عبدالله اطويل : البيعة النقابية !

عبدالله اطويل : البيعة النقابية ! عبدالله اطويل
دأبت الطبقة العمالية تخليد يوم سنوي لتبادل "اللايكات" والقلوب الإفتراضية ونتر قبلات الحب للزعماء المخلدون على كراسي المنصات. في عيد الشغل الأممي الذي يستحضر ذكرى فاتح ماي من سنة 1888  إبان انتفاضة شيكاغو الدموية بأمريكا، حين طالب آنداك العمال بضرورة نيلهم بعض الحقوق الآدمية وتحديد ساعات العمل في 8 ساعات في اليوم. ليظل فاتح ماي من كل سنة يوم للاحتجاح أحيانا، وللاحتفال في أحايين أخرى، في يوم تتعطل فيه الآلات الصناعية وتصمت فيه "ماكينات" المعامل وتستريح سواعد البشر.
 
اجتمع الكادحون من العمال من كل حدب وصوب. بشارع الجيش الملكي، حلت الألوف المؤلفة من العمال المؤلفة قلوبهم على النقابة. غاب غوستاف لوبون، فحضرت سيكولوجية الجماهير، غاب مارسيل خليفة ومشت الوفود العمالية منتصبة القامة مرفوعة الهامة وفي يدها غصن "تين"، من أمام منصة "كابو" النقابة. رد لهم التحية بأفضل منها وبادلهم الانتصاب بالانتصاب من فئة خمس نجوم. في يوم الغضب هذا، التُقِطت الصور ونُشِرت "السطوريات والايموجات"، غاب "تشي جيفارا" وحضرت الدقة المراكشية والبالونات المحشوة بالهواء، حضر بائع الفشار وصانع الحلوى ورفع شارة النصر "عيساوة" ومروضوو الثعابين، وقارئوا الفناجين. صدحت الحناجر بملئ فيها بالشعارات الخالدة،  وتردد كورال "موخاريق يا رفيق لازلنا على الطريق"، فعلمنا انها طريق تحتاج التعبيد بالتزفيت، ثم قيل في كورال آخر  تفوح منه رائحة الايلطرات، "يا رفيق ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح"، فبدت على الرفيق أعراض الارتياح.
 
لأن في بلدنا يختلط حابل النقابة بنابل الحزب، فقد تسلحت إحدى النقابات البرتقالية بالقول المأثور "بيع القرد والضحك على من يشتريه". صعد على منصتها "الكابو" التاريخي "عبديلاه بن ايران"  ليلقي خطابه. استهله بالبسملة والحمدلة، ثم طفق يُفَرِّخ في الأقاويل يمنة ويسرة. بين الجملة والجملة تعلو التصفيقات والتكبيرات. لعنَ الحكومة التي حمت السكين بالجمر وكوت جيوب المغاربة، همَّ بِلَعنِ عزيزها قبل لعن الشيطان الرجيم، لأنه يسجل ضده ضربة تحت الحزام من زمن البلوكاج. ذكر -بتشديد الكاف- الحواريين البرتقاليين أنه كان له صنيعة حين ابتدع بدعة بناء خيمة تقي الحضور شر الشمس أو بلل المطر، بمعنى من المعاني يكون الزعيم قد قال أن النقابة تبني الخيام لتحوي المناضلين داخلها مخافة لومة نائم، فنسي أن الغريق بطبعه لا يخشى البلل. قال من جملة قوله والعهدة عليه أن بعض النقابات الأخرى لا يعلم لماذا لازال يجري خلفها الناس وفيها البيع بالتقسيط، دون الإفصاح عن المباع وكأن لسان حاله يقول "الله يجيب الغيبة بين البيع والشاري"، والبيعة مؤنث البيع. قيل في رواية والعهدة على "الداوي" أن الخِطاب كان ينقصه الآذان وتاء التأنيت ليتحول إلى خطبة. فلا تتق في المرشح عند الحملة ولا في العريس عند الخطبة.
 
في إحدى شوارع طنجة وعلى ركح منصة نقابة الفيدراليين..الديمقراطيين، انتصب زعيم الاشتراكيين و"كابو" الاتحاديين، بصفته الحزبية ككاتب "نمبر وان" لحزب الاتحاد الاشتراكي لإدريس، المسمى قيد حياته "للقواة الشعبية" قبل تسجيله وتحفيظه. ما إن اعتلى الزعيم التاريخي والجغرافي المنصة حتى ردد خلفه المريدون لازمة، "كن مطمئنا يا عمر نحن البديل المنتظر"، فكان فعلا بديلا، حين استبدل الولاية الثالثة بالرابعة. تحدث عن تاريخ الإتحاد وزرع الوعيد في يوم العيد، حين تذَكَّر سياط الجلاد وسنوات الجمر والرصاص. على المنصة شُوهِد الكاتب الأول متأثراً قاب قوسين أو أدنى من ذرف الدموع حين وصل به الحديث عن المرأة الاتحادية ونضالاتها. وفي رواية أخرى قيل بأنه كان يقصد بالمرأة الفيدرالية "المرقة الفيدرالية"، فإذا ظهر السبب بطل العجب.
 
النقابات في الوطن العربي تعرضت لعوامل التعرية اتلفت إحدى نقطتي قافها، فأصبح جلها أدرع كرتونية في خدمة الأحزاب. يصفها الكاتب المصري الساخر جلال عامر في كتابه "مصر على كف عفريت"، حيث يقول " في بلادنا فقط يركب عفريت مواطناً، ويركب حزب نقابة، ويركب شخص لجنة، وتركب لجنة حزباً، ويركب حزب بلداً، ونحن نعيش في حالة ركوب عام". 
وفي بلادي، النقابيون مثل السياسيون يأكلون الطعام ويشربون الشراب في الكؤوس، يسهرون على قضايا العمال دون أن نعرف أين يسهرون. عندنا أيضا "كابو" النقابة مثل زعيم الحزب قد يموت عن عمر التسعين دون بلوغ سن الرشد