما نقحم أنفسنا فيه بعنف، ثم ننتهب منه ما يناسب هواجسنا.
دار العقيق ليست مشروعا اقتصاديا، بل هي حالة احتضار طويل للحرفة حين تتحول إلى دين. وفن أسامة المهنديز، ذلك الذي ضل الطريق بين الرسم والسينما والمكياج ليستقر على ضفاف الفضة المحترقة، هو في النهاية حكاية رجل وجد في الحجر مرآته... فلم يعد بحاجة إلى وجه.
حروفي هذه ، قارئي العزيز ، تخليد لأنامل لا تعرف النوم، ولفتة إعجاب لرجل وفنان جعل من الحجر قارئا للبواطن، ومن الفضة جلدا ثانيا للروح المغربية.