محمد براو: تعزيز فعالية سياسات مكافحة الفساد من خلال دور الأجهزة الأمنية

محمد براو: تعزيز فعالية سياسات مكافحة الفساد من خلال دور الأجهزة الأمنية محمد براو

اطلعتُ باهتمام على العدد 64 من نشرة Interstats Info rapide  (أبريل 2026)، الصادرة عن الجهات الإحصائية التابعة لوزارة الداخلية الفرنسية، والتي خُصصت لموضوع: "الاعتداءات على النزاهة المسجلة من طرف مصالح الأمن خلال سنة 2025". وفيما يلي مذكرة لمن يهمه الأمر بأهم خلاصات التجربة الفرنسية، مع إبراز الدروس العملية التي يمكن توظيفها لتعزيز فعالية سياسات مكافحة الفساد في المغرب، ولا سيما لجهة الدور الحيوي لجهاز الأمن.

 

ملاحظة منهجية حول طبيعة المعطيات

يجدر التأكيد على أن عملية جمع وإنتاج المعطيات تعتمد مقاربة مزدوجة.  فمن جهة، تستند أساسًا إلى الإحصاءات الإدارية المستخرجة من القضايا المسجلة لدى أجهزة الأمن (الشرطة والدرك)، والتي تعكس الفساد كما يتم رصده ومعالجته رسميًا. ومن جهة ثانية، توظف نتائج استطلاع وطني حول "تجربة وإحساس المواطنين بالأمن" (VRS)، الذي يقيس مدى تعرض الأفراد فعليًا لحالات الفساد، بغض النظر عن التبليغ عنها.

 

وتكمن أهمية هذا الجمع بين المصدرين في إبراز الفجوة بين الفساد المُعاش والفساد المُبلّغ عنه، حيث تُظهر المعطيات أن نسبة ضئيلة جدًا من الحالات تصل إلى السلطات، وهو ما يوفر قراءة أكثر شمولية وواقعية للظاهرة.

 

أهم ما تكشفه التجربة الفرنسية

تشير المعطيات المنشورة إلى تسجيل 1,125  قضية سنة 2025، وهو رقم يعكس منحى تصاعديًا مستمرًا خلال السنوات الأخيرة. غير أن هذا الارتفاع لا ينبغي فهمه بشكل آلي على أنه تفاقم في مستوى الفساد، بل يرتبط جزئيًا بتحسن آليات الكشف والرصد وتزايد فعالية التدخلات المؤسساتية.

 

في المقابل، تكشف النشرة عن فجوة واضحة بين الواقع والإحصاءات الرسمية، حيث يظل التبليغ عن حالات الفساد ضعيفًا جدًا مقارنة بحجم الظاهرة كما تعكسه استطلاعات الرأي. ويؤكد ذلك أن جزءًا كبيرًا من الفساد يظل غير مرئي إحصائيًا، ما يطرح تحديًا حقيقيًا أمام صناع القرار.

 

كما تُبرز المعطيات أن الفساد لا يحدث في معزل عن غيره، بل يرتبط في 37%  من الحالات بجرائم أخرى مثل الاحتيال والتزوير، وهو ما يعكس طبيعته المركبة وتشابكه مع أنماط إجرامية أوسع. ومن جهة أخرى، يظل الفساد المرتبط بالقطاع العام هو الأكثر حضورًا، بحكم طبيعة التفاعل المباشر مع المواطنين والمقاولات.

 

دور أجهزة الأمن: رافعة أساسية للكشف

تؤكد التجربة الفرنسية أن أجهزة الأمن تمثل عنصرًا محوريًا في منظومة مكافحة الفساد، إذ يتجاوز دورها مجرد تلقي الشكايات إلى اعتماد مقاربة أكثر دينامية واستباقية. فهذه الأجهزة تبادر إلى فتح التحقيقات بناءً على معطيات أولية أو مؤشرات غير مباشرة، كما تكشف عن حالات فساد خلال معالجتها لجرائم أخرى، خاصة الاقتصادية والمالية منها.

 

ويُلاحظ أن نسبة مهمة من القضايا يتم اكتشافها دون وجود تبليغ مباشر من الضحايا، وهو ما يعكس أهمية العمل الاستخباراتي والتحليل الجنائي في هذا المجال. ويقتضي ذلك تعزيز القدرات المتخصصة للأجهزة الأمنية، سواء على مستوى التكوين أو الوسائل التقنية، إلى جانب تطوير التنسيق مع الهيئات الرقابية والقضائية لضمان نجاعة أكبر في الكشف والمتابعة.

 

الدروس المستفادة للمغرب

تُبرز هذه التجربة جملة من الدروس التي يمكن الاستفادة منها في السياق المغربي. أولها ضرورة تطوير آليات قياس الفساد عبر الجمع بين المعطيات الرسمية واستطلاعات ميدانية تعكس التجربة الفعلية للمواطنين، بما يسمح بتكوين صورة أكثر دقة عن الظاهرة.

 

كما يظهر أن ضعف التبليغ يمثل أحد أبرز التحديات، مما يستدعي اتخاذ إجراءات عملية لتشجيعه، سواء عبر تعزيز الحماية القانونية للمبلغين أو تبسيط مساطر الإبلاغ. وفي السياق ذاته، يصبح من الضروري اعتماد مقاربة شمولية تعتبر الفساد ظاهرة مترابطة مع جرائم أخرى، بما يستدعي تنسيقًا أكبر بين مختلف المتدخلين.

 

ومن جهة أخرى، تبرز أهمية توجيه الجهود نحو القطاعات والمجالات الأكثر عرضة للمخاطر بدل اعتماد مقاربات عامة، كالنسج على منوال مبادرة هيئة النزاهة فيما يخص خريطة المخاطر بقطاع الصحة، مع ضرورة تطوير أدوات التحليل الاستباقي. كما ينبغي التعامل مع ارتفاع عدد القضايا المسجلة بحذر، واعتباره في بعض الحالات مؤشرًا على تحسن فعالية أنظمة الكشف وليس بالضرورة على تفاقم الظاهرة.

 

خلاصة استراتيجية

تفيد التجربة المقارنة أن فعالية سياسات مكافحة الفساد لا ترتبط فقط بحجم المتابعات، بل أساسًا بقدرة الدولة على الكشف المبكر عن الحالات، وتشجيع التبليغ، وتحسين أدوات الرصد والتحليل. كما يبرز بوضوح أن تعزيز دور أجهزة الأمن، باعتبارها فاعلًا رئيسيًا في الكشف والزجر، يشكل ركيزة أساسية في هذه المنظومة.

وعليه، فإن استثمار هذه الدروس من شأنه أن يساهم في تطوير مقاربة وطنية أكثر دقة ونجاعة، قائمة على التكامل بين الوقاية والكشف والزجر، بما يعزز ترسيخ النزاهة وفعالية مكافحة الفساد في المغرب.

 

 

 محمد براو/ باحث وخبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد