الرئيس المدير العام لمجموعة العمران، حسني الغزاوي
تحت شعار “نحو مقاربة مندمجة لاستدامة السكن الميسر”، تحتضن مراكش يومي 8 و9 ماي 2026 فعاليات الدورة الـ58 لمؤتمر الشبكة الفرنكوفونية للإسكان، بمبادرة من مجموعة العمران، وتحت إشراف وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة.
ليست استضافة مراكش للدورة الـ58 لمؤتمر الشبكة الفرنكوفونية للإسكان مجرد حدث مهني عابر، بل تعكس تحوّلاً متدرجاً في تموقع المغرب داخل النقاش الدولي حول مستقبل المدن والسكن. ففي لحظة عالمية تتسارع فيها وتيرة التحضر، وتتفاقم فيها أزمة الولوج إلى السكن اللائق، يصبح هذا المؤتمر فضاءً لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية: أي مدينة نريد؟ ولمن يُبنى العمران؟
اختيار مجموعة العمران لتنظيم هذا الموعد الدولي ليس اعتباطياً، بل يحمل دلالات تتجاوز البعد التنظيمي نحو إبراز نموذج مغربي يسعى، على الأقل نظرياً، إلى التوفيق بين متطلبات السوق وضغوط العدالة الاجتماعية. غير أن هذا الطموح يصطدم، كما في تجارب عديدة، بإكراهات الواقع: توسع حضري غير متوازن، طلب متزايد يفوق العرض، وتحديات بيئية تفرض إعادة التفكير في أنماط البناء والتخطيط.
المؤتمر، بشعاره الداعي إلى “مقاربة مندمجة لاستدامة السكن الميسر”، يضع في الواجهة إشكالية مركبة: كيف يمكن إنتاج سكن ميسر دون السقوط في فخ الرداءة؟ وكيف يمكن تحقيق الاستدامة دون رفع الكلفة إلى مستويات تقصي الفئات الهشة؟ إنها معادلة دقيقة، تختبر فعلياً قدرة السياسات العمومية على تجاوز منطق الكم نحو منطق الجودة والإنصاف.

في العمق، يكشف هذا اللقاء عن تحوّل في طبيعة الرهانات. لم يعد السكن مجرد ورش تقني أو قطاع اقتصادي، بل أصبح مدخلاً مركزياً لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجال والمواطن. فاختلال التوازنات المجالية، وتنامي الفوارق بين المراكز الحضرية والأطراف، يفرضان التفكير في السكن كأداة للعدالة الترابية، لا كمجرد منتوج عقاري.
كما أن إدماج التحول الرقمي والابتكار التكنولوجي في النقاش لم يعد ترفاً، بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استيراد الحلول الذكية، بل في تكييفها مع السياق المحلي، بما يضمن فعاليتها واستدامتها.
يبقى السؤال الأهم: هل ستتحول مخرجات هذا المؤتمر إلى سياسات ملموسة، أم ستظل حبيسة التوصيات؟ فالتحدي اليوم لا يكمن في تشخيص الأزمة، بل في الجرأة على إعادة بناء نموذج سكني أكثر توازناً، يضع الإنسان في صلب المعادلة، لا على هامشها.
في النهاية، يمنح هذا المؤتمر المغرب فرصة لتقديم تجربته، لكنه في الآن ذاته يضعه أمام اختبار حقيقي: الانتقال من خطاب “السكن للجميع” إلى واقع يضمن فعلاً سكنًا لائقًا، مستدامًا، ومنصفًا. فنجاح المدن لم يعد يُقاس باتساع عمرانها، بل بقدرتها على احتضان سكانها بكرامة.