عبد الجبار شكري: تحكم الشبكات العائلية في البرلمان يغلق المجال السياسي ويعيد إنتاج اللامساواة في المغرب

عبد الجبار شكري: تحكم الشبكات العائلية في البرلمان يغلق المجال السياسي ويعيد إنتاج اللامساواة في المغرب عبد الجبار شكري

يقدّم‭ ‬الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬شكري،‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬وعالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والمحلل‭ ‬النفسي‭ ‬والمعالج‭ ‬الإكلينيكي،‭ ‬قراءة‭ ‬سوسيولوجية‭ ‬لظاهرة‭ ‬احتكار‭ ‬عائلات‭ ‬سياسية‭ ‬للتمثيلية‭ ‬بالبرلمان،‭ ‬مستنداً‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والرمزي‭ ‬كما‭ ‬صاغها‭ ‬بيير‭ ‬بورديو،‭ ‬مبرزاً‭ ‬كيف‭ ‬تتحول‭ ‬الأسماء‭ ‬العائلية‭ ‬إلى‭ "‬شرعية‭ ‬جاهزة‭" ‬داخل‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي،‭ ‬وكيف‭ ‬يُعاد‭ ‬إنتاج‭ ‬النخب‭ ‬داخل‭ ‬نفس‭ ‬الدوائر‭ ‬المغلقة‭.‬
كما‭ ‬يتوقف‭ ‬الحوار‭ ‬عند‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬على‭ ‬تمثلات‭ ‬المواطنين،‭ ‬خاصة‭ ‬الشباب،‭ ‬حيث‭ ‬يتنامى‭ ‬الشعور‭ ‬بانغلاق‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭ ‬وتراجع‭ ‬جدوى‭ ‬المشاركة،‭ ‬بما‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي

 


‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬بروز‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬بـ‭ ‬"العائلات‭ ‬السياسية"‭ ‬واحتكارها‭ ‬للتمثيل‭ ‬السياسي‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان؟
‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬سوسيولوجي،‭ ‬يمكن‭ ‬فهم‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬أساساً‭ ‬عبر‭ ‬مفاهيم‭ ‬Pierre Bourdieu،‭ ‬خاصة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فالعائلة‭ ‬السياسية‭ ‬تمتلك‭ ‬شبكة‭ ‬علاقات‭ ‬واسعة‭ ‬(نخب،‭ ‬إدارة،‭ ‬اقتصاد)،‭ ‬مما‭ ‬يسهل‭ ‬عليها‭ ‬إعادة‭ ‬إدماج‭ ‬الأبناء‭ ‬في‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الرمزي‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭  ‬الاسم‭ ‬العائلي‭ ‬يتحول‭ ‬الى‭ ‬رأسمال‭ ‬رمزي‭ ‬ويتحول‭  ‬إلى‭ ‬"علامة‭ ‬ثقة"‭ ‬أو‭ ‬شرعية‭ ‬جاهزة‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬الناخبين‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الرأس‭ ‬المال‭ ‬السياسي‭ ‬المتوارث‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬الى‭ ‬جيل‭ ‬يشمل‭  ‬الخبرة،‭ ‬المعرفة‭ ‬بقواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬،‭ ‬بالتالي،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬هنا‭  ‬فقط‭ ‬بالكفاءة‭ ‬الفردية،‭ ‬بل‭ ‬بـتراكم‭ ‬تاريخي‭ ‬للرأسمال‭ ‬داخل‭ ‬العائلة‭ ‬يُعاد‭ ‬استثماره‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭.‬

 ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬يعكس‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬تمثيلية‭ ‬بنية‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي،‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العلاقات‭ ‬العائلية‭ ‬وشبكات‭ ‬النفوذ؟
‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬يعكس‭ ‬بعمق‭ ‬الخصائص‭ ‬البنيوية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬مركزية‭ ‬العائلة‭ ‬كوحدة‭ ‬تنظيم‭ ‬اجتماعي‭ ‬(وليس‭ ‬فقط‭ ‬فردانية‭ ‬حديثة)‭. ‬ومن‭ ‬تم‭ ‬يستمر‭ ‬منطق‭ ‬القرابة‭ ‬والزبونية‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬السلطة‭. ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تداخل‭ ‬المجالين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬مثل‭  ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬القبلي‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬سياسي‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬"العائلات‭ ‬السياسية"‭ ‬ليست‭ ‬انحرافاً،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬امتداد‭ ‬لبنية‭ ‬اجتماعية‭  ‬تجذرت‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي،‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الشبكات‭ ‬والعلاقات‭ ‬الشخصية‭.‬

‭ ‬ما‭ ‬تأثير‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬على‭ ‬تمثلات‭ ‬المواطنين‭ ‬للعمل‭ ‬السياسي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬لدى‭ ‬الشباب؟‭ ‬وهل‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬العزوف‭ ‬الانتخابي؟
‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬آثار‭ ‬مزدوجة‭ ‬وهي:‭ ‬تقويض‭ ‬الثقة‭ ‬عند‭ ‬المواطن‭ ‬المغربي‭ ‬حيث‭  ‬يشعر‭  ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬مغلقة‭ ‬ومحتكرة‭. ‬تحول‭ ‬السياسة‭ ‬هنا‭ ‬بمنطق‭ ‬تقليدي‭ ‬وليس‭ ‬حداثي‭ ‬كما‭ ‬تأسس‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬عصر‭ ‬الأنوار،‭ ‬وإنما‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجال‭ ‬وراثي‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجال‭ ‬تنافس‭ ‬حر،‭ ‬لدى‭ ‬الشباب‭ ‬خصوصاً‭ ‬
تنامي‭ ‬الشعور‭ ‬بـ‭ ‬"اللاجدوى‭ ‬السياسية"‭ ‬وضعف‭ ‬الإحساس‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬،‭ ‬وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬ربط‭ ‬الظاهرة‭ ‬بـالعزوف‭ ‬الانتخابي،‭ ‬حيث‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬النتائج‭ ‬باعتبارها‭ ‬شبه‭ ‬محسومة‭ ‬داخل‭ ‬شبكات‭ ‬النفوذ‭ ‬بحيث‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬الى‭ ‬تفكك‭ ‬التمثيلية،‭ ‬فالمواطن‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬ممثلاً‭ ‬بل‭ ‬مستبعداً‭.‬

‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬للنخب‭ ‬داخل‭ ‬نفس‭ ‬الدوائر‭ ‬العائلية،‭ ‬وكيف‭ ‬يؤثر‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الحركية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية؟
‭ ‬نعم‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬هنا‭ ‬عن‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬النخب‭ ‬والحركية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فالنخب‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬تُستبدل‭ ‬بل‭ ‬تُعاد‭ ‬إنتاجها‭ ‬داخل‭ ‬نفس‭ ‬العائلات،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬يتم‭ ‬تحويل‭ ‬الامتيازات‭ ‬(تعليم،‭ ‬علاقات،‭ ‬موارد)‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬سلطة‭ ‬جديدة‭. ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬إضعاف‭ ‬الحركية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بحيث‭ ‬نجد‭ ‬صعوبة‭ ‬صعود‭ ‬فاعلين‭ ‬جدد‭ ‬خارج‭ ‬الشبكات‭ ‬العائلية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬انغلاق‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭ ‬التقليدي‭ ‬على‭ ‬نفسه،‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬شبه‭ ‬مغلق،‭ ‬وفضاء‭ ‬إقصاء‭ ‬كل‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬ينتمون‭ ‬الى‭ ‬هذه‭ ‬العائلات،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تتم‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬اللامساواة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المغربي‭  ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬اقتصادياً،‭ ‬بل‭ ‬سياسياً‭ ‬وطبقيا‭ ‬واجتماعيا‭ .‬

‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للمجتمع‭ ‬والأحزاب‭ ‬معاً‭ ‬كسر‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬وتعزيز‭ ‬مبدأ‭ ‬الاستحقاق‭ ‬بدل‭ ‬الانتماء‭ ‬العائلي‭ ‬في‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬المسؤوليات؟
‭ ‬المسألة‭ ‬هنا‭  ‬ليست‭ ‬أخلاقية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬بُنيوية‭ ‬ومؤسساتية،‭ ‬وتتطلب‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأحزاب‭ ‬دمقرطة‭ ‬داخلية‭ ‬حقيقية‭ ‬(انتخابات‭ ‬داخلية‭ ‬شفافة)‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬نفسها،‭ ‬بحيث‭ ‬نرى‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬اليسارية‭ ‬تتم‭  ‬إعادة‭  ‬إنتاج‭ ‬النمط‭ ‬التقليدي‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بالانتماء‭ ‬القرابي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬بتراتبية‭ ‬الولاء‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬علاقة‭ ‬سلطة‭ ‬الشيخ‭ ‬بالمريد‭ ‬-‭ ‬هل‭ ‬يعقل‭ ‬ديموقراطيا‭ ‬وحداثيا‭ ‬أن‭ ‬يعاد‭ ‬انتخاب‭ ‬رئيس‭ ‬حزب‭ ‬سياسي‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬متتالية؟‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬على‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية‭ ‬أن‭ ‬تعتمد‭ ‬معايير‭ ‬الكفاءة‭ ‬والاستحقاق‭ ‬بدل‭ ‬الولاء‭ ‬العائلي‭ ‬و‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬للشباب‭ ‬والنساء‭ ‬خارج‭ ‬الشبكات‭ ‬التقليدية‭ ‬العائلية‭ ‬وخارج‭ ‬منطق‭ ‬طقوس‭ ‬الزاوية/‭ ‬الطرقية‭. ‬أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المجتمع‭ ‬فيجب‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬النقدية‭ ‬ودعم‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬كفضاء‭ ‬بديل‭ ‬للتكوين‭ ‬السياسي،‭ ‬والضغط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاجتماعية‭  ‬وتقوية‭ ‬آليات‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬وتقنين‭ ‬التمويل‭ ‬السياسي‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬النفوذ‭ ‬العائلي‭ ‬وتشجيع‭ ‬التداول‭ ‬على‭ ‬المسؤوليات‭.‬
وكخلاصة‭ ‬يمكن‭ ‬القول،‭ ‬إن‭ ‬ظاهرة‭ ‬"العائلات‭ ‬السياسية"‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مسألة‭ ‬أفراد،‭ ‬بل‭ ‬هي‭  ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬بنية‭ ‬اجتماعية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المتوارث،‭ ‬في‭ ‬حقل‭ ‬سياسي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬ضعف‭ ‬الاستقلالية‭ ‬ومن‭ ‬ضعف‭ ‬آليات‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬قوية‭ ‬للنخب‭ ‬وكسر‭ ‬هذه‭ ‬الدينامية‭ ‬يتطلب‭ ‬تحولاً‭ ‬مزدوجاً،‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الأحزاب،‭ ‬وتحول‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬للمجتمع‭.‬