المصطفي قاسمي: اجتهاد المحكمة الدستورية المغربية في ضبط التوازنات السياسية والمؤسساتية

المصطفي قاسمي: اجتهاد المحكمة الدستورية المغربية في ضبط التوازنات السياسية والمؤسساتية المصطفي قاسمي

إذا كانت النصوص الدستورية تؤسس للهندسة العامة للسلطة، فإن الاجتهاد الدستوري هو الذي يمنحها الحياة العملية. فالنص، مهما بلغت دقته، يظل عاجزاً عن استباق جميع حالات التوتر التي تنتجها الممارسة السياسية. 


ومن هنا، تتجلى أهمية المحكمة الدستورية باعتبارها مؤسسة تحويل القاعدة الجامدة إلى معيار حيّ، وقادرة على إعادة تفسير التوازنات كلما ظهرت مناطق رمادية بين المؤسسات. وفي الحالة المغربية، يكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة بسبب الطبيعة المركبة للنظام الدستوري، القائم على تعدد مصادر الشرعية وتداخل مستويات القرار. لذلك، فإن اجتهاد المحكمة لا ينحصر في الفصل القانوني، بل يمتد إلى عقلنة الممارسة السياسية ومنع تحول الخلاف المؤسساتي إلى أزمة دستورية. 

 

المطلب الأول: المحكمة الدستورية والبرلمان: عقلنة الوظيفة التشريعية

يُعد البرلمان المجال الأكثر إنتاجاً للنزاعات الدستورية في الأنظمة الديمقراطية، بحكم ارتباطه بالتعددية والصراع الحزبي وتوازن الأغلبية والمعارضة. ومن ثم، فإن رقابة المحكمة الدستورية للأنظمة الداخلية ولمساطر التشريع تشكل أداة مركزية في حماية جودة العمل البرلماني. وقد مارست المحكمة الدستورية المغربية هذا الدور من خلال مراقبة عدد من الأنظمة الداخلية، والتنبيه إلى ضرورة احترام:
1. حقوق المعارضة البرلمانية؛
2. مبدأ التناسب في تمثيل اللجان؛
3. وضوح المساطر التشريعية؛
4. احترام التسلسل الدستوري للاختصاصات؛
5. منع تحويل النظام الداخلي إلى وسيلة للهيمنة السياسية¹.


وتكشف هذه الاجتهادات أن المحكمة لا تدافع عن مؤسسة ضد أخرى، بل عن البرلمان بوصفه مؤسسة دستورية ينبغي أن يشتغل وفق قواعد منصفة ومتوازنة. 


ومن منظور نظري، فإن هذا التوجه ينسجم مع ما سماه جورج فيديل “عقلنة البرلمانية”، أي إخضاع الصراع السياسي داخل البرلمان لقواعد قانونية تمنع الانسداد المؤسسي². 

 

المطلب الثاني: المحكمة الدستورية والحكومة: حماية الشرعية التنفيذية داخل الحدود الدستورية

ليست وظيفة المحكمة حماية البرلمان وحده، بل أيضاً حماية الحكومة من محاولات التوسع غير المشروع من طرف السلطة التشريعية، أو من التأويلات التي تفرغ اختصاصاتها من مضمونها.


 فمن خلال الرقابة على القوانين التنظيمية ذات الصلة بالسلطة التنفيذية، تسهر المحكمة على احترام مبدأ توزيع الاختصاصات، بما يمنع: • تغول الحكومة على المجال التشريعي؛ • أو تغول البرلمان على المجال التنظيمي؛ • أو نشوء ازدواجية تعطل القرار العمومي. وهذا التوازن بالغ الأهمية في السياق المغربي، حيث يحتاج النظام السياسي إلى فعالية تنفيذية من جهة، وإلى رقابة ديمقراطية من جهة ثانية. ومن ثم، فإن المحكمة الدستورية تؤدي وظيفة “الضبط المرن” بين الفعالية والمشروعية، وهي وظيفة جوهرية في الأنظمة الحديثة³. 

 

المطلب الثالث: المحكمة الدستورية والانتخابات: حماية شرعية التمثيل
لا تكتمل الديمقراطية بمجرد تنظيم الانتخابات، بل بوجود جهة محايدة تضمن نزاهة القواعد المؤطرة لها، وتحسم المنازعات المرتبطة بالتمثيل الشعبي. وفي المغرب، تمارس المحكمة الدستورية اختصاصاً بالغ الحساسية في المادة الانتخابية، حيث تبت في: • الطعون المتعلقة بانتخاب أعضاء البرلمان؛ • احترام قواعد الترشح والتمويل؛ • صحة النتائج في بعض الحالات؛ • آثار الإخلالات الجوهرية على الشرعية التمثيلية. وتكتسب هذه الوظيفة بعداً سيادياً، لأن البرلمان هو التعبير المؤسسي عن الإرادة الشعبية، وأي خلل في شرعيته يؤثر في النسق السياسي بأكمله. وقد أبرز الفقه المقارن أن القضاء الانتخابي يشكل أحد أهم فروع العدالة الدستورية، لأنه يربط بين الشرعية الديمقراطية والشرعية القانونية⁴.

 

المطلب الرابع: المحكمة الدستورية كآلية لمنع الأزمات الصامتة.

ليست كل الأزمات السياسية معلنة. فثمة أزمات صامتة تتمثل في تراكم خروقات صغيرة، أو فراغات تفسيرية، أو ممارسات غير مكتوبة قد تتحول مع الزمن إلى أعراف مضادة للدستور. وهنا يظهر الدور الوقائي للمحكمة الدستورية، من خلال:
1. وقف الانحرافات في بدايتها؛
2. تصحيح الممارسات المخالفة قبل تحولها إلى عرف؛ 3. حماية النص من التأويلات الانتهازية؛
4. تأمين استمرارية المؤسسات دون صدام.


 وبهذا المعنى، فإن المحكمة ليست فقط قاضي نزاع، بل قاضي استقرار.