نجوى ككوس: التشكيك في شهادة المرأة.. مهين في عصر مناصبها الكبرى

نجوى ككوس: التشكيك في شهادة المرأة.. مهين في عصر مناصبها الكبرى نجوى ككوس

في الوقت الذي قطعت فيه بلادنا أشواطاً معتبرة في إقرار حضور المرأة داخل مؤسسات القرار، وفي الوقت الذي أصبحت فيه المرأة مستشارة لجلالة الملك، وعضواً بالمحكمة الدستورية، وعضواً بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومستشارة بمحكمة النقض، وقاضية، ومحامية، وموثقة، وعدلاً، ووزيرة، وبرلمانية، وسفيرة، ووالي، وعامل، وضابطة، وعسكرية، ومقاولة، ورئيسة لمنظمات اقتصادية ومهنية كبرى؛ وفي الوقت الذي ولجت فيه المرأة كل مجالات المسؤولية الأمنية والعسكرية والقضائية والقانونية والتشريعية والتنفيذية والاقتصادية والاجتماعية، يصبح من غير المفهوم أن نعود اليوم إلى نقاش يوحي وكأن أهلية المرأة للشهادة ما تزال محل ارتياب أو انتقاص.
فالمرأة التي تصدر الأحكام باسم جلالة الملك، وتفصل في قضايا تمس الحرية والمال والأسرة والكرامة؛ والمرأة التي توثق العقود الكبرى والمعاملات المعقدة؛ والمرأة التي ترافع أمام المحاكم؛ والمرأة التي تتحمل مسؤولية الأمن، والإدارة، والتمثيل الدبلوماسي، والتشريع، والرقابة، لا يمكن أن تُختزل، عند باب من أبواب الإثبات، في معادلة مهينة قوامها أن امرأتين تقابلان رجلاً واحداً.
إن شهادة المرأة اليوم معتد بها أمام المحاكم في قضايا مدنية وجنائية خطيرة، بما فيها القضايا التي قد تترتب عنها أقسى العقوبات. وإذا كان القضاء يأخذ بشهادة المرأة في وقائع قد تنتهي بأحكام ثقيلة ومصيرية، فكيف يعقل أن يستمر التشكيك في أهليتها عند الحديث عن شهادة اللفيف أو بعض صور الإثبات التقليدية؟
إن النقاش هنا ليس نقاشاً ضد الدين، ولا ضد الثوابت، ولا ضد الخصوصية المغربية. بل هو نقاش من داخل روح الشريعة ومقاصدها، ومن داخل الدستور، ومن داخل التحول الاجتماعي العميق الذي عرفه المغرب. فالشريعة الإسلامية لم تأت لاحتقار المرأة، بل جاءت لتكريم الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، وجعلت مناط المسؤولية هو الأهلية والعدل والضبط والصدق، لا الجنس وحده. ومقاصد الشريعة في العدل، ورفع الحرج، وحفظ الحقوق، ومنع الظلم، تقتضي أن يُقرأ النص في سياقه، وأن تُفهم الأحكام في عللها وظروفها، لا أن تُستعمل لتكريس دونية لم تعد تقبلها لا العدالة ولا الواقع ولا روح الدين.
لقد كان للفقه الإسلامي عبر تاريخه قدرة كبيرة على الاجتهاد والتكييف ومراعاة تغير الزمان والمكان والأحوال. وما دام الواقع قد تغير، وما دامت المرأة اليوم متعلمة، مسؤولة، منتجة، حاضرة في القضاء والتوثيق والإدارة والأمن والاقتصاد، فإن الإصرار على قراءات جامدة تمس كرامتها لا يخدم الدين، بل يسيء إليه؛ لأنه يقدم صورة عن الشريعة وكأنها في مواجهة مع الإنصاف، بينما جوهرها العدل والرحمة وكرامة الإنسان.
لقد كرس دستور المملكة مبدأ المساواة والمناصفة، وربط ممارسة الحقوق والحريات بالكرامة والمواطنة الكاملة. لذلك لا يمكن أن نقبل بازدواجية تجعل المرأة كاملة الأهلية حين تتحمل المسؤوليات الكبرى، وناقصة الأهلية حين يتعلق الأمر بالشهادة في بعض المجالات. فالمواطنة لا تتجزأ، والكرامة لا تُقاس بنصف معيار، والأهلية القانونية لا ينبغي أن تتأرجح بحسب تصورات اجتماعية تجاوزها الواقع.
إن استمرار مثل هذه النقاشات يبعث برسائل سلبية إلى الأجيال الجديدة، خاصة الفتيات والنساء اللواتي اجتهدن وتعلمن وتحملن المسؤولية، مفادها أن المجتمع لا يزال، في لحظة معينة، مستعداً لإعادتهن إلى مربع الشك والانتقاص. وهذا أمر غير مقبول في مغرب اختار، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك، أن يجعل من النهوض بحقوق النساء ورشاً إصلاحياً ومؤسساتياً ومجتمعياً متواصلاً.
المطلوب اليوم ليس صراعاً بين الرجل والمرأة، ولا استيراداً لنماذج جاهزة، ولا تنكراً للمرجعية الدينية. المطلوب هو اجتهاد مغربي رصين، يحترم الثوابت، ويصون الكرامة، وينتصر للعدل، ويواكب التحولات العميقة التي عرفها المجتمع. فالمسألة ليست دفاعاً عن المرأة فقط، بل دفاع عن منطق الدولة الحديثة، وعن الثقة في مؤسساتنا، وعن انسجام منظومتنا القانونية مع الدستور ومع واقع المرأة المغربية.
لقد آن الأوان أن نغادر منطق المفاضلة بين الرجل والمرأة، وأن ننتقل إلى منطق الكفاءة، والصدق، والنزاهة، والأهلية. فالشهادة ليست امتيازاً ذكورياً، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية. ومن كانت أهلاً لتحكم، وتوثق، وتدافع، وتشرع، وتقود، وتمثل الدولة، فهي أهل لأن تُسمع شهادتها كاملة غير منقوصة.
كرامة المرأة ليست موضوع مساومة، والمساواة ليست شعاراً موسمياً، والاجتهاد ليس خيانة للثوابت، بل هو وفاء لروحها حين يكون هدفه العدل ورفع الحيف وصون الحقوق.

 

 نجوى ككوس، محامية وبرلمانية