الصادق أحمد العثماني
يُعدّ المذهب المالكي أحد أبرز المذاهب الفقهية السنية التي تركت بصمتها العميقة في تاريخ العالم الإسلامي، وقد حظي بمكانة خاصة في بلاد المغرب، حيث لم يكن مجرد اختيار فقهي عابر، بل أصبح مكوّناً أساسياً من مكونات الهوية الدينية والثقافية للمجتمع المغربي. ولم يكن انتشار هذا المذهب في المغرب وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عوامل تاريخية وعلمية وسياسية وروحية متداخلة، أسهمت في ترسيخه واستمراره عبر القرون. كما أن الطابع المقاصدي للمذهب المالكي، ومرونته في التعامل مع واقع الناس، جعلاه أكثر انسجاماً مع طبيعة المجتمع المغربي، القائم على التوازن والاعتدال.
لقد دخل المذهب المالكي إلى المغرب في مرحلة مبكرة من تاريخ الإسلام، وكان ذلك على يد حجاج وعلماء حملوا العلم من المشرق إلى المغرب، وعلى رأسهم الإمام مالك بن أنس، الذي لم يزر المغرب بنفسه، ولكن علمه وصل عبر تلامذته، خاصة من خلال الرحلات العلمية التي قام بها المغاربة إلى المدينة المنورة. ومن أبرز هؤلاء العلماء الذين نقلوا المذهب إلى المغرب يحيى بن يحيى الليثي، الذي كان له دور محوري في نشر "الموطأ" وتعليم فقه الإمام مالك، حتى أصبح هو الرواية المعتمدة في بلاد المغرب والأندلس.
وقد تزامن انتشار المذهب المالكي مع قيام الدولة الإدريسية، التي تبنّت هذا المذهب وساهمت في نشره، ثم تعزّز أكثر في عهد المرابطين الذين جعلوا منه المذهب الرسمي للدولة، فدعموه بالمؤسسات العلمية، وشجعوا العلماء على تدريسه، مما أدى إلى توحيد المرجعية الفقهية في البلاد. ولم يكن هذا التبني مجرد قرار سياسي، بل كان اختياراً واعياً لما يتميز به المذهب المالكي من انسجام مع روح الشريعة ومقاصدها.
إن تمسك المغرب بالمذهب المالكي عبر العصور يعود إلى عدة أسباب، من أبرزها طبيعته المقاصدية التي تراعي مصالح الناس وتدرأ عنهم المفاسد، إضافة إلى اعتماده على عمل أهل المدينة كمصدر من مصادر التشريع، وهو ما يعكس فهماً عملياً للإسلام في سياقه الواقعي. كما أن المذهب المالكي يولي أهمية كبيرة للعرف والعادة، ما جعله قادراً على التكيف مع خصوصيات المجتمع المغربي، دون أن يفقد أصالته أو ينحرف عن مقاصد الشريعة.
ومن الخصائص التي تميز المذهب المالكي أيضاً اعتماده على قاعدة سد الذرائع، وهي قاعدة فقهية تهدف إلى منع الوسائل التي قد تؤدي إلى الحرام، حتى وإن كانت في الأصل مباحة، وهو ما يعكس حرص هذا المذهب على حماية المجتمع من الانحرافات. كما يتميز كذلك بالاستحسان والمصالح المرسلة، وهي أدوات اجتهادية تتيح للفقيه التعامل مع النوازل والمستجدات بروح مرنة، تراعي تحقيق العدل والمصلحة.
وقد أنجب المغرب عبر تاريخه الطويل عدداً كبيراً من أعلام المذهب المالكي، الذين ساهموا في تطويره وتطبيقه في الواقع، ومنهم القاضي عياض، صاحب كتاب "الشفا"، والإمام ابن رشد الجد، الذي كان من كبار فقهاء المالكية، وأبو عمران الفاسي الذي كان له دور كبير في نشر المذهب في شمال إفريقيا، إضافة إلى الإمام الونشريسي صاحب "المعيار المعرب"، الذي جمع فيه فتاوى علماء المغرب والأندلس، فكان مرجعاً فقهياً مهماً يعكس اجتهادات المالكية في مختلف القضايا.
ومن النماذج المميزة للاجتهاد المالكي في المغرب ما نجده عند الفقيه العلامة بن عرضون، الذي كان من علماء فاس، وقد تميز باجتهاداته التي تراعي الواقع الاجتماعي وتستحضر مقاصد الشريعة. ومن أبرز اجتهاداته فتواه في مسألة “الكدّ والسعاية”، وهي من القضايا التي تعكس تفاعل الفقه المالكي مع واقع الأسرة المغربية. وتتعلق هذه النازلة بحق الزوجة في ما يُكتسب من مال خلال الحياة الزوجية، إذا كانت قد ساهمت بجهدها في تنمية هذا المال، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وقد أفتى بن عرضون بأن للزوجة نصيباً في هذا المال المكتسب، إذا ثبتت مشاركتها الفعلية في تحصيله، ولم يكن ذلك على سبيل التبرع، بل بقصد المساهمة في بناء الثروة الأسرية. ويُعدّ هذا الاجتهاد من أبرز مظاهر الفقه المقاصدي في المغرب، حيث استند إلى جملة من الأصول المالكية، كقاعدة العرف، والمصلحة المرسلة، ورفع الضرر، وهي كلها تعكس روح الشريعة في تحقيق العدل والإنصاف.
وقد لقيت هذه الفتوى قبولاً واسعاً، واعتمدها القضاء المغربي في عدد من الأحكام، كما شكّلت أساساً لما جاء لاحقاً في مدونة الأسرة من إقرار لمبدأ اقتسام الأموال المكتسبة خلال الزواج، وفق ضوابط محددة. وهذا يدل على استمرارية الاجتهاد المالكي وقدرته على التأثير في التشريع المعاصر.
كما أن الفقه المالكي في المغرب لم يكن مجرد فقه نظري، بل كان فقه حياة، يتفاعل مع قضايا الناس اليومية، ويقدم حلولاً واقعية لمشاكلهم، سواء في الأسرة أو المعاملات أو القضاء. وقد ساهمت الزوايا والمدارس العتيقة في نشر هذا الفقه، وتعليمه للأجيال، مما حافظ على استمراريته وانتشاره.
ولا يمكن إغفال البعد الروحي الذي ارتبط بالمذهب المالكي في المغرب، حيث تداخل الفقه مع التصوف السني، خاصة على الطريقة الجنيدية، مما أضفى على التدين المغربي طابعاً متوازناً يجمع بين العلم والعمل، بين الظاهر والباطن، وهو ما ساهم في ترسيخ قيم التسامح والاعتدال في المجتمع.
إن خصوصية المذهب المالكي في المغرب لا تكمن فقط في كونه مذهباً فقهياً، بل في كونه إطاراً حضارياً متكاملاً، يجمع بين الفقه والعقيدة والسلوك، ويعكس هوية دينية متجذرة في التاريخ، وقادرة على التفاعل مع الحاضر. وقد أثبت هذا المذهب قدرته على الاستمرار والتجدد، بفضل ما يتوفر عليه من أدوات اجتهادية، وما يحمله من روح مقاصدية، تجعله صالحاً لكل زمان ومكان.
وفي ظل التحديات المعاصرة، يظل المذهب المالكي في المغرب مرجعاً أساسياً في الحفاظ على وحدة المرجعية الدينية، ومواجهة مظاهر الغلو والتطرف، من خلال تقديم فهم وسطي للإسلام، قائم على العلم والحكمة. كما أن إعادة إحياء الاجتهاد المقاصدي في إطار هذا المذهب يمكن أن يسهم في تقديم حلول ناجعة لقضايا العصر، دون الخروج عن أصول الشريعة.
وختاما، فإن المذهب المالكي في المغرب ليس مجرد اختيار فقهي، بل هو مسار تاريخي وحضاري، تشكل عبر قرون من التفاعل بين النص والواقع، بين العلماء والمجتمع، حتى أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية المغرب الدينية والثقافية. وإن الحفاظ عليه وتطويره مسؤولية مشتركة، تتطلب فهماً عميقاً لأصوله ومقاصده، واستحضاراً لروحه التي تقوم على التيسير والاعتدال وتحقيق مصالح الناس.
الصادق أحمد العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية