سفيان الداودي
لم يعد سؤال الشاشات اليوم مجرد نقاش حول الإفراط في الاستعمال أو ضعف الإرادة الفردية، بل أصبح مدخلا لفهم تحولات أعمق تمس الطفولة، وأنماط التنشئة، ودور السياسات العمومية في زمن تتداخل فيه التكنولوجيا مع الحياة اليومية بشكل غير مسبوق.
في هذا السياق، يكتسب كتاب Sevrage numérique لـ Najat Vallaud-Belkacem أهمية خاصة، ليس لأنه يقدم وصفات لتقليص استعمال الشاشات، بل لأنه يفتح سؤالاً يتجاوز الفرد نحو بنية المجتمع والعالم الرقمي الذي نعيش داخله.
فهل نحن أمام أزمة استعمال أم أمام أزمة أعمق في شروط التنشئة نفسها؟ وأين تنتهي مسؤولية الفرد وأين تبدأ مسؤولية الدولة والسوق الرقمي؟
تنطلق الكاتبة من تجربة شخصية: أسبوع بدون هاتف. لكن هذه التجربة تكشف سريعاً أن العلاقة بالشاشة لم تعد علاقة استعمال، بل علاقة اعتماد شبه عضوي. ذلك الإحساس القهري بفتح الهاتف، القلق من تفويت الأخبار، والانغماس في التمرير اللانهائي، كلها مظاهر لما يُعرف بـ“doomscrolling”، أي الاستهلاك المستمر للمحتوى دون هدف أو إشباع حقيقي.
غير أن السؤال الأهم هو: هل يتعلق الأمر بضعف فردي في ضبط الذات، أم ببيئة رقمية صُممت أصلا لاستبقاء الانتباه لأطول وقت ممكن؟
في النقاشات الأوروبية المعاصرة حول تنظيم شبكات التواصل، يتضح بشكل متزايد أن المشكلة لا تُختزل في سلوك المستخدم، بل في البنية التقنية والاقتصادية لهذه المنصات نفسها. فآليات مثل الإعجابات، الإشعارات، التمرير اللانهائي، وفقاعات المحتوى ليست عناصر محايدة، بل أدوات هندسية تهدف إلى إنتاج الاعتماد السلوكي. الهدف ليس الترفيه أو التواصل فقط، بل تحويل الانتباه إلى مورد اقتصادي قابل للاستغلال الإعلاني.
ومن هذا المنظور، يصبح السؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن الحديث عن “استعمال مسؤول” داخل منظومة صُممت لتقويض القدرة على الانتباه وضبط الزمن الذاتي؟ حتى في المجتمعات التي تمتلك مؤسسات قوية، يتم الاعتراف بأن الأطفال والمراهقين لا يمتلكون الحصانة المعرفية والسلوكية الكافية لمواجهة هذه الهندسة الرقمية.
هنا يبدأ التوتر الحقيقي حين ننتقل إلى السياق المغربي. فإذا كانت أوروبا تناقش اليوم حدود تدخل الدولة لحماية القاصرين من المنصات، فإن المغرب يواجه وضعا أكثر تعقيدا: انتشار واسع للشاشات مقابل هشاشة في العرض التربوي، وتراجع في فضاءات اللعب والتنشئة الجماعية، وضعف في البنيات الثقافية القريبة من الأطفال.
في هذا السياق، لا يمكن فهم علاقة الطفل بالشاشة بمعزل عن محيطه الاجتماعي. الطفل في الأحياء الشعبية أو في المناطق المتأخرة تنموياً لا يجد في كثير من الأحيان فضاءً آمناً للعب، ولا أنشطة تربوية بديلة، ولا مدرسة قادرة على جعل التعلم تجربة جاذبة.
أمام هذا الفراغ، تتحول الشاشة من وسيلة ترفيه إلى بديل تربوي فعلي.
هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل نحن أمام إدمان رقمي، أم أمام إعادة تشكيل كاملة لمسارات الطفولة داخل فراغ تربوي واجتماعي؟
ومن المسؤول عن هذا التحول؟ الأسرة التي تواجه ضغط الحياة اليومية؟ أم الدولة التي لم تستثمر بما يكفي في الطفولة؟ أم السوق الرقمية التي تستفيد من هذا الفراغ وتعيد إنتاجه؟
رغم أهمية تشخيص Najat Vallaud-Belkacem، فإن كتابها يظل في جزء منه أسير مقاربة إصلاحية لا تذهب بعيدا في تفكيك البنية الاقتصادية العميقة التي تقوم عليها المنصات الرقمية.
فالمشكل لا يكمن فقط في “سوء الاستعمال”، بل في نظام اقتصادي يجعل من الانتباه البشري موردا أساسيا، ومن الإدمان شرطا لاستمرارية الربح.
يمكن قراءة الكتاب أيضا بوصفه أقرب إلى “بيان من أجل استعمال مسؤول للتكنولوجيا” أكثر من كونه تفكيكاً جذريا للنظام الرقمي. فهو يدعو إلى توازن بين الوعي الفردي، والمسؤولية الجماعية، والتدخل السياسي، لكنه يتوقف عند حدود إصلاحية دون مساءلة جذرية لمنطق اقتصاد الانتباه نفسه.
في هذا الإطار، يصبح النقاش أكثر حدة: هل يمكن فعلاً الحديث عن حرية الاختيار داخل بيئة قائمة على هندسة السلوك؟ ولماذا تبدو المنصات مصممة ليس فقط للتواصل، بل لإبقاء المستخدم داخل دائرة دائمة من التحفيز والارتباط؟
ما تكشفه المقارنة مع النقاش الأوروبي هو أن الإشكال ليس تقنيا فقط، بل سياسي وتربوي في العمق. وفي السياق المغربي، تتضاعف حدته بسبب غياب توازن تربوي واجتماعي يجعل الطفل أكثر عرضة لهذه المنظومة دون حماية كافية.
في المقابل، تكشف تجارب التربية غير النظامية، وخاصة المخيمات، عن إمكانية أخرى للتنشئة. ففي هذه الفضاءات، ينفصل الطفل مؤقتا عن الشاشة ليس عبر المنع، بل عبر وجود بدائل حقيقية: جماعة/ لعب/ نشاط وتجربة معيشة مشتركة.
هنا يصبح السؤال مختلفا: هل يحتاج الطفل إلى “فطام رقمي”، أم أنه يحتاج فقط إلى بيئة تُغنيه عن الاعتماد على الشاشة؟
ولماذا تبقى هذه الفضاءات التربوية هامشية وموسمية، بدل أن تتحول إلى جزء أساسي من السياسات العمومية؟
إن الربط بين النقاش الأوروبي حول تنظيم الشبكات الرقمية والسياق المغربي يقود إلى سؤال أعمق: لماذا أصبح استعمال الشاشات مفرطا إلى هذا الحد؟ وما الذي يكشفه ذلك عن أزمة أوسع في بنية الطفولة والتعليم؟
هل المشكلة في التكنولوجيا نفسها، أم في غياب مشروع تربوي متكامل يعيد تنظيم علاقة الطفل بالزمن واللعب والتعلم؟
في النهاية، لا يتعلق النقاش بالشاشات في حد ذاتها، بل بالنموذج المجتمعي الذي نريده للطفولة. فإما أن نستمر في اختزال الإشكال في سلوك فردي، أو أن نعترف بأننا أمام أزمة بنيوية تمس السياسات العمومية وتوزيع الفرص وهندسة الزمن الاجتماعي.
إن الرهان الحقيقي ليس في إبعاد الطفل عن الهاتف، بل في إعادة بناء شروط حياة تجعل هذا الهاتف غير ضروري أصلا.
في هذا الأفق، لا تعود المخيمات والعمل الجمعوي مجرد أنشطة موازية، بل تتحول إلى اختيارات سياسية وثقافية بديلة لنموذج رقمي يقوم على العزلة والاستهلاك.
إنها أفق آخر للتنشئة يعيد للطفل علاقته بالجماعة وبالتجربة الحية.
لذلك، فإن السؤال الذي تطرحه Najat Vallaud-Belkacem، رغم انطلاقه من “الفطام الرقمي”، يقود في السياق المغربي إلى مرافعة أوسع: أي سياسة عمومية نريد للطفولة؟
وأي استثمار نختار لمستقبلها؟ لأن المعركة لم تعد ضد الشاشات فقط، بل من أجل إعادة بناء المعنى وصدقية اللحظة داخل حياة طفولة اليوم والغد.