بنسعيد الركيبي: المتقاعد.. وقود الأمس نسيان اليوم

بنسعيد الركيبي: المتقاعد.. وقود الأمس نسيان اليوم بنسعيد الركيبي

بينما تستعد الشوارع لضجيج فاتح ماي، وتدبج الشعارات لترفع على اللافتات، وتستعرض "المكاسب" التي تنتزع من فك الحوارات الاجتماعية، يقف المتقاعد في الزاوية المعتمة من المشهد، صامتا إلا من أنين حقه المهضوم، ​يكتوي المتقاعدون بـ "جمر النسيان". ففي الوقت الذي تبشر فيه الحكومة بزيادات في الأجور لتطويق لهيب الأسعار، يجد "باني الدار" نفسه خارج الحسابات، وكأن معاشه رقم جامد في سجل قديم، لا تصله رياح التغيير ولا تشفع له سنوات العطاء.

 

​إلى متى يمكن الاستمرار في إصلاح "الأرقام" على حساب "الإنسان"؟ إنها المفارقة الموجعة أن تحاول الدولة إنقاذ "صندوق" عبر تفقير "صاحبه". فالخبير الاكتواري الذي يتحدث عن "العجز التقني" وتوازن الميزانية، ينسى أو يتناسى أن هذا المتقاعد الذي قضى 30 أو 40 سنة في البناء، يسابق اليوم زمنا لا يرحم.

 

​هذا المتقاعد لا يملك ترف "الانتظار" حتى يتعافى الصندوق في أفق 2030 أو 2040. لأن حاجياته الحيوية، وخاصة الصحية منها، لا تعترف بلغة العجز المالي، فالدواء لا ينتظر مرسوما، والشيخوخة لا تقبل التأجيل، وكرامة العيش لا تخضع لمنطق "الجدولة الزمنية".

​إن الشعور بالمرارة لا يأتي فقط من ضيق ذات اليد، بل من ذاك الإحساس الدفين بأن الدولة تتعامل مع أعوانها السابقين كـ "عبء مالي" يجب تدبيره بأقل الكلف، بدلا من التعامل معهم كـ "دين" في ذمة الوطن.

 

​إن "دواليب الدولة" التي كانت تدور بعرق هؤلاء، لا ينبغي أن تطحن اليوم ما تبقى من عظام كرامتهم بصمت التجاهل. فمن غير المنطقي أن نطالب الموظف الممارس بالعطاء والوفاء، وهو يرى "مستقبله" (المتقاعد الحالي) يقايض على لقمة عيشه تحت مسمى "الإصلاح الهيكلي". فبينما يحتفل العامل بزيادة قد تخفف عنه وطأة الغلاء، يكتفي المتقاعد بمراقبة المشهد من بعيد، حاملا وصفاته الطبية التي باتت تلتهم نصف معاشه، ومتسائلا بأسى: ألم أكن يوما صانعا لهذا العيد؟ ألم أكن يوما وقودا لتلك المحركات التي تفاخرون بنجاحها اليوم؟

 

​إن الإصلاح الحقيقي ليس هو الذي يوازن الكفتين في الميزانية، بل هو الذي يوازن بين حق الدولة في الاستدامة وحق المتقاعد في الكرامة. فبدون رد الاعتبار لهذا "الإنسان المتقاعد"، يظل كل إصلاح للأرقام مجرد عملية تجميلية لوجه أزمة أخلاقية قبل أن تكون مالية.