بنسعيد الركيبي: العائلات البرلمانية وسؤال العدالة في الولوج إلى التمثيلية السياسية

بنسعيد الركيبي: العائلات البرلمانية وسؤال العدالة في الولوج إلى التمثيلية السياسية بنسعيد الركيبي

يحضر موضوع العائلات البرلمانية كمدخل أساسي لفهم جزء من ديناميات الحقل السياسي، حيث يعكس تكرار الأسماء والامتدادات العائلية داخل المؤسسة التشريعية مسارا قائما على تراكم الموارد والعلاقات عبر الزمن. وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول شروط الولوج ومسارات الصعود داخل المجال السياسي وحدود تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين.

 

يكشف العمل الجمعوي عن تزايد الوعي بأهمية المشاركة في تدبير الشأن العام، حيث تتشكل لدى الشباب والساكنة المحلية رغبة متزايدة في الاندماج داخل المؤسسات التمثيلية، وهو وعي يتغذى من المدرسة والجامعة والجمعية وفضاءات النقاش العمومي. غير أن هذا المسار يتقاطع مع بنية سياسية تقوم على منطق التراكم، حيث تلعب الشبكات والعلاقات والإمتداد العائلي دورا محوريا في تسهيل الوصول إلى مواقع القرار. وفي هذا السياق تبرز قراءة سوسيولوجية مستلهمة من أعمال "بيير بورديو" حيث تتداخل أشكال متعددة من الرأسمال لتمنح استمرارية لنفس الدوائر داخل الحقل السياسي.

 

تظهر التجربة الميدانية أن العائلات البرلمانية تبني حضورا طويل الأمد داخل المجتمع عبر علاقات الثقة وخدمات القرب والإرتباط اليومي بقضايا المواطنين، وهو ما يوفر لها رصيدا انتخابيا متجددا، ويمنحها قدرة على الحفاظ على قواعد دعم مستقرة. هذا المعطى يفسر تكرار نفس الأسماء داخل المشهد التمثيلي ويمنح الظاهرة بعدا مركبا يجمع بين الاستمرارية في العمل السياسي والنجاعة في الحفاظ على الامتداد الانتخابي. في حين، يواجه الفاعل الجمعوي تحديات في مرافقة طاقات شابة نحو الاندماج السياسي، حيث تبرز الحاجة الى موارد تنظيمية وشبكات دعم تمكن هذه الطاقات من التموقع داخل الحقل السياسي. وهو ما يجعل مسار الولوج إلى التمثيلية مرتبطا بامتلاك أدوات متعددة تتجاوز الكفاءة الفردية إلى القدرة على الإندماج داخل شبكات النفوذ.

 

داخل هذا الإطار تتحول المشاركة السياسية إلى مسار يتطلب استعدادا مركبا يجمع بين التكوين والمعرفة والارتباط الاجتماعي. وهذا الواقع يفتح نقاشا حول طبيعة العلاقة بين الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المجال السياسي، حيث تتيح الآليات الانتخابية إمكانية التنافس، بينما تحدد البنية الاجتماعية شروط هذا التنافس وحدوده، وهو ما يدعو الى توسيع قاعدة المشاركة عبر تقوية أدوار الوساطة المجتمعية وتأهيل الفاعلين الجدد وتعزيز ثقافة الانخراط السياسي المبني على الكفاءة والمبادرة.

 

ويمتلك العمل الجمعوي موقعا استراتيجيا في هذا المسار، حيث يشكل فضاء لتأهيل المواطنين وبناء قدراتهم على الفعل العمومي، وفتح مسارات جديدة للقيادة المجتمعية، بما يساهم في إغناء الحقل السياسي بنخب متنوعة تعكس التحولات الاجتماعية. كما يسهم تعزيز الشفافية داخل الأحزاب وتوسيع آليات الديمقراطية الداخلية في تحقيق توازن بين الاستمرارية والتجديد داخل المؤسسة التمثيلية.

 

وبهذا المعنى يفتح موضوع العائلات البرلمانية أفقا لإعادة التفكير في شروط إنتاج النخب داخل المجتمع، وفي كيفية الإنتقال نحو دينامية أكثر انفتاحا تسمح بتداول أوسع للأدوار والمسؤوليات، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويمنح الديمقراطية عمقها الاجتماعي وقدرتها على الاستجابة لتحولات المجتمع.