العربي رياض يرفع ستار مؤلف "الكنز المخفي للأغنية الغيوانية" بمعرض الكتاب المستعمل بتراب درب السلطان

العربي رياض يرفع ستار مؤلف "الكنز المخفي للأغنية الغيوانية" بمعرض الكتاب المستعمل بتراب درب السلطان يوسف الساكت رفقة العربي رياض وغلاف مؤلفه

بحكم أن الصحفي يوسف الساكت دائم الرفقة بزميله العربي رياض في إطار المشترك في المهنة، واستمتاعا بصداقة جميلة وجلسات يحفها كلام مرصع وممتع ومسترسل في السياسة والأحزاب والفن والرياضة والثقافة والشأن المحلي. كان من اللازم مساهمته فيما نقترفه من أحاديث شيقة عن مؤلف "الكنز المخفي.." حيث نشارك القراء في هذا الحوار بين العزيزين:

تهمم التوثيق:

 

ـ "أبَّا عَرُّوبْ": لدي إحساس بأن كل ما كتب عن مجموعات وظاهرة الغيوان، رغم غزارته، ليس كافيا، هناك حلقة مفقودة في الموضوع برمته.

ـ يوسف الساكت: مؤكد أن هناك حلقات مفقودة في المشاريع التاريخية والفكرية الكبرى، ومنها الكتابة في وعن الظاهرة الغيوانية التي أنجزت فيها مؤلفات بالعشرات، وحررت وتحررت فيها أعمال فنية وسينمائية وكانت موضوعا لحلقات فكر ونقاش في فضاءات مدنية وأكاديمية داخل وخارج المغرب.

ـ يقاطعه "أبَّا عَرُّوبِْ": أعرف. أعرف، وانا كتبت كثيرا، لكن هناك الحلقة الأهم التي لم يمسك بها أحد، وهي ما قبل البدايات، أو البدايات الأولى، أو بعبارة مغربية "مْنِينْ جَا هَادْ شِّي كَامَلْ بَّا يُوسَفْ.

يوسف الساكت: شِي كْتَابْ جْدِيدْ هَذَا بَّا عَرُّوبْ!

"أبَّا عَرُوبْ" : فعلا، وهو لا يشبه الكتب السابقة التي اعتمدت فيها على حوارات مع رواد ومذكرات وأحاديث بلا ضفاف عن أعلام المجموعات بالدار البيضاء ومراكش وتارودانت، بل هو أقرب إلى مشروع للبحث والتأريخ من الجذور للظاهرة برمتها.

بوح يوسف: هو ليس كتابا عن الغناء، ولا عن المسرح وأشكال الفنون عموما. إنه اللحظة الهاربة تحديدا حين يشرع الصوت عاريا في اكتشاف نفسه، قبل أن يصير أغنية، وحتى قبل أن يتخذ لنفسه اسما وهوية. هذا ما فهمته بعد ذلك وكتبته في مقدمة "إضاءة" مرفقة بالكتاب الجديد الذي سيرى النور بعد أيام.

في حديث لجريدة "أنفاس بريس" مع الكاتب والصحفي الزميل العربي رياض حول إصداره الجديد الموسوم بـ "الكنز المخفي للأغنية الغيوانية...البدايات الأولى لتشكل المجموعات" أكد بأن دافعه الأساسي في هذا العمل الجديد هو "تهمّمه بعملية التوثيق". معاكسا القاعدة المعروفة بأننا "شعب لا نوثق، ونحن شفاهيين أكثر" وخطورة ذلك بالنسبة للكاتب "أن الأخطاء تستفحل بواسطة الخطاب الشفهي، بل أن الخطأ يصبح عنوانا" مما ينتج عنه "ظلم ونكران الجميل في حق العديد من الناس الموهوبين الذين أعطوا الشيء الكثير في مجالات إبداعية وفنية متعددة".

 

العربي عاشق البحث والنبش الميداني:

من العوامل التي دفعت بالعربي رياض للإشتغال على "الكنز المخفي للأغنية الغيوانية" أنه يرى بأننا كمجتمع مغربي تغيب عنا الكثير من الحقائق والإشراقات في مجال الإبداع الفني. فرغم كتاباته الصحفية الغزيرة، من حوارات ولقاءات وسلسلات من المقالات البحثية التي وثق من خلالها غناء وموسيقى المجموعات الغيوانية ـ الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب ـ وروادها الكبار الذين بسطوا أمامه معطيات صادقة. فإنه مازال متعطشا إلى المزيد من البحث والنبش في هذا الحقل الفني الجذاب والمبهر.

في هذا السياق تأتي شهادة الزميل يوسف الساكت بعد اطلاعه على مسودة الكتاب حيث يؤكد أن العربي رياض "لا يكتب تاريخا، بل يرهف السمع إليه بشكل ناعم مخافة أن ينكسر…يخاف عليه ويحضنه ويحنو عليه من صقيع الأيام". ويستنتج في خلاصة دقيقة قائلا: "يصغي العربي إلى ما تبقى عالقا في هواء المدن، في ذاكرة المسارح الخشبات والقاعات ودور الشباب... في ارتجاف الحناجر الأولى وهي تتلمس طريقها بين الكلام والإنشاد. كأننا أمام أرشيف غير مرئي، تحفظ فيه البدايات بوصفها وقائع، بروحها الوارفة كنبض أول".

 

نص أغنية "الْحَرَّازْ" وخطوات مسارات البدايات

في كتابه الجديد على سبيل المثال لا الحصر، وتحديدا في الفصل المخصص لأغنية "الْحَرَّازْ" شكل هذا العمل الفني الرائع عنوانا بارزا لـ ـ الكاتب والصحفي العربي رياض ـ في مجال النبش والبحث على مستوى نص "الْحَرَّازْ" والكشف عن من قام بإخراج مسرحيته، ومَنْ شخص أدوارها التمثيلية في أول مرة؟ ومن هم أبطالها الأوائل ـ طبعا قبل أن يلمع نجم الفنان الكبير الطيب الصديقي ـ؟ حيث نكتشف من خلال هذا الفصل من "الكنز المخفي" أن الظاهرة الغيوانية وعكس ما كان يروّج ضدها في فترة سنوات البيروقراطية الإعلامية والفنية، نجد أن الركائز الأساسية من أفراد المجموعات الغيوانية كانوا حاضرين فنيا وإبداعيا في هذا العمل المسرحية، مثل مولاي عبد العزيز الطاهري بصفته أول من قام بدور البطولة، إلى جانب الممثل المرحوم عبد الجبار لوزير، ومحمد بلقاس وعدد كبير من الفنانين من مدينة مراكش حيث قدمها آنذاك قبل الطيب الصديقي، المبدع عبد السلام الشرايبي.

الرواد وخلفيتهم المعرفية بعالم الفن والموسيقى والغناء:

"الكنز المخفي..." كتاب توثيقي تأريخي، يجيب عن سؤال من هؤلاء الشخوص الذين أبدعوا أغاني غيوانية جميلة، بعد أن أُلْصِقَ بهم نعت "الْبُوهَالَةْ" وأنهم مجرد "مْجَادِيبْ الْحَالْ"، حيث حاولت ماكينة الإعلام البيروقراطي والفني وقتئذ أن تصنع منهم أشخاصا لا يفقهون في الفن ولا يفهمون في عوالمه. علما أن المتتبعين والمهتمين بالشأن الفني كانوا يعلمون بأن أفراد المجموعات الغيوانية أناس "متواضعين" و "متعففين" و " صامتين".

ومن المؤكد، أن أفراد هذه المجموعات الغيوانية كانوا يحملون همّا فنيا رائدا، ولهم خلفية معرفية حقيقية بعالم الفن والغناء والموسيقى، بل أن معظمهم ينتمون لعائلات متمرسة في فن القول، ومتشبعة بالغناء الشفهي وكل ألوان وأنماط التراث المغربي. يوضح الكاتب العربي رياض

أهمية كتاب "الكنز المخفي" أن الكاتب رصد وتتبع خطوات البدايات والمسار الفني لكل فرد من أفراد ركائز المجموعات الغيوانية بالإسم والنسب والصفة. ويكشف عن الروافد الاجتماعية والثقافية والفنية التي صقلت مواهب كل واحد منهم، إلى جانب التأثيرات التي كونت شخصيتهم، وكيف تشبع هؤلاء الشباب بفنون المسرح والموسيقى والغناء. حيث يقتفي العربي رياض بدايات ومسار كل من العربي باطما، والسوسدي، وبو جميع، ومولاي الطاهر الأصبهاني، والدرهم، وغيرهم من الأسماء الفنية اللامعة التي كان لها الفضل في تشييد جسر العبور نحو تأسيس مجموعة غنائية حيث يذكر اسم الفنان المرحوم عبد القادر مطاع.

 

الكنز المخفي ووفاء الترافع الصادق:

حسب تصريح للزميل العربي رياض، فإن كتابه الجديد يفصل ويوضح عدة أشياء للقارئ، ويشرح عدة مفاهيم فنية في مسار البدايات والتأسيس، ويشرح مثلا: من أين جاءت تسمية "ناس الغيوان"، وما معنى فن "تاكناويت"؟ ومن هي العائلات لكناوية الحقيقية المعروفة بمدينة الصويرة؟ بل أن العربي رياض اختار أن يبحث وينبش في روافد العائلات الكناوية وأسمائها ونسبها، ويجيب عن سؤال كيف تمكن الراحل الفنان باكو من تَسَلُّم "الْمَشْيَخَةْ" في مجال فن تاكناويت؟ دون الحديث عن مساهماته الفنية مع ألمع النجوم العالمية.

في سياق متصل يمكن القول إن كتاب "الكنز المخفي.." قد أنصف الشاعر الزجال كاتب الكلمات المرحوم شهرمان مبدع نصوص الغناء لمجموعة جيل جيلالة، على اعتبار أن الرجل كان شعلة في مسرح الهواة ولم يشفع له تاريخه الحافل بالعطاء والتراكمات الفنية لكي ينصف من طرف المسؤولين بقطاع الثقافة. وهو بالمناسبة من الأوائل الذين اشتغلوا على فن الأوبريت والمسرح الغنائي.

إن كتاب العربي رياض نابع من حصيلة عصارة لقاءت وحوارات وجلسات فنية، حيث نستشف بين صفحاته صفاء الترافع الصادق، والوفاء للقضايا الفنية وروادها الأوائل، وهو من نوع الكتابة التأريخية التي تروم وتتوخى الإنصاف لعدة أسماء مغربية إبداعية أصيلة. وفي نفس الوقت هو إطلالة على تاريخ التراث المغربي والأنماط الموسيقية والغنائية وكذلك على تاريخ مسرح الهواة.   

 

الكنز المخفي يتنفس عطر معرض الكتاب المستعمل:

ومن المعلوم أن العربي رياض قد اختار عن قناعة، أن يقيم أول توقيع لإصداره الجديد بتراب الفداء در السلطان خلال إقامة معرض الكتاب المستعمل، لأنه المكان المفضل لممارسة شغبه المعرفي والثقافي والفني، وكونه فضاء مفتوح على الشوارع والأزقة الشعبية حيث يلتقي المثقف والأستاذ والعامل والطالب والتلميذ والطفل والتاجر والبائع المتجول وعموم المارة دون قيود، عكس المعارض النخبوية التي تجرد الإنسان من طبيعته الأدمية.

هذا الموقف يزكيه الزميل يوسف الساكت حين يؤكد بأن العربي رياض " هكذا، جاءت الفكرة والكتاب والمشروع الذي يقع في جزءين، وكان يمكن أن يصدر الجزء الأول قبل هذا التاريخ، لكن العربي آثر أن يتباطأ حتى يفوت موعد المعرض الدولي للكتاب والنشر، وتفادي الضغط الذي كان يمارس عليه من طرف البعض لتغيير موقفه في معرض يعتبره كما نعتبره جميعا معرضا مسروقا ومهربا من الدار البيضاء إلى الرباط".

ويستطرد الساكت موضحا بأن ناس الغيوان وجيل جيلالة والمشاهب والرصاد والسهام ومعها حتى مسناوة، وباقي فنون الحكي والمسرح "خرجت من الأحياء الشعبية، وليس من فضاءات السويسي"، لذلك فإن العربي "أثر أن يكون التوقيع الآول للكتاب والقراءة الأولى والكشف الأول من هذه التربة. وتحديدا من وسط روائح الكتب المستعملة وضجيج المارة وأصوات النساء العائدات من الفرن، والتلاميذ الذين يداعبون بأقدامهم قارورة ماء فارغة، والشيخ المتقاعد الذي تسمع قهقهته من داخل خيمة العرض، وهو يعلق لزميله ورقة فوق أذنه بعد أن هزمه في لعبة "ضامة" الشعبية".

كل هذه الأصوات والروائح والوشائج وغيرها، لا توجد إلا في معرض الكتاب المستعمل بتراب الفداء مرس السلطان المنظم في الهواء الطلق، لا يفصله بين الناشر والقارئ والمارون والمارات في كلام عابر سوى ستار خفيف. هو الستار نفسه الذي قد يكون "كنزا مخفيا" أمتح منه العربي "سرّ" كتابه الجديد!!