شبكة العائلات في البرلمان.. طبيعتها ومداها

شبكة العائلات في البرلمان.. طبيعتها ومداها هيمنة العائلات على البرلمان وأسئلة الديمقراطية

يتحرك‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬داخل‭ ‬فضاء‭ ‬يتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الوعي‭ ‬الديمقراطي‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬النخب‭ ‬التي‭ ‬تصوغ‭ ‬القرار‭ ‬التشريعي‭ ‬وتمثل‭ ‬إرادة‭ ‬المواطنين‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬اللافت‭ ‬للانتباه‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬الحضور‭ ‬المتزايد‭ ‬لظاهرة‭ ‬التشكيلات‭ ‬العائلية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التمثيلية،‭ ‬حيث‭ ‬تتعاقب‭ ‬"السلالة"‭ ‬نفسها‭ ‬داخل‭ ‬دوائر‭ ‬انتخابية‭ ‬بعينها،‭ ‬يطرح‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬حول‭ ‬الفعل‭ ‬الديمقراطي‭ ‬ومبدأ‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬في‭ ‬الترقي‭ ‬السياسي،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬«التزكية‭ ‬الانتخابية»،‭ ‬التي‭ ‬يتحكم‭ ‬فيها‭ ‬الزعماء‭ ‬المعمّرون،‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬إلى‭ ‬امتداد‭ ‬لمسار‭ ‬عائلي‭ ‬طويل،‭ ‬يحمل‭ ‬رصيدا‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والرمزي،‭ ‬ويعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬موقع‭ ‬سياسي‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬يعكس‭ ‬تداخلا‭ ‬بين‭ ‬تقاليد‭ ‬اجتماعية‭ ‬راسخة‭ ‬ومتطلبات‭ ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬حزبية‭ ‬حديثة‭. ‬
 

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الخريطة‭ ‬البرلمانية‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬ملامح‭ ‬اجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬التنافس‭ ‬الحزبي‭ ‬إلى‭ ‬فضاء‭ ‬العلاقات‭ ‬العائلية‭ ‬التي‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬المجال‭ ‬التمثيلي،‭ ‬حيث‭ ‬تبرز‭ ‬داخل‭ ‬قبة‭ ‬البرلمان‭ ‬أسماء‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬أسر‭ ‬سياسية‭ ‬معروفة،‭ ‬وتستمر‭ ‬عبر‭ ‬أجيال‭ ‬في‭ ‬احتلال‭ ‬مواقع‭ ‬القرار‭ ‬والتشريع‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬المتتبع‭ ‬للشأن‭ ‬البرلماني‭ ‬يلاحظ‭ ‬حضورا‭ ‬كبيرا‭ ‬لشبكات‭ ‬عائلية‭ ‬تمتد‭ ‬داخل‭ ‬أحزاب‭ ‬متعددة‭ ‬«لا‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬يمين‭ ‬أو‭ ‬يسار‭ ‬أو‭ ‬وسط»،‭ ‬وتستند‭ ‬إلى‭ ‬رصيد‭ ‬انتخابي‭ ‬متراكم‭ ‬عبر‭ ‬السنين،‭ ‬وإلى‭ ‬معرفة‭ ‬دقيقة‭ ‬بتوازنات‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية‭ ‬وهويات‭ ‬المتنافسين‭ ‬حولها،‭ ‬وإلى‭ ‬رأسمال‭ ‬رمزي‭ ‬يشتغل‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الجماعي‭ ‬للناخبين‭ ‬بوصفه‭ ‬امتدادا‭ ‬للثقة‭ ‬أو‭ ‬للنفوذ‭ ‬المحلي،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬الاسم‭ ‬العائلي‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬علامة‭ ‬انتخابية‭ ‬قائمة‭ ‬بذاتها‭.‬
 

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تأخذ‭ ‬«التزكيات‭ ‬الحزبية»‭ ‬بعدا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التنظيمية‭ ‬«مبدأ‭ ‬التدرج‭ ‬من‭ ‬المحلي‭ ‬إلى‭ ‬الإقليمي‭ ‬والجهوي‭ ‬ثم‭ ‬الوطني»،‭ ‬إلى‭ ‬حسابات‭ ‬ترتبط‭ ‬باستمرارية‭ ‬النفوذ‭ ‬داخل‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية‭. ‬إذ‭ ‬يتحول‭ ‬الاختيار‭ ‬الحزبي‭ ‬إلى‭ ‬عملية‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬توازنات‭ ‬قائمة‭ ‬داخل‭ ‬«الثابت‭ ‬الانتخابي»،‭ ‬وتؤمن‭ ‬استمرارية‭ ‬شبكة‭ ‬المصالح‭ ‬والروابط‭ ‬التي‭ ‬تشكلت‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬السياسي‭ ‬والانتخابي‭.‬
 

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬المنطق،‭ ‬تشتغل‭ ‬القيادات‭ ‬الحزبية‭ ‬باختلاف‭ ‬توجهاتها،‭ ‬مما‭ ‬يدفعها‭ ‬إلى‭ ‬منح‭ ‬التزكية‭ ‬لأبناء‭ ‬أو‭ ‬أقارب‭ ‬قيادات‭ ‬سابقة‭ ‬أو‭ ‬قائمة،‭ ‬بوصف‭ ‬ذلك‭ ‬استثمارا‭ ‬في‭ ‬اسم‭ ‬عائلي‭ ‬يمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬"الاستثمار‭ ‬المالي"‭ ‬لاستقطاب‭ ‬الأصوات‭ ‬وتعبئة‭ ‬الناخبين‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬مكتسبة‭ ‬داخل‭ ‬الخريطة‭ ‬الانتخابية‭.‬

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬تنامى‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬العائلي‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التمثيلية‭ ‬العامة،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬البرلمان،‭ ‬حوّل‭ ‬الانتماء‭ ‬الأسري‭ ‬لهذا‭ ‬الزعيم‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬إلى‭ ‬«ثابت‭ ‬طبيعي»‭ ‬داخل‭ ‬الحقل‭ ‬السياسي‭. ‬إذ‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يستعمل‭ ‬«المقياس‭ ‬السيكولوجي»‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تفسير‭ ‬تنامي‭ ‬دور‭ ‬الامتداد‭ ‬العائلي‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬النخب‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التمثيلية،‭ ‬مما‭ ‬يمنح‭ ‬لبعض‭ ‬الأسر‭ ‬موقعا‭ ‬مركزيا‭ ‬داخل‭ ‬الحياة‭ ‬البرلمانية‭. ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬هؤلاء‭ ‬أن‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬«العصبيات»‭ ‬و«الأبوية»‭ ‬و«الدم»‭ ‬و«المصاهرة»،‭ ‬وهي‭ ‬آليات‭ ‬جعلت‭ ‬البرلمان‭ ‬فضاء‭ ‬يعكس‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬جوانبه‭ ‬استمرارية‭ ‬علاقات‭ ‬القرابة‭ ‬والنسب‭ ‬داخل‭ ‬المجال‭ ‬السياسي‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬الناخبين‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الاسم‭ ‬العائلي‭ ‬بوصفه‭ ‬ضمانة‭ ‬للاستمرارية،‭ ‬أو‭ ‬بوصفه‭ ‬امتدادا‭ ‬لتجربة‭ ‬سابقة‭ ‬حققت‭ ‬حضورا‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬المحلي‭. ‬يتغذى‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬من‭ ‬شبكة‭ ‬علاقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬متينة،‭ ‬ومن‭ ‬حضور‭ ‬دائم‭ ‬داخل‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬مكانة‭ ‬الأسر‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬محيطها‭ ‬الانتخابي‭.‬
 

وبطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬يطرح‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬المتنامي‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الإشكالات،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬إشكالية‭ ‬الترقي‭ ‬الديمقراطي‭ ‬وآليات‭ ‬اختيار‭ ‬المرشحين‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب،‭ ‬ومدى‭ ‬اعتماد‭ ‬هذه‭ ‬الأحزاب‭ ‬معايير‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬الكفاءة‭ ‬والخبرة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التمثيل‭ ‬الفعلي‭ ‬للناخبين‭. ‬كما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤال‭ ‬«النضالية‭ ‬الحزبية»‭ ‬التي‭ ‬ترتبط‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬بإشكالية‭ ‬«المشاركة‭ ‬السياسية»،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تأثر‭ ‬المسار‭ ‬الداخلي‭ ‬للأحزاب‭ ‬بوجود‭ ‬أسماء‭ ‬عائلية‭ ‬قوية،‭ ‬تمتلك‭ ‬نفوذا‭ ‬تنظيميا‭ ‬وشعبيا،‭ ‬وتؤثر‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬داخل‭ ‬الهياكل‭ ‬الحزبية،‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬فرص‭ ‬بروز‭ ‬كفاءات‭ ‬شابة‭ ‬خارج‭ ‬الدوائر‭ ‬العائلية‭ ‬المؤثرة‭. ‬
 

تأسيسا‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬«التوريث‭ ‬السياسي»‭ ‬بوصفه‭ ‬آلية‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬السلطة‭ ‬داخل‭ ‬المجال‭ ‬التمثيلي،‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬دلالات‭ ‬تتصل‭ ‬بطبيعة‭ ‬الثقافة‭ ‬السياسية‭ ‬السائدة،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬قيم‭ ‬الولاء‭ ‬العائلي‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬العمل‭ ‬الحزبي،‭ ‬وتتشكل‭ ‬علاقات‭ ‬سياسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاستمرارية‭ ‬العائلية‭ ‬بدل‭ ‬التداول‭ ‬التنظيمي‭ ‬المفتوح‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نلاحظه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية‭ ‬التي‭ ‬تحولت،‭ ‬مع‭ ‬تعاقب‭ ‬الأبناء،‭ ‬إلى‭ ‬مجالات‭ ‬نفوذ‭ ‬عائلي،‭ ‬حيث‭ ‬يحضر‭ ‬اسم‭ ‬واحد‭ ‬عبر‭ ‬مراحل‭ ‬متتالية،‭ ‬ويتحول‭ ‬إلى‭ ‬مرجع‭ ‬انتخابي‭ ‬ثابت‭ ‬داخل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬للناخبين،‭ ‬مما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤال‭ ‬جذريا‭ ‬حول‭ ‬«البرنامج‭ ‬الانتخابي»‭ ‬و« الولاء‭ ‬الحزبي»،‭ ‬بل‭ ‬الأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬«الدائرة‭ ‬الانتخابية»‭ ‬أصبحت‭ ‬ملحقة‭ ‬عقارية‭ ‬مسجلة‭ ‬باسم‭ ‬هذه‭ ‬العائلة‭ ‬أو‭ ‬تلك،‭ ‬مما‭ ‬يعمق‭ ‬ظاهرة‭ ‬«الترحال‭ ‬السياسي»‭.‬
 

لهذا‭ ‬الوضع،‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬التمثيلية‭ ‬البرلمانية،‭ ‬حيث‭ ‬يعكس‭ ‬حضور‭ ‬الأسر‭ ‬السياسية‭ ‬تراكما‭ ‬في‭ ‬النفوذ‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬ويمنحها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬مما‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬تشكل‭ ‬شبكات‭ ‬متداخلة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتمثيلية‭ ‬السياسية‭ ‬«زواج‭ ‬المال‭ ‬والسياسة»،‭ ‬كما‭ ‬تنتج‭ ‬شكلا‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الاستقرار‭ ‬داخل‭ ‬مواقع‭ ‬السلطة،‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحمله‭ ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬طياته‭ ‬من‭ ‬إشكالات‭ ‬تتصل‭ ‬بمدى‭ ‬انفتاح‭ ‬الفضاء‭ ‬الحزبي‭ ‬على‭ ‬الطاقات‭ ‬الجديدة‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬تحولات‭ ‬المجتمع‭ ‬وتطلعاته،‭ ‬حيث‭ ‬يطرح‭ ‬التوريث‭ ‬السياسي‭ ‬تحديات‭ ‬تتصل‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الأحزاب‭ ‬على‭ ‬تجديد‭ ‬نخبها،‭ ‬وعلى‭ ‬توفير‭ ‬فضاء‭ ‬تنافسي‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬معايير‭ ‬موضوعية‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬المرشحين،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬المراقب‭ ‬أمام‭ ‬مفارقة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يحتفي‭ ‬بمبادئ‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الداخلية،‭ ‬وبين‭ ‬الممارسات‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الأفضلية‭ ‬للأسماء‭ ‬العائلية‭ ‬ذات‭ ‬الحضور‭ ‬الانتخابي‭ ‬القوي‭.  ‬وهنا‭ ‬يطرح‭ ‬السؤال‭ ‬التالي:
 

هل‭ ‬سيسمح‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬العائلي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬التمثيلية‭ ‬المغربية‭ ‬بإنتاج‭ ‬نخب‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة‭ ‬تمتلك‭ ‬رؤية‭ ‬متجددة‭ ‬تستجيب‭ ‬لتحولات‭ ‬المجتمع؟‭ ‬هل‭ ‬أصبحت‭ ‬الأحزاب‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬مسارات‭ ‬تكوينية‭ ‬داخلية‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬الكفاءات‭ ‬الشابة؟‭ ‬هل‭ ‬تتوفر‭ ‬العدالة‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬لتوزيع‭ ‬الفرص‭ ‬السياسية؟
 

صحيح‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬لا‭ ‬تنهض‭ ‬على‭ ‬حرمان‭ ‬«الأبناء»‭ ‬و«الأقارب»‭ ‬من‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬النصال‭ ‬الحزبي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القراءة‭ ‬المتأنية‭ ‬لمسار‭ ‬التمثيلية‭ ‬البرلمانية‭ ‬يؤكد،‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجالا‭ ‬للشك،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تداخلا‭ ‬كبيرا‭ ‬وجوهريا‭ ‬بين‭ ‬البنية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التقليدية‭ ‬وبين‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحديثة،‭ ‬حيث‭ ‬تشكلت‭ ‬شبكات‭ ‬نفوذ‭ ‬عائلية‭ ‬داخل‭ ‬مناطق‭ ‬متعددة،‭ ‬واستمرت‭ ‬عبر‭ ‬أجيال‭ ‬في‭ ‬لعب‭ ‬أدوار‭ ‬مؤثرة‭ ‬داخل‭ ‬الحياة‭ ‬العامة،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬«السياسة»‭ ‬أو‭ ‬«الإيديولوجيا»،‭ ‬مما‭ ‬يتطلب‭ ‬القيام‭ ‬بقراءة‭ ‬معمقة‭ ‬لمختلف‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬التشكيلات‭ ‬العائلية‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الانتخابي،‭ ‬ودور‭ ‬المال‭ ‬السياسي،‭ ‬وقوة‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬داخل‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬أفق‭  ‬ترسيخ‭ ‬قواعد‭ ‬تنافسية‭ ‬تمنح‭ ‬العمل‭ ‬الحزبي‭ ‬دينامية‭ ‬متجددة‭. ‬ولن‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬ببناء‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬تمنح‭ ‬المجال‭ ‬الحزبي‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬نخب‭ ‬متنوعة‭ ‬تستجيب‭ ‬لتحولات‭ ‬المجتمع‭ ‬وتطلعاته:

 

أولا‭:‬‭ ‬إقرار‭ ‬قواعد‭ ‬قانونية‭ ‬واضحة‭ ‬داخل‭ ‬القوانين‭ ‬التنظيمية‭ ‬للأحزاب،‭ ‬عبر‭ ‬اعتماد‭ ‬مساطر‭ ‬دقيقة‭ ‬وشفافة‭ ‬في‭ ‬منح‭ ‬التزكيات،‭ ‬مع‭ ‬إلزام‭ ‬كل‭ ‬حزب‭ ‬بنشر‭ ‬معايير‭ ‬الاختيار‭ ‬وتفاصيلها‭ ‬أمام‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬للمناضلين‭ ‬والمتتبعين‭ ‬تتبع‭ ‬مسار‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬داخل‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية،‭ ‬ويعزز‭ ‬ثقافة‭ ‬المحاسبة‭ ‬داخل‭ ‬العمل‭ ‬الحزبي‭.‬

 

ثانيا‭:‬‭ ‬اعتماد‭ ‬آليات‭ ‬انتخابية‭ ‬داخلية‭ ‬إلزامية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التصويت‭ ‬السري‭ ‬والمباشر‭ ‬داخل‭ ‬المؤتمرات‭ ‬الوطنية‭ ‬والهيئات‭ ‬المحلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬والجهوية،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬القواعد‭ ‬الحزبية‭ ‬دورا‭ ‬فعليا‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬المرشحين،‭ ‬ويحول‭ ‬عملية‭ ‬التزكية‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬لمسار‭ ‬تشاركي‭ ‬يعكس‭ ‬إرادة‭ ‬جماعية‭ ‬داخل‭ ‬التنظيم،‭ ‬ويمنح‭ ‬التنافس‭ ‬الداخلي‭ ‬بعدا‭ ‬ديمقراطيا‭ ‬يعزز‭ ‬مصداقية‭ ‬الترشيحات‭.‬

 

ثالثا‭:‬‭ ‬وضع‭ ‬سقف‭ ‬زمني‭ ‬لتولي‭ ‬المسؤوليات‭ ‬التمثيلية‭ ‬داخل‭ ‬البرلمان‭ ‬والمجالس‭ ‬المنتخبة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬تداول‭ ‬المواقع‭ ‬داخل‭ ‬الحزب،‭ ‬ويمنح‭ ‬الطاقات‭ ‬الجديدة‭ ‬فرصا‭ ‬متجددة‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬التشريعي‭ ‬والتمثيلي،‭ ‬ويخلق‭ ‬دينامية‭ ‬داخل‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية‭ ‬تدفع‭ ‬نحو‭ ‬تجديد‭ ‬النخب‭ ‬وتطوير‭ ‬الرؤى‭ ‬السياسية‭.‬

 

رابعا‭:‬‭ ‬إحداث‭ ‬هيئات‭ ‬مستقلة‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬تتولى‭ ‬مراقبة‭ ‬مسار‭ ‬اختيار‭ ‬المرشحين،‭ ‬وتضم‭ ‬شخصيات‭ ‬ذات‭ ‬تجربة‭ ‬قانونية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬«مثل»‭ ‬مجلس‭ ‬الرؤساء؛‭ ‬لجنة‭ ‬التحكيم‭ ‬والأخلاقيات‭ ‬الوطنية؛‭ ‬هيئة‭ ‬الحكماء‭.. ‬إلخ)،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تتبع‭ ‬احترام‭ ‬المعايير‭ ‬المعلنة،‭ ‬وترفع‭ ‬تقارير‭ ‬دورية‭ ‬إلى‭ ‬الأجهزة‭ ‬القيادية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الشفافية‭ ‬ويمنح‭ ‬القواعد‭ ‬الحزبية‭ ‬أدوات‭ ‬تقييم‭ ‬موضوعية‭ ‬لمسار‭ ‬الترشيح‭.‬

 

خامسا‭:‬‭ ‬إدراج‭ ‬مقتضيات‭ ‬قانونية‭ ‬تلزم‭ ‬الأحزاب‭ ‬بنسب‭ ‬دنيا‭ ‬لتمثيل‭ ‬الكفاءات‭ ‬الشابة‭ ‬وذوي‭ ‬الخبرات‭ ‬المهنية‭ ‬المتنوعة‭ ‬داخل‭ ‬اللوائح‭ ‬الانتخابية،‭ ‬بما‭ ‬يوسع‭ ‬قاعدة‭ ‬المشاركة‭ ‬السياسية،‭ ‬ويمنح‭ ‬العمل‭ ‬البرلماني‭ ‬طاقات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬مقترحات‭ ‬تشريعية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬معرفة‭ ‬ميدانية‭ ‬وخبرة‭ ‬تقنية‭.‬

 

سادسا‭:‬‭ ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكامة‭ ‬والرقابة‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬مصادر‭ ‬تمويل‭ ‬الحملات‭ ‬الانتخابية،‭ ‬وإقرار‭ ‬مساطر‭ ‬تدقيق‭ ‬دقيقة‭ ‬تكشف‭ ‬شبكات‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعزز‭ ‬استمرارية‭ ‬النفوذ‭ ‬داخل‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية،‭ ‬بما‭ ‬يرسخ‭ ‬مبدأ‭ ‬الشفافية‭ ‬ويمنح‭ ‬التنافس‭ ‬الانتخابي‭ ‬بعدا‭ ‬متوازنا‭.‬

 

سابعا‭:‬‭ ‬إدماج‭ ‬برامج‭ ‬تكوينية‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تأهيل‭ ‬المناضلين‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التشريع‭ ‬والتدبير‭ ‬العمومي‭ ‬والتواصل‭ ‬السياسي،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬القواعد‭ ‬الحزبية‭ ‬أدوات‭ ‬معرفية‭ ‬تعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬التنافس‭ ‬داخل‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية،‭ ‬ويحول‭ ‬الترشح‭ ‬إلى‭ ‬مسار‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬التكوين‭ ‬والتدرج‭ ‬داخل‭ ‬المسؤوليات‭.‬

 

ثامنا‭:‬‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬أخلاقية‭ ‬داخل‭ ‬العمل‭ ‬الحزبي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬النزاهة‭ ‬والعدالة‭ ‬التنظيمية،‭ ‬عبر‭ ‬مواثيق‭ ‬سلوك‭ ‬ملزمة‭ ‬لأعضاء‭ ‬القيادات،‭ ‬تحدد‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬لتدبير‭ ‬التزكيات،‭ ‬وتضع‭ ‬أسسا‭ ‬أخلاقية‭ ‬تحكم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المسؤولية‭ ‬التنظيمية‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة‭.‬
 

تاسعا‭:‬‭ ‬دعم‭ ‬دور‭ ‬الإعلام‭ ‬ومؤسسات‭ ‬البحث‭ ‬الأكاديمي‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬تحولات‭ ‬التمثيلية‭ ‬السياسية،‭ ‬ونشر‭ ‬تقارير‭ ‬تحليلية‭ ‬تسلط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬أنماط‭ ‬الترشيح‭ ‬داخل‭ ‬الأحزاب،‭ ‬بما‭ ‬يخلق‭ ‬وعيا‭ ‬مجتمعيا‭ ‬يواكب‭ ‬تطور‭ ‬الممارسة‭ ‬السياسية،‭ ‬ويمنح‭ ‬النقاش‭ ‬العمومي‭ ‬أدوات‭ ‬معرفية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬المعطيات‭ ‬والتحليل‭.‬

 

عاشرا‭:‬‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬انتخابية‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬التنافس‭ ‬البرامجي‭ ‬داخل‭ ‬الدوائر‭ ‬الانتخابية،‭ ‬عبر‭ ‬تعزيز‭ ‬حضور‭ ‬النقاشات‭ ‬العمومية‭ ‬والمناظرات‭ ‬السياسية،‭ ‬بما‭ ‬يمنح‭ ‬الناخبين‭ ‬فرصة‭ ‬تقييم‭ ‬المرشحين‭ ‬وفق‭ ‬رؤى‭ ‬واضحة‭ ‬ومشاريع‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ،‭ ‬ويحول‭ ‬الاختيار‭ ‬الانتخابي‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬واعية‭ ‬ترتبط‭ ‬بجودة‭ ‬المشروع‭ ‬السياسي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬الصالح‭ ‬العام‭.‬

 

هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬تسعى‭ ‬كلها‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التمثيلية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬حيوية‭ ‬الأحزاب‭ ‬السياسية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المشاركة‭ ‬داخل‭ ‬المجال‭ ‬العام،‭ ‬مما‭ ‬قد‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬نموذج‭ ‬حزبي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬الخبرة‭ ‬المتراكمة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التمثيلية،‭ ‬وبين‭ ‬ضرورة‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬كفاءات‭ ‬متنوعة‭ ‬تحمل‭ ‬رؤى‭ ‬متجددة‭. ‬
 

ومن‭ ‬شأن‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات،‭ ‬أيضا،‭ ‬تكريس‭ ‬مسار‭ ‬إصلاحي‭ ‬يتأسس‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬قواعد‭ ‬الشفافية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬التداول‭ ‬داخل‭ ‬الهياكل‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وتكريس‭ ‬قيم‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬داخل‭ ‬العمل‭ ‬السياسي،‭ ‬مما‭ ‬سيمنح‭ ‬التنافس‭ ‬الحزبي‭ ‬بعدا‭ ‬مؤسساتيا‭ ‬واضحا،‭ ‬كما‭ ‬سيفضي‭ ‬إلى‭ ‬بروز‭ ‬مؤسسة‭ ‬برلمانية‭ ‬تتميز‭ ‬بالحيوية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬أدوارها‭ ‬التشريعية‭ ‬والرقابية‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬المطلوب،‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬بروز‭ ‬نخبة‭ ‬سياسية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬الازدهار‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬دولي‭ ‬وإقليمي‭ ‬تطبعه‭ ‬التنافسية‭ ‬ويهدده‭ ‬التحول‭.‬

 

تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية " الوطن الآن"

رابط العدد هنا 

https://anfaspress.com/alwatan/voir/436-2026-04-28-08-38-47