سعيد التمسماني: تحول برلين.. من الحياد الحذر إلى وضوح استراتيجي في ملف الصحراء

سعيد التمسماني: تحول برلين.. من الحياد الحذر إلى وضوح استراتيجي في ملف الصحراء سعيد التمسماني

ليست كل الصياغات الدبلوماسية بريئة في حذرها؛ فبعضها يخفي تحولات استراتيجية عميقة. هذا بالضبط ما تعكسه المواقف التي عبّر عنها يوهان فاديفول إلى جانب ناصر بوريطة في الرباط. فالأمر لم يعد مجرد إعادة تأكيد موقف، بل انتقال واضح نحو تحديد تداعياته السياسية والاقتصادية والجيوسياسية.


 

حين تؤكد ألمانيا مركزية الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كأفق للحل، فهي تغادر منطقة التوازن الحذر نحو تبنّي واقعية سياسية أكثر وضوحًا. هذا التحول يستند إلى الدينامية التي يقودها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، خاصة من خلال قرار مجلس الأمن 2797، الذي يكرّس الحكم الذاتي كخيار “أكثر قابلية للتطبيق”. وهنا، لم يعد النقاش يدور حول إدارة النزاع، بل حول إنهائه بمنطق الحلول الممكنة.


 

غير أن التحول الحقيقي يكمن في الانتقال من الخطاب إلى الفعل. التزام برلين بالتصرف وفق هذا الموقف، دبلوماسيًا واقتصاديًا، يمنح هذه الخطوة بُعدًا عمليًا. لم يعد دعم المبادرة المغربية يقتصر على توصيفها بـ“الجدية والمصداقية”، بل بدأ يتحول إلى عنصر مهيكل في توجهات السياسة الخارجية الألمانية، وفي خياراتها الاستثمارية وشراكاتها الاستراتيجية. وفي عالم يعاد فيه تشكيل سلاسل القيمة وتتصاعد فيه رهانات الاستقرار، تصبح الواقعية السياسية مدخلًا مباشرًا للمصالح.


 

هذا التطور يعكس أيضًا تحوّلًا أوسع داخل الفضاء الأوروبي. فمع تزايد عدد الدول التي باتت ترى في المبادرة المغربية أساسًا واقعيًا للتسوية، تتشكل تدريجيًا كتلة حرجة داعمة لهذا الخيار. وفي هذا السياق، يضفي ثقل ألمانيا—كقوة اقتصادية ومحورية داخل أوروبا—مصداقية إضافية على هذا المسار، ويساهم في تسريع زخمه.


 

ولا يمكن فصل هذا الموقف عن حسابات استراتيجية دقيقة. فألمانيا، مثل غيرها من القوى الأوروبية، تبحث عن شراكات مستقرة في مجالات الطاقة، وتعزيز حضورها في إفريقيا، وإدارة تحديات الهجرة. وكلها ملفات يبرز فيها المغرب كفاعل محوري. من هنا، لا يبدو الحكم الذاتي مجرد حل سياسي، بل إطارًا للاستقرار يفتح آفاق تعاون طويل الأمد.


 

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس حول طبيعة المواقف، بل حول مدى ترجمتها إلى سياسات ملموسة. ما قامت به برلين يرفع سقف التوقعات الأوروبية، ويشير بوضوح إلى أن زمن الحياد الحذر يفسح المجال تدريجيًا أمام وضوح استراتيجي أكثر حسمًا.