عبد السلام بنعبد العالي
استبداد وسائل الاتصال وهيمنة التفاهة
لم يعد الفكر العربي المعاصر منشغلا بإشكالية التراث/الحداثة على النحو الذي كان عليه الأمر خلال ستينات القرن الماضي. فهل يعني ذلك أننا اليوم تجاوزنا هذه الإشكالية؟ صحيح أنها لم تعد تستقطب انشغالاتنا جميعها، وأن تحولات تقنية واجتماعية أخذت تفرض علينا توجيه الاهتمام نحو قضايا ما تفتأ تفرض نفسها، إلا أننا لا نستطيع القول إننا صفينا حساباتنا مع مسألة التراث، ربما كل ما يمكن قوله هو إننا لم نعد نجد أنفسنا أمام اختيارات حدية، إما أن نحيي التراث أو نقاطعه.
أعتقد أننا اليوم أصبحنا، بدلا من ذلك، نشعر أكثر فأكثر بضرورة تغيير المنظور الذي ننظر من خلاله إلى التراث. فبدل النظر إليه من منظور تكويني، أخذنا نشعر بأن علينا، على حد قول رولان بارت، "أن نجعل من التحول الذي نعيشه مركزا، وننطلق منه كي نجعل تاريخنا الفكري ينتظم حوله. على هذا النحو سنتكلم عن ماضينا انطلاقا من لغة الحاضر، بل انطلاقا من لسان الحال".
تذكرنا مقولة بارت هذه بإحدى الشذرات التي يقول فيها نيتشه: "العمل على تخصيب الماضي عند تأسيس المستقبل، ليكن ذلك حاضري".
إلا أننا لن نتمكن من هذا التخصيب "ما لم نحرر موروثنا حتى يتمكن من العودة إلى ما اختزن فيه، العودة إلى هذا الذي لم ينفك عن الوجود، هذا الذي يهيمن على التراث منذ بداياته، وكان دوما أسبق منه متقدما عليه، دون أن يفكر فيه بوضوح، ودون أن ينظر إليه كأصل"، كما قال هايدغر. وحدها هذه العودة إلى اللامفكر فيه، وحده الفكر القادر على تكريس الانفصال وخلق المسافات هما اللذان يستطيعان أن يعيدا الوصل ويتمكنا من استعادة الذخائر التي حجبها الماضي.
ماضي الفكر وراهنه
لن تجدينا هنا، بطبيعة الحال، النظرة التأريخية الساذجة التي تقتصر على تبويب الحقب، وضبط التيارات الفكرية، لكي نرتقي بالعلاقة التاريخية إلى مستوى الوجود التاريخي الأصيل، أي إلى ما ينقله مترجمو هايدغر الفرنسيون بلفظ Historial، حيث لا نكون، كما كتب هو نفسه، "لا على مسافة بعيدة ولا على مسافة قريبة من موروثنا". فليست علاقتنا بمن تقدمنا علاقة تأريخية. ونحن لا نعثر عندهم على مبدأ تفسيري نعلل به تسلسل الوقائع فيما بعد. إن استرجاع ما قالوه معناه أن نجد أنفسنا في وحدة القدر الذي هو قدرنا، والذي صدر عنه كلام ما انفك يعود نحونا في الوضوح الغامض للتراث، والحمولة المكتنزة للغة.
بهذا المعنى فإن ماضي فكرنا غلاف للحاضر، حاضره هو، وحاضرنا نحن. معنى ذلك أن ذلك الماضي لم يحضر حتى بالنسبة إلى ذاته. إنه ماض ثري، لا بما كان له من امتداد في الحاضر فحسب، بل أيضا بما ظل ينطوي عليه من "أسرار"، وما يغلفه من كثافة. التراث كنز من الكنوز، لكنه، ككل الكنوز، كنز مدفون. لن يغدو التراث، والحالة هذه، متحفا نزوره ترسيخا لهويتنا، ووعاء نغرف منه ما يلائم حاضرنا، لن نعود إليه تزكية للوهم بالخلود، ولن نلجأ إليه بهدف إحياء قيم غابرة، وإنما بهدف إعادة إنتاج أصولنا لرصد تكونها، والحفر في ذاكرتنا لمعرفة كيف تشكلت، وكيف ترسخت أصولها، وتحددت نماذجها، وشحنت لغتها.
الكلام عن التراث انطلاقا من واقع الحال الذي أشار إليه بارت، يتطلب منا أن نتوقف كذلك عند "واقع الحال" هذا، ولن يكون الحديث عن واقع الحال، بطبيعة الحال، استنساخا للتراث الفلسفي الغربي. ذلك أن هذا التراث أصبح يشكو هو كذلك مما هو أكثر من "مرض" منهجي. ما حصل بالفعل هو أن الفلسفة ذاتها سرعان ما وقعت في حبال النماذج الثقافية التقليدية، فكانت ضحية مصائد نصبتها لنفسها، فغدت سجينة تاريخها. ولعل الفيلسوف الذي أبرز هذه المسألة بكل وضوح هو جيل دولوز الذي كتب: "إن تاريخ الفلسفة أخذ يعمل كسلطة في الفلسفة، بل وحتى في الفكر. فهو قد لعب على الدوام دورا قمعيا: كيف يمكنكم أن تفكروا من غير أن تكونوا قد قرأتم أفلاطون وديكارت وكانط وهايدغر، وكذا كتاب فلان أو فلان عنهم؟ إنها مدرسة جبارة للتخويف تنتج أخصائيين في الفكر، ولكنها تعمل أيضا على أن يمتثل من يظلون خارجها أقوى امتثال لهذا التخصص الذي يسخرون منه".
بدل أن تقوم الفلسفة "ضد..."، صارت تعمل "وفق متطلبات الوضع القائم"، وسرعان ما تحولت إلى معرفة فلسفية و"لغة رسمية لدولة خالصة" تعمل على تقديس أصنام الفكر، وأسطرة المعاني، وجرها نحو الثبات والإطلاق، وإسنادها إلى سلطات معرفية، وأوثان جديدة، تنسى اعتباطيتها وتزعم الضرورة والكلية، فتقضي على التعدد والاختلاف.
توتاليتارية الإعلام
لعل هذا ما يدفعنا إلى السعي وراء نقل فعل التفلسف من المنابر التقليدية، وزحزحته من مواقعه المعهودة، وموضوعاته المستهلكة. من أجل ذلك، كان لا بد من التوجه الفعلي نحو "واقع الحال"، لطرح مسألة الفكر الفلسفي، وتجديد المعنى الذي يمكن أن نعطيه لمفهوم النقد. واقع الحال هذا يفرض علينا أن نأخذ أحوالنا بعين الاعتبار، ومن يتساءل عن أحوالنا لا بد أن ينصرف ذهنه إلى ما أصبحت وسائط الاتصال تشكله كمحددات لها. أليست هذه الوسائط هي التي صارت تشكل غذاءنا اليومي إلى حد أن بإمكاننا أن نتكلم اليوم عن توتاليتارية الإعلام، شريطة أن نعتبر أن التوتاليتارية تعمل في عالمنا على غير النحو الذي عملت به ربما إلى حد الآن. إذ ليس وراءها اليوم نازي متشنج، ولا شيوعي متعصب، وإنما وراءها الإعلام وأمواله بما يولدانه من أفراد فقدوا القدرة على إدراك حقيقة التجربة الفعلية، أفراد لم يعد في إمكانهم أن يستشعروا حقيقة العالم الواقعي، ولا معنى ما يتم فيه، وغدوا عاجزين عن تحديد صحة الخطابات، بل صاروا فاقدين لأدوات تمحيصها، وأصبحوا مستعدين لأن يتقبلوا أي خطاب حول العالم. إنهم أفراد فقدوا كل معيارية، فقدوا القدرة على إعمال العقل، القدرة على التفرقة والتمييز، القدرة على التفكير، فقدوا حس الاختلاف، وصاروا يوحدون ويسوون بين كل الأمور، يسوون بين الكل، صاروا "كليانيين" توتاليتاريين.
لقد صرنا نخضع اليوم لآلية لا أذهب حتى إلى القول إنها هي التي تعمل على خلق الواقع، وإنما خلق "ما يعمل كواقع" على حد تعبير فوكو. إنها الآلية التي تتمثل في جعل الواقع مفعول ما يصور به وما يقال عنه. المنطق المتحكم هنا منطق غريب يمزج بين الحلم والواقع، ويخلق الواقع الذي يتنبأ به فينبئ عنه. هذا المنطق هو ما يحكمنا اليوم، وهو المتحكم في آليات الإعلان والإشهار والدعاية، حيث تغدو الأيديولوجية، ليس كما عهدناها أداة للقلب والتوحيد والتغليف، وإنما هي ما يجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكيد الدائم على أنها كذلك. إنها اليوم لب لاواقعية الواقع، لب "سريالية الواقع". هو إذن واقع يفقد شيئا من الواقعية، واقع يتلبس الوهم ويتحول إلى "مشهدية".
لا عجب إذن أن تغدو الشاشة اليوم صورة عن الواقع، إن لم تكن هي الواقع ذاته في مباشرته وحيويته وحياته، مع ما يتمخض عن ذلك من تحول لمفهوم الحدث نفسه، حيث تغدو الأحداث الجسام وقائع مشتتة يجترها الإعلام ويفتتها كي يحشرنا في الراهن ويغرقنا فيه. فقدان القدرة ذاك، أو ما يطلق عليه البعض "الدوخة الأيديولوجية"، أليس هو ما أصبح يولد هذا الهروب إلى الأمام الذي يطبع نزعات التطرف، والذي يجعل جيلا بكامله يشعر أن العقل لم يعد يقوى على شيء، وأن لا حيلة له أمام العوائق مهما كانت: قديمها وجديدها؟ أليس هو ما يوجد وراء الفكر الوثوقي الدوغمائي الذي لم يعد مجرد فكر نظري يتقبل الآراء بعيدا عن كل روح انتقادية، وإنما غدا موقفا أخلاقيا سياسيا بالأساس، موقفا شديد العنف، يتجلى عنفه، لا بما يصدر عنه من أقوال، بل بما ينطوي عليه من آلية موحدة ترفض كل تعدد للآراء واختلاف للمواقف، وكل تردد بين شك ويقين. الأمر الذي يدفعه إلى أن يدخل كل الأمور في دائرته فيجبرها على الخضوع لمنطقه، مع ما يقتضيه ذلك من آلية إكراهية.
وقد سبق لنيتشه أن بين أن كل آلية موحدة لا تكون كذلك إلا بما هي تنظيم وإكراه وإفحام، وإلا بما هي مقاومة فوضى الكثرة، إلا بما هي قضاء على التعدد، وسن منطق الهيمنة والإخضاع والقهر. الفكر الوثوقي الدوغمائي فكر واحدي في الواجهات جميعها، وإزاء القضايا كلها. وهو ليس عنيفا بما يتولد عنه من مفعولات، وما يتمخض عنه من نتائج، وإنما بما هو ينشد، أو يشد إليه على الأصح، وما يعتقده طبيعيا بدهيا مسلما به. فكأن العنف هنا عنف بنيوي. وقد سبق لرولان بارت أن بين أن البداهة عنف، و"أن العنف الحق هو أن تقول: طبيعي أن نعتقد هذا الاعتقاد، هذا أمر بدهي".
رصد البلاهة
ندرك الآن أهمية التدخل الفلسفي الذي ينفتح على التعدد مقاومة لكل أشكال التخشب الفكري، ذلك التخشب الذي لا يلحقنا فحسب من ترسخ مقولاتنا في الماضي، ولا من ترديد بليد لمقولات "نستوردها"، وإنما أيضا مما نتشربه يوميا من أشكال اللافكر التي نتغذى عليها، والتي يعمل "مجتمع الفرجة" على حشرها في أدمغتنا، وترسيخها في تصرفاتنا، وتكريسها في لغتنا. أشكال اللافكر هذه هي ما كان ميلان كونديرا يسمه بالبلاهة التي لم تكن تعني عنده الجهل، وإنما "اللافكر الذي تنطوي عليه الأفكار الجاهزة".
لن يتعلق الأمر إذن بتخطئة البلاهة وحملها على التفكير الصائب. فمسألة البلاهة اليوم ليست مسألة صواب وخطأ، كما أنها لم تعد قضية جهل ومعرفة. صحيح أنها تتعلق بـ اللافكر الذي يحسب نفسه فكرا، غير أن هذا اللافكر لم يعد هو الخطأ الذي يكفي لمقاومته أن يعبد الفكر الطريق، ويضع "المنهج" ويسن "قواعد لتوجيه العقل" كما فعل ديكارت، كما أن الأمر لم يعد يتعلق بمجرد توظيف للعقل في غير محله، وتخط للحدود التي ينبغي أن يحترمها، بحيث يكفي لتقويمه إقامة نقد يحدد مجال "الاستخدام المشروع للعقل" كما فعل كانط، وربما لم يعد أيضا حتى ما وسم بالرأي الأيديولوجي والوعي المغلوط الذي يكفي فضحه وتفنيده كما نادى ماركس. إن كان لا بد لنا من أن نربط الفلسفة بالنقد، على غرار ما لا ننفك نردده، فربما ينبغي أن يفهم ذلك بعيدا عن كل هذه الأشكال من النقد التي أشرنا إليها.
لكي تتمكن الفلسفة من مقاومة النماذج الثقافية التقليدية، والانفصال عن الرؤى التي تسعى أن تكلس الماضي عندما تسجنه داخل قوالب جاهزة، وتحنطه بفعل تأويلات نهائية منغلقة على ذاتها، فلن يكفيها نقد يحارب الأخطاء، ولا نقد يرسم حدود الصلاحية، ولا حتى ذاك الذي يفضح أوهام الأيديولوجية، وإنما عليها أن ترصد أشكال البلاهة، وتتعقب الفكر الجاهز.
حينئذ لا يتبقى عليها إلا أن تنهج ما سبق لفوكو أن نادى به خلال محاضرة كان ألقاها في اليابان سنة 1978 حينما قال: "لقد عرفنا، منذ زمن بعيد، أن دور الفلسفة لا يمثل في اكتشاف ما هو خفي، بل أن نجعل مرئيا ما هو مرئي، أي أن نعمل على إظهار ما هو شديد القرب، ما هو جد مباشر، ما هو مرتبط ارتباطا وثيقا بنا إلى حد أننا لا ندركه".
فربما لم نعد اليوم ضحايا أخطاء المعرفة، وأوهام "العقل الخالص" أو أوهام الأيديولوجية، بقدر ما أصبحنا ضحايا عماء نظري يحجب عنا ما يحيط بنا. لذا يبدو أننا، لو أردنا أن نحتفظ للفلسفة بروحها النقدية، فربما سيكون علينا أن نبدع مفهوما مغايرا عن النقد ملائما لهذه الوضعية.
عن مجلة: " المجلة "