مريم بدران ومشهد لكلب
على خلفية واقعة طنجة التي انقض فيها كلب على صاحبه حتى الموت، تستعرض مريم بدران، طالبة طب وإعلامية في مقالها إشكالية السلوك العدواني لدى الكلاب، مؤكدة بشكل حصري لجريدة "أنفاس بريس" أنه ليس مجرد نزعة غريزية مفاجئة، بل نتيجة تفاعل معقد بين التربية الخاطئة، البيئة غير المناسبة، والمشاكل الصحية غير المكتشفة. وتخلص الكاتبة إلى أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على الإنسان في فهم الطبيعة البيولوجية للكلب وتوفير الرعاية العلمية الواعية، بعيدا.عن ممارسات الإهمال أو التحريض التي تحول "أوفى صديق للإنسان" إلى كائن في حالة استنفار دفاعي دائم.
تعد الكلاب من أكثر الحيوانات ارتباطا بالإنسان عبر التاريخ، إذ لعبت أدوارا أساسية في الحراسة والرعي والصيد والحروب وعمليات الإنقاذ، إضافة إلى مهام مثل الكشف عن المخدرات والمتفجرات والبحث عن المفقودين وتقديم الدعم النفسي. غير أن هذا الارتباط، على عمقه، يظل مشروطا بفهم علمي دقيق لطبيعة الحيوان وحدود سلوكه الغريزي.
وقد أعادت حوادث مأساوية متفرقة، من بينها واقعة طنجة، طرح تساؤل محوري: هل تكمن المشكلة في الحيوان نفسه، أم في طريقة تربيته والبيئة التي يعيش فيها؟
في هذا السياق، يبرز سؤال آخر جوهري: ما هي الطرق المتوازنة لتربية الكلاب، خاصة السلالات القوية، لتجنب الشراسة المفرطة وضمان الطاعة دون عنف أو تحريض؟
تشير المعطيات العلمية إلى أن التربية السليمة لا تقوم على القوة أو القمع، حتى مع بعض السلالات الكبيرة أو العاملة التي تمتاز بقوة عضلية عالية وغريزة حماية واضحة، مثل :
American Pit Bull Terrier وDogo Argentino وCane Corso وRottweiler وDoberman Pinscher وGerman Shepherd وBelgian Malinois ...etc
بل تقوم أساسا على التوازن بين التنشئة الاجتماعية والتدريب المنهجي والبيئة المناسبة. ويبدأ ذلك بمرحلة التنشئة الاجتماعية المبكرة التي تهدف إلى تعويد الكلب على البشر والحيوانات المختلفة والمحفزات البيئية منذ الأشهر الأولى من العمر، مما يقلل من احتمالية ظهور سلوكيات الخوف أو العدوان لاحقا.
في المقابل، تعد الممارسات التحريضية، مثل إثارة الكلاب ضد بعضها أو دفعها لمطاردة القطط، من أخطر السلوكيات، لأنها تنتج عدوانا مكتسبا يصعب التنبؤ به، فضلا عن كونها سلوكا غير مسؤول أخلاقيا.
كما ينبه المختصون إلى ضرورة مراعاة الخصائص البيئية للسلالات، فكلاب مثل :
Siberian Husky وAlaskan Malamute وSamoyed وChow Chow وAkita ...etc
معظمها طُورت تاريخيا للتكيف مع بيئات باردة، وتمتاز بكثافة الفرو وارتفاع مستوى الطاقة ، وعند تربيتها في مناخات حارة أو داخل مساحات ضيقة دون تكييف بيئي مناسب، قد تتعرض لإجهاد حراري مزمن ينعكس على سلوكها في شكل توتر وعصبية وفرط استثارة أو ضعف في التحكم في ردود الفعل.
في المقابل، يطرح سؤال آخر: كيف يمكن للأمراض أو الألم أن يغير سلوك الكلب فجأة؟ وما العلامات التحذيرية؟
السلوك العدواني لا يرتبط دائما بالتربية أو البيئة فقط، بل قد يكون في بعض الحالات عرضا مباشرا لاضطراب طبي أو عصبي يؤثر على الجهاز العصبي المركزي أو التوازن الهرموني للحيوان. ومن أبرز هذه الحالات داء الكلب، وهو مرض فيروسي قاتل يؤثر على الدماغ ويسبب تغيرات سلوكية حادة، والصرع الذي يؤدي إلى نوبات عصبية قد يصاحبها ارتباك وعدوانية بعد النوبة، إضافة إلى اضطرابات الغدة الدرقية، خصوصا قصور الغدة، الذي قد يسبب تقلبات في المزاج والسلوك.
كما تشمل الأسباب المحتملة الأورام الدماغية التي تؤثر على مراكز التحكم في السلوك، والآلام المزمنة الناتجة عن أمراض المفاصل أو الإصابات، حيث قد يدفع الألم الحيوان إلى ردود فعل دفاعية عدوانية، فضلا عن بعض الاضطرابات العصبية أو الالتهابات الدماغية التي تؤثر على الإدراك والاستجابة.
وتتجلى هذه الحالات في مجموعة من الأعراض والعلامات التحذيرية، من أبرزها ظهور عدوان مفاجئ دون سبب واضح، أو تغير في نمط السلوك المعتاد، مثل زيادة التهيج أو القلق، وفرط الحساسية للمس خاصة في مناطق معينة من الجسم. كما قد يظهر الحيوان فقدان التوازن أو اضطراب في الحركة، أو سلوكيات غير طبيعية مثل الدوران المتكرر أو عض الذيل أو العض العشوائي لأشياء أو أشخاص.
وتشمل العلامات المبكرة أيضا الانعزال عن المحيط، فقدان الشهية أو زيادتها بشكل غير طبيعي، اضطرابات في النوم، نباح أو عواء غير معتاد، اتساع حدقة العين، أو ردود فعل مبالغ فيها تجاه محفزات بسيطة. وفي حالات داء الكلب قد تظهر أعراض إضافية مثل سيلان اللعاب، صعوبة البلع، وتغير الصوت ...إلخ)
وتعد هذه المؤشرات إنذارا مبكرا يستوجب تدخلا بيطريا عاجلا، حيث إن التشخيص المبكر والفحص السريري الدقيق مدعوما بالفحوصات المخبرية والعصبية يمكن أن يساهم في تحديد السبب الحقيقي وتقليل المخاطر على الحيوان والمحيطين به.
أما في ما يخص الحوادث الخطيرة، فإنها غالبا لا تحدث بشكل مفاجئ، بل تكون نتيجة تراكمات من العوامل، مثل الإهمال، وغياب التدريب، والحراسة المفرطة دون تأطير، والتحريض على العدوان، وسوء فهم إشارات الخوف أو التوتر لدى الحيوان، إضافة إلى تجاهل حالته الصحية.
وتؤدي هذه العوامل إلى وضع الكلب في حالة تأهب دائم، ما يزيد من احتمالية استجابته بشكل دفاعي في مواقف يعتبرها تهديدا.
ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تقليل المخاطر قبل اقتناء كلب؟
يؤكد المختصون أن الاختيار المسؤول يبدأ بدراسة تاريخ الحيوان الصحي والسلوكي، والتأكد من ملاءمته للبيئة والإنسان، إضافة إلى فهم احتياجات سلالته. ورغم ذلك، تبقى الغريزة عنصرا ثابتا لا يمكن إلغاؤه، بل يمكن فقط توجيهه وإدارته عبر التربية السليمة.
في المحصلة، لا يمكن اختزال هذه الحوادث في خطأ الحيوان فقط، بل هي نتيجة تفاعل معقد بين الغريزة والتربية والبيئة والحالة الصحية.
وتبقى المسؤولية الأساسية على الإنسان في بناء علاقة متوازنة تقوم على الفهم لا العنف، وعلى الوعي لا الإهمال.
وأحيانا قد تقع أحداث مفاجئة لا يمكن التنبؤ بها بدقة، ولا يمكن الجزم بأسبابها دون تحقيق علمي وبيطري شامل، ما يفرض التحلي بالحذر في إصدار الأحكام.
في العمق، لا يمكن اختزال السلوك الحيواني في مجرد استجابة عابرة، بل هو انعكاس مباشر للعلاقة بين الكائن وبيئته الأصلية. فكل كائن حي يتشكل سلوكه ضمن سياق طبيعي محدد، وعند إخراجه من هذا السياق، سواء كان الأسد من الغابة أو القرش من البحر، فإنه لا يفقد غريزته، بل يعيد تنظيمها تحت ضغط التكيف القسري.
هذا التحول لا يلغي الطبيعة، بل يضعها في حالة استنفار دائم، حيث تبقى الغريزة نشطة وفق منطق البقاء. ومن هذا المنظور يمكن فهم السلوك الدفاعي بوصفه استجابة بيولوجية تُعرف في علم السلوك العصبي باسم “استجابة القتال أو الهروب”
(Fight or Flight Response).
وعند إسقاط هذا المفهوم على الواقع، حتى في حالات التدريب داخل السيرك أو الأحواض، سُجلت عبر السنوات حوادث لمدربين محترفين فقدوا حياتهم أثناء التعامل مع حيوانات مفترسة خضعت لتدريب طويل. هذه الحالات لا تُفسر كخيانة من الحيوان، بل كنتيجة لظهور سلوك غريزي تحت ضغط بيئة غير طبيعية.
ومن هذا المنطلق، يصبح واضحا أن التعامل مع الحيوانات لا ينبغي أن يُختزل في الترفيه أو الاستعراض أو التجارة، بل يجب أن يقوم على إدراك عميق لاحتياجاتها. فالأسد ينتمي إلى الغابة لا إلى السيرك، والقرش إلى المحيط لا إلى الأحواض المغلقة، والكلب يحتاج إلى بيئة متوازنة تراعي طبيعته بين الحركة والتدريب والاستقرار، لا إلى الحبس أو الإهمال أو التحفيز غير المسؤول ... إلخ
في النهاية، الكلاب ليست أدوات للترفيه، ورغم وفائها وقربها من الإنسان، فإن جذورها البيولوجية تعود إلى كائنات برية لا تنفصل عن غرائزها الأساسية، ما يجعل تربيتها مسؤولية واعية تقوم على المعرفة وليس التسلية.
وفي الختام، تبقى الكلمات عاجزة أمام فقد إنسان عزيز. رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وألهم أسرته وذويه الصبر والسلوان، ونسأل الله أن يخفف عنهم هذا المصاب الأليم، وأن لا يري أحدا مكروها في أحبته.