مصطفى الخداري
طلب مني ذات يوم أن أخضع لاستجواب مع أحد قدماء التلاميذ حول موضوع العنصرية والأحكام المسبقة التي تلاحق كثيرًا من ذوي الأصول الأجنبية. لم أتردد لحظة؛ ليس فقط لأن مساعدة الطلبة جزء من قيمي التي لم أتخلَّ عنها يومًا، بل لأن الموضوع يسكنني، يرافقني في تفاصيل يومي، ويطلّ برأسه كلما ظننت أنني تجاوزته.
جلست أسترجع شريطًا طويلاً من المواقف، بعضها عابر، وبعضها يترك أثرًا خفيًا لا يُرى، لكنه يُحَسّ بعمق. رويت لهم عن عملي كمسؤول إداري في مدرسة هولندية، طاقمها كله من الهولنديين، باستثناء الحارس والمنظفة… وأنا.
كم من مرة دخل زائر إلى المؤسسة، تتجه عيناه بشكل تلقائي نحو أول وجه أبيض يراه، متجاوزًا وجودي كأنني تفصيل ثانوي في المشهد. كنت أراقب تلك اللحظة بصمت: لحظة البحث عن “الصورة المتوقعة” للمدير. ثم تأتي المفاجأة، حين يُخبر بأن المسؤول أمامه… شخص من “خارج الصورة النمطية”.
كان الحارس قد التقط هذا المشهد قبلي. صار، بدافع النبل وربما بدافع حماية الآخرين من حرجهم، يسارع إلى الإشارة نحوي قبل أن تتشكل تلك النظرة الطويلة المترددة. كأنه يريد أن يختصر لحظة الاصطدام بين الواقع والتصور.
هذه المواقف، رغم تكرارها، لم تفقد قدرتها على الإدهاش. ليس لأنها جارحة دائمًا، بل لأنها تكشف عن شيء أعمق: عن صورة راسخة في الذهن، لا تزول بسهولة، حتى في مجتمع يفاخر بانفتاحه.
وأنا أتحدث، عادت إليّ قصة قديمة، سمعتها في سنواتي الأولى في هولندا، قبل أكثر من ثلاثين عامًا، لكنها ظلت عالقة في ذاكرتي كأنها حدثت بالأمس.
كان أحد الباحثين، من أصل سورينامي، يحكي أمام جمهور غفير. كان صوته هادئًا، لكنه مشحون بتجربة لا تخطئها الأذن. قال:
“رافقت زوجتي إلى أحد المحلات التجارية. وكما تفعل كثير من النساء، كانت تتنقل بين الملابس، تفحص الأقمشة، وتقارن الألوان، وتغوص في تفاصيل لا يراها إلا من اعتاد هذا الطقس. أما أنا، فكنت ككثير من الرجال، أبحث عن زاوية ألوذ بها من هذا الانتظار الطويل.”
توقف قليلًا، وكأنما يترك للجمهور فرصة ليرسم المشهد.
“وقفت قرب نافذة، أراقب المارة، وأكتشف أنني الرجل الوحيد في هذا الفضاء النسائي. مرّ الوقت بطيئًا… إلى أن اقتربت مني إحدى العاملات.”
-“هل يمكنني مساعدتك؟”
-“شكرًا، أنا فقط أنتظر زوجتي.”
ابتسم، وتابع:
“اختفت لدقائق، ثم عادت بنبرة مختلفة:
- عذرًا… زوجتك ليست هنا.”
في تلك اللحظة، ساد صمت ثقيل القاعة التي كنا نجلس فيها. صمت يشبه ذلك الذي يسبق الاعتراف بشيء نعرفه جميعًا لكننا لا نقوله. ثم انفجرت القاعة بتعليقات متباينة: ضحك، استغراب، وربما شيء من الخجل.
كانت الرسالة قد وصلت.
عدت إلى واقعي، إلى المدرسة، إلى الممرات التي شهدت قصصًا مشابهة. تذكرت أمًّا جاءت لتسجيل ابنها، تحدثت مطولًا مع إحدى المعلمات، ثم التفتت إليّ وسألتني إن كنت أستطيع إحضار المدير. حين عرّفتها بنفسي، ارتسم على وجهها ذلك المزيج المعقد من الدهشة والاعتذار.
وتذكرت اجتماعًا رسميًا، قُدِّمت فيه على أنني “المسؤول الإداري”، فبادر أحد الحاضرين بمخاطبة زميلي الهولندي في كل مرة، رغم أن الإجابات كانت تخرج مني. لم يكن الأمر عداءً، بل كان شيئًا آخر… شيئًا أعمق، يشبه البرمجة القديمة التي لم يتم تحديثها.
وفي الحي الذي أقطنه, لم تكن دعوة نسوة الحي لزوجتي الى المسبح مجرد مبادرة ودية, بل كانت لحظة اختيار صامتة تختبئ خلفها أحكام مسبقة غير مرئية. وحين ارتمت في الماء بثبات, تحول المشهد من ترقب مشحون إلى اعتراف خفي بأن الحقيقة أبسط وأجمل مما تصنعه التصورات.
ومع ذلك، لا يمكنني, ولا أريد, أن أرسم صورة قاتمة للحياة في هولندا أو في المهجر عمومًا. فكما توجد هذه اللحظات الثقيلة، توجد أيضًا لحظات أخرى مضيئة: زملاء دافعوا عني في غيابي، آباء وثقوا بي دون تردد، تلاميذ رأوا فيّ نموذجًا لا سؤال فيه عن الأصل أو اللون. وقد شكّل تتويجي بوسامٍ ملكي هولندي لحظة اعتراف رفيعة بسنوات من العمل والالتزام والعطاء.
الحياة في المهجر ليست حكاية واحدة. هي نسيج معقد من التناقضات: قبول ورفض، انفتاح وانغلاق، وعي وغفلة. والأحكام المسبقة ليست دائمًا صراخًا عاليًا؛ أحيانًا تكون همسًا خافتًا، يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى نظرة عابرة، أو سؤال يبدو بريئًا.
لكن الأكيد، أن مواجهة هذه الأحكام لا تكون بالغضب وحده، بل أيضًا بالاستمرار، بالإصرار على الحضور، وبإعادة تعريف الصورة… مرة بعد مرة.
وربما، في يوم ما، لن يضطر الحارس إلى الإشارة نحو المدير الحقيقي. ولن تضطر عاملة المتجر إلى التشكيك في وجود زوجة… فقط لأن ملامح الزوج لا تشبه ما اعتادت عليه.
إلى ذلك الحين، ستظل الحكايات تُروى… لأنها، ببساطة، تعكس واقعًا لا يزال قيد التغيير.
يوميات عن التعليم في هولندا
مصطفى الخداري/ نائب مدير سابق في التعليم الهولندي