جلال كندالي: فاتح ماي ميزان الحقيقة بين خطاب الحكومة وغضب المغاربة

جلال كندالي: فاتح ماي ميزان الحقيقة بين خطاب الحكومة وغضب المغاربة جلال كندالي

لم يعرف المغرب خلال هذه السنة هدوءا اجتماعيا. ظل المشهد مفتوحا على إضرابات متكررة واحتجاجات متفرقة في قطاعات حيوية، بالتوازي مع استمرار الضغط المعيشي وارتفاع الأسعار، ما أعاد السؤال الاجتماعي إلى الواجهة بقوة. ولم تقابل هذه التحركات بسياسات حكومية ملموسة تخفف من حدتها، فأضحت الأزمة الاجتماعية حالة ممتدة طيلة الولاية الحكومية الحالية.


في قطاع التعليم، بكل مكوناته، من التعليم المدرسي إلى التعليم العالي، سواء تعلق الأمر بالأساتذة أو الأطر الإدارية، ظل الوضع محكوما بسلسلة من التوترات والاحتجاجات المرتبطة بملفات مهنية وإصلاحات متعثرة. والأمر نفسه ينسحب على قطاع الصحة، الذي شهد توترات كبيرة استمرت طيلة الولاية على وقع الاحتجاج، في ظل الخصاص في الموارد البشرية، وضعف التجهيزات، وتزايد الضغط داخل المستشفيات العمومية.


كما شهدت قطاعات أخرى عديدة وقفات وإضرابات متكررة، رفعت خلالها مطالب مهنية تتعلق بالترقية وتحسين الوضعية الإدارية والاجتماعية، في سياق عام يتسم بتراكم الملفات وتأخر الحسم فيها. ولم تقف دوائر الاحتقان عند هذا الحد، بل امتدت إلى المحامين والعدول، وشملت أيضا قطاع الصحافة، خاصة في ما يتعلق بمشروع القانون الخاص بالمجلس الوطني للصحافة، وما رافقه من نقاش حول الوضعية المهنية والاجتماعية للعاملين فيه. كما طالت قطاعات أخرى في القطاعين العام والخاص تعيش ضغطا مهنيا متزايدا.


وفي موازاة ذلك، ظل الشارع المغربي يعيش تحت ضغط اقتصادي واضح، بفعل ارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات والخدمات، ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر، ووسع دائرة التوتر الاجتماعي، سواء عبر احتجاجات منظمة أو تعبيرات عفوية في بعض الفضاءات. وقد أصبح الغلاء جزءا من تفاصيل الحياة اليومية لكل الطبقات الاجتماعية، باستثناء تلك الطبقة المحظوظة التي ما تزال تسبح في دائرتي "التفرقيش" و"التخوفيش".


في هذا السياق، يكتسي فاتح ماي في المغرب، كما في دول عديدة تعاني من التهميش والهشاشة والإقصاء الاجتماعي وهضم حقوق العمال، دلالة خاصة، باعتباره مناسبة لرفع سقف التعبير عن الاختلالات الاجتماعية، وفضح السياسات اللاشعبية عبر اللافتات والشعارات في المسيرات النقابية، في ما يشبه محاكمة رمزية للسياسات العمومية.


ويشكل هذا اليوم الأممي في الذاكرة المغربية امتدادا لتاريخ طويل من النضالات، ارتبط بمحطات مفصلية من الاحتجاج الاجتماعي والعمالي، تستحضر فيه الذاكرة الجمعية معاناة الاعتقالات والإضرابات العامة التي عرفتها البلاد، خاصة في سنوات 1979 و1981 و1990. فقد شهدت سنة 1981 إضرابا عاما دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بقيادة نوبير الأموي، ووراءه طبعا حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، انتهى باعتقالات واسعة وسقوط ضحايا، وصفهم وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري داخل قبة البرلمان بـ"شهداء كوميرا". كما شكل إضراب سنة 1990 محطة نقابية قوية، دعت إليه بشكل مشترك كل من الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (التابعة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) والاتحاد العام للشغالين بالمغرب (التابع لحزب الاستقلال)، في سياق تصاعد التوتر الاجتماعي آنذاك.


ويتزامن فاتح ماي هذه السنة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية بأشهر قليلة، ما يمنحه بعدا سياسيا إضافيا، باعتباره محطة اختبار مبكر للسياسات الحكومية، وفضاء لقياس نبض الشارع قبل موعد صناديق الاقتراع. وفي هذا السياق، يتجه جزء من النقاش العمومي إلى اعتبار أن المؤشرات الميدانية، وفي مقدمتها اتساع رقعة الاحتجاجات، قد تشكل نوعا من التصويت الاجتماعي الرمزي، أو سحبا مبكرا للثقة، قبل أن يحسمه المسار الانتخابي الرسمي.


هذا التزامن بين الاحتجاجات في قطاعات متعددة لم يعد يقرأ كحالات منفصلة، وإنما كمؤشر على تراكم اجتماعي يعكس ضغطا متزايدا على المنظومة ككل، ويطرح سؤال مدى فعالية السياسات العمومية في الاستجابة للانتظارات المهنية والاجتماعية، في ظل اتساع الفجوة بين وتيرة الإصلاحات المعلنة وإيقاع الأثر الاجتماعي الملموس.


وما يميز هذه المرحلة بشكل لافت هو بروز جيل شبابي جديد في الفضاء الاحتجاجي، يوصف إعلاميا بـ"جيل Z"، حيث برزت تحركات شبابية في عدد من المناطق، تعكس حضور فئة عمرية جديدة في التعبير عن الغضب الاجتماعي، خارج الإطارات التقليدية أحيانا، وبأشكال تنظيمية مختلفة. هذا الجيل، الذي تشكل وعيه في بيئة رقمية أساسا، لم يعد يفصل بين الفضاء الافتراضي والواقع، إذ لاحظ الجميع أنه نقل تعبيراته الرقمية إلى الشارع بشكل مباشر.


وقد أظهرت هذه التحركات أن هذا الجيل لا يتحرك بدافع الانفعال فقط، وإنما ضمن وعي جديد بالحقوق، يجمع بين الرقمي والميداني، وبين الفردي والجماعي، في تعبير سلمي في مجمله عن مطالب اجتماعية واضحة تتعلق بالصحة والتعليم والعدالة ومحاربة الفساد، وهو ما يعكس تحولا في طبيعة الفعل الاحتجاجي نفسه، من أطر تقليدية إلى أشكال أكثر مرونة واتصالا بالعالم الرقمي.


وأكيد أن حصيلة هذه المرحلة الحكومية لا تقاس بما يعلن من مؤشرات وأرقام، بقدر ما تقاس بما يعيشه المواطن في يومه العادي. فمهما قيل عن نسب النمو، أو عدد المشاريع، أو توازنات الموازنات، فإن كل ذلك يظل أوهن من بيت العنكبوت أمام واقع اجتماعي يلمسه المغاربة في جيوبهم، ويحسون به في مدارس أبنائهم، وفي المستشفيات العمومية، وفي تفاصيل العيش اليومي التي لا تحتاج إلى تقارير لإثباتها. لذلك، فإن المنطق السياسي يفرض أن تتوارى مكونات هذه الحكومة إلى الظل، في انتظار أن تفرز صناديق الاقتراع مكونات أخرى تمتلك من الكاريزما ومن البرامج الاجتماعية الجادة، وفق مرجعياتها، لعلها تصلح ما أفسدته "حكومة التفرقيش و التخوفيش". وإلى أن يحين ذلك، سيظل كل فاتح ماي موعدا متجددا لتذكير الطبقة العاملة وعموم المسحوقين بأن الشارع لا ينسى، وأن الذاكرة الاجتماعية أقوى من كل لغة الأرقام.