محمد الغيث ماء العينين: دي ميستورا يضع البوليساريو أمام اختبار الحقيقة.. تنازلات تاريخية أو الخروج من المسار

محمد الغيث ماء العينين: دي ميستورا يضع البوليساريو أمام اختبار الحقيقة.. تنازلات تاريخية أو الخروج من المسار محمد الغيث ماء العينين

تتحرك قضية الصحراء اليوم داخل سياق دولي تتحدد فيه ملامح المسار قبل تفاصيل الأحداث. لم يعد الملف مجالًا لإعادة إنتاج نفس الخيارات، بل أصبح جزءًا من توازن دولي يتجه نحو تثبيت إطار واحد تُقاس داخله مواقف الأطراف بميزان واضح. ضمن هذا النسق، تبرز إحاطة ستافان دي ميستورا أمام مجلس الأمن كلحظة كاشفة؛ لا تُنشئ التحول، بل تُظهر اكتماله، وتُعلن الانتقال إلى مرحلة تُعاد فيها صياغة المواقع وفق معيار المطابقة مع مرجعية لم تعد تقبل التأويل.

 

الجيوسياسة تفرض سقف الحل

أصبح ملف الصحراء جزءًا من معادلة أوسع تتقاطع فيها اعتبارات الاستقرار الإقليمي مع رهانات الأمن الدولي. في عالم يعيد ترتيب أولوياته على ضوء حساسية المضائق الكبرى—من هرمز إلى باب المندب—لم يعد ممكنًا التعامل مع فضاء يمتد إلى محيط مضيق جبل طارق بمنطق إدارة نزاع مفتوح. أي توتر في هذا المجال لا يبقى محليًا، بل يمتد أثره إلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وهو ما جعل الاستقرار في هذه المنطقة يتحول من خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية. هذا التحول في زاوية النظر هو الذي أعاد إدراج الملف ضمن أولويات التوازن الدولي، وربطه مباشرة بمنطق الوقاية من الأزمات بدل الاكتفاء بتدبيرها.

 

المطابقة تُنهي زمن الحياد

من أبرز تجليات هذا التحول، التآكل المتسارع لما كان يُعرف بـ “الحياد التقليدي”. لم يعد الحياد اليوم يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، بل أصبح يعني الانسجام مع المسار الذي حدده مجلس الأمن عبر قراراته، وفي مقدمتها القرار 2797. هذا التحول لا يظهر فقط في مواقف القوى الكبرى، بل يتجسد بشكل أوضح في الدول التي كانت تُعد مرجعًا في الحياد أو في الدعم التاريخي للأطروحة الانفصالية.

 

في أوروبا، يعكس تطور مواقف دول مثل النمسا وخاصة سويسرا—بما تحمله من رمزية في الحياد—انتقالًا من الحذر إلى التكيف مع مخرجات المسار الأممي. وفي إفريقيا، فإن قرارات مالي وكينيا بسحب الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، كما أن مراجعات مماثلة في دول أخرى مثل الإكوادور، لا يمكن قراءتها كحالات منفصلة، بل كدليل على مفاعيل هذا التحول. هذه الدول، على اختلاف مواقعها الجغرافية والسياسية، تجد نفسها أمام نفس المعادلة: الانسجام مع مرجعية أممية جديدة، أو البقاء خارج نسق يتجه نحو تثبيت نفسه تدريجيًا.

 

الإحاطة كتقرير مطابقة

داخل هذا السياق، تكتسب إحاطة دي ميستورا دلالتها كعملية قياس، لا كعرض للحالة. لقد تحولت الإحاطة إلى ما يشبه تقريرًا للمطابقة، يزن مواقف الأطراف بميزان واحد: مدى الانخراط الفعلي في المسار السياسي كما حددته المرجعية الأممية. لم يعد المبعوث يتحرك داخل هامش مفتوح، بل أصبح مطالبًا بتحديد درجة الالتزام داخل إطار محدد سلفًا.

 

دعوة دي ميستورا الصريحة لجبهة “البوليساريو” إلى تقديم “تنازلات تاريخية” تعكس هذا التحول بوضوح. فهي لا تأتي في سياق توازن شكلي بين الأطراف، بل في سياق يُحمّل طرفًا بعينه مسؤولية الالتحاق بالمسار. هذا يعني أن النقاش لم يعد يدور حول تعدد الحلول، بل حول مدى الانخراط في الحل الذي تم تثبيت مرجعيته.

 

من الفعل إلى البحث عن الضمانات

ما صدر عن ستافان دي ميستورا في إحاطته، كما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية، لا يمكن قراءته فقط كدعوة إلى التسوية، بل كتوصيف دقيق لموقع “البوليساريو” داخل المسار الأممي. فالمبعوث دعا الجبهة إلى “تقديم التنازلات التاريخية اللازمة من أجل إيجاد حلّ مقبول من الطرفين”، مؤكداً أن ذلك يصب في مصلحة “الأجيال الصحراوية المقبلة”، وهو ما يعكس انتقال النقاش من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الالتزامات العملية.

 

وفي نفس السياق، أشار دي ميستورا إلى أنه “يتفهم تردد الجبهة في الانخراط بشكل كامل”، مبرزاً “عدم ثقتها” في شأن دورها المستقبلي في إدارة الإقليم وفي شأن أمن أعضائها. هذا المعطى، بصيغته هذه، لا يُفهم كتعاطف، بل كإقرار صريح بتردد الجبهة في الانخراط في المسار كما تم تحديده أممياً.

 

هذا الإقرار يكشف تحولاً أعمق في موقع “البوليساريو”. فالجبهة التي كانت تسوّق لنفسها باعتبارها “الممثل الشرعي والوحيد” للصحراويين، أصبحت—وفق نفس التوصيف الأممي—منشغلة أساساً بهواجس تتعلق بموقعها داخل الحل، وبقدرتها على ضمان دور في مستقبل تدبير الإقليم في إطار الحكم الذاتي، إضافة إلى مسألة أمن أعضائها.

 

وفيما يتعلق بهذا البعد الأخير، فإن الحديث عن “أمن الأعضاء” لا يمكن فصله عن البيئة الدولية التي تشهد تشدداً متزايداً تجاه الفاعلين غير الدولتيين، خاصة في ظل ما يُتداول داخل الكونغرس الأمريكي من مبادرات ومساعٍ يقودها بعض أعضائه في اتجاه تصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية. هذا الاحتمال، حتى وإن لم يتحول بعد إلى قرار، يكفي لشرح منسوب القلق الذي يحيط بقيادة الجبهة، ويعيد توجيه أولوياتها من منطق الفعل السياسي إلى منطق تأمين الذات داخل مسار لم تعد تتحكم في شروطه.

 

المخيمات: من ورقة تفاوض إلى عبء بنيوي

بالتوازي مع هذا التحول، يشهد ملف المخيمات انتقالًا أكثر عمقًا، يتجاوز البعد الإنساني إلى إعادة تعريف موقعه داخل النسق التفاوضي. لم تعد الكتلة السكانية في تندوف تُقرأ كرافعة تفاوضية كما كان في السابق، بل أصبحت تمثل معطىً معقّدًا يضغط في اتجاه إيجاد مخرج.

 

أحد العناصر الحاسمة في هذا التحول هو بروز معيار أممي أكثر وضوحًا، يقوم على حصر المعنيين بالحل في المنحدرين من إقليم الصحراء. ووفق تقديرات متداولة، فإن هذه الفئة لا تمثل سوى نسبة محدودة من مجموع ساكنة المخيمات، وهو ما يطرح إشكالاً بنيويًا: كتلة بشرية واسعة لا تدخل ضمن الإطار المباشر للتسوية، لكنها تظل قائمة داخل نفس الفضاء.

 

هذا الواقع يضع الجزائر والبوليساريو أمام معادلة معقدة. فمن جهة، لم يعد بالإمكان توظيف هذه الكتلة بنفس المنطق السابق، ومن جهة أخرى، فإن التخلي عنها أو إعادة فرزها وفق المعايير الأممية قد يخلق توترات داخلية عميقة، خصوصًا في ظل وجود عناصر داخل الجبهة نفسها لا تنتمي مباشرة إلى مجال النزاع.

 

في هذا السياق، تكتسب بعض المؤشرات دلالة خاصة، مثل ما يُتداول بشأن ضغوط أمريكية على الجزائر لإيجاد مخرج لهذه الكتلة السكانية، أو النقاشات التي ظهرت حول إمكانية إدماج المنحدرين من المخيمات ضمن برامج تسوية أوضاع المهاجرين في إسبانيا. هذه التطورات لا يمكن قراءتها كإجراءات معزولة، بل كجزء من بحث أوسع عن مخارج تسمح بتفكيك هذا التعقيد الديموغرافي دون انفجار داخلي.

 

بهذا المعنى، لم تعد المخيمات ورقة تفاوض، بل تحولت إلى عبء بنيوي يضغط على المعسكر الذي كان يوظفها، ويكشف حدود قدرته على الاستمرار في نفس المنطق السابق.

 

المينورسو: التكيف مع الحسم

أما ما يتم تداوله بشأن مراجعة مهام بعثة “المينورسو”، فيندرج ضمن منطق التكيف مع هذا التحول. لم تعد وظيفة البعثة محصورة في المراقبة التقنية، بل تتجه نحو مواكبة مسار سياسي يتم تحديده وفق نفس المرجعية التي تُقاس بها سلوكيات الأطراف. أي تعديل مرتقب لا يمثل قطيعة، بل امتدادًا لمسار بدأ فعليًا، يعكس الانتقال من تدبير النزاع إلى مواكبة حل في طور التثبيت.

 

ما بعد الإحاطة

في المحصلة، لم تعد الإحاطة مجرد محطة دورية في مسار أممي طويل، بل أصبحت أداة لقياس الانخراط داخل إطار تم تثبيته تدريجيًا. التحول لم يعد في طبيعة الحل، بل في طبيعة العلاقة معه: من ينسجم مع مرجعيته، ومن يحاول تأجيلها دون أن يملك القدرة على تجاوزها. داخل هذا النسق، لم يعد الموقع يُبنى على الخطاب، بل على درجة المطابقة الفعلية مع مسار لم يعد مفتوحًا كما كان.