عبد المجيد فردوس
تحول البرلمان في المشهد الراهن إلى فضاء تتقاطع داخله امتدادات عائلية متماسكة، تتحرك وفق منطق واضح يقوم على تدافع منظم نحو تثبيت المواقع وتوسيع النفوذ، حيث تتقدم الأسماء داخل نفس السلسلة العائلية جيلا بعد جيل، وتعيد ترتيب حضورها في كل محطة انتخابية بطريقة توحي بأن التمثيلية أصبحت امتدادا مباشرا لبنية القرابة. ويمنح هذا التدافع الظاهرة طابعا ممنهجا، تتوزع فيه الأدوار بين الأب والابن والأخ والصهر، في مشهد يعكس تخطيطا دقيقا لضمان الاستمرارية داخل المؤسسة التشريعية.
من المؤكد أن هذا الواقع، يحوّل الانتخابات إلى لحظة إعادة توزيع للمواقع داخل نفس الشبكات، حيث تحسم التزكيات وفق توازنات عائلية، وتشتغل الأحزاب كقنوات تمر عبرها هذه الاختيارات، فينساب الترشيح بسلاسة حين يكون المرشح جزءا من هذه البنية، ويواجه تعقيدات كبيرة حين يتعلق الأمر بفاعل قادم من خارجها. ليعيد هذا المسار تشكيل قواعد التنافس ويجعلها مرتبطة بامتلاك شبكة علاقات ممتدة أكثر من ارتباطها بالكفاءة أو بالمشروع السياسي.
تدافع العائلات داخل الحقل السياسي لا يقف عند حدود الظفر بالمقاعد، بل يمتد إلى بناء حضور دائم داخل المجال الترابي، عبر شبكات خدمات وعلاقات قرب، وعبر ارتباط يومي بقضايا المواطنين، وهو ما يمنحها قدرة قوية على تعبئة الأصوات والحفاظ على مواقعها. ويجعل هذا التموقع المؤسسة التشريعية مجالا لتقاطع مصالح متعددة، حيث تتحول المواقع المنتخبة إلى أدوات تأثير في القرار وتوجيه للموارد داخل نفس الدوائر.
تظهر انعكاسات هذا الوضع بوضوح على مستوى الأحزاب، حيث تتراجع دينامية التنافس الداخلي، وتتقلص فرص بروز قيادات جديدة، ويتحول المسار النضالي إلى تجربة محدودة الأفق أمام حضور شبكات تمتلك مفاتيح التموقع. كما يمتد أثر ذلك إلى المجتمع، حيث يتشكل وعي عام يعتبر أن الوصول إلى البرلمان مرتبط بالانتماء إلى هذه الشبكات، وهو ما يضعف جاذبية العمل السياسي ويعمق المسافة بين الشباب والمؤسسات.
عبد المجيد فردوس، فاعل مدني