حبيل رشيد
لا شك أن التحول الرقمي داخل مرفق العدالة بات يشكل أحد أبرز ملامح إعادة بناء الدولة القانونية في بعدها المؤسساتي، حيث إن تحديث أساليب التدبير لم يعد مسألة اختيارية تخضع لاعتبارات الظرفية، وإنما أضحى توجهاً استراتيجياً يعكس إرادة تشريعية تروم إرساء عدالة ناجعة، شفافة، وقريبة من المتقاضي… وفي هذا السياق، يندرج القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي ضمن دينامية إصلاحية عميقة، سعت إلى إعادة هندسة المرفق القضائي وفق مقاربة حديثة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والتقنية والإدارية.
ومن المؤكد أن هذا التحول يجد أحد أبرز تجلياته في إقرار مبدأ الإدارة الإلكترونية داخل المحاكم، حيث إن المشرع نص صراحة، ضمن المادة 25، على اعتماد هذا النمط التدبيري في معالجة الإجراءات والمساطر القضائية، وهو ما يفيد انتقالاً واضحاً من منطق التيسير إلى منطق الإلزام. إذ إن استعمال صيغة "تعتمد المحاكم الإدارة الإلكترونية" يحمل دلالة قانونية قاطعة، تفيد أن الرقمنة لم تعد مجرد أداة مساعدة، وإنما أصبحت إطاراً مرجعياً يؤطر سير العمل القضائي، ويحدد ملامح تطوره.
وبالتالي، فإن هذا الإقرار التشريعي يعكس تحولاً بنيوياً في تصور الوظيفة القضائية ذاتها، حيث إن الرقمنة تمتد لتشمل مختلف مراحل الدعوى، من تسجيل المقالات والطعون، إلى تبادل المذكرات، وصولاً إلى إصدار الأحكام وتنفيذها. كما أن هذا الامتداد لا يقتصر على الجانب الإجرائي، وإنما يشمل أيضاً آليات التدبير الداخلي للمحاكم، من أرشفة الملفات إلى تنظيم الجلسات وتتبع القضايا، وهو ما يفضي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين مختلف الفاعلين داخل المنظومة القضائية.
وعلاوة على ذلك، فإن ربط هذا التحول بما وصفه النص بـ"برامج تحديث الإدارة القضائية" يبرز أن الأمر يتعلق بمقاربة مهيكلة، قوامها التخطيط والتدرج في التنفيذ، حيث إن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل تضطلع بدور محوري في وضع هذه البرامج وتنزيلها على أرض الواقع، من خلال توفير البنية التحتية الرقمية، وتطوير الأنظمة المعلوماتية، وتأهيل الموارد البشرية القادرة على استيعاب هذا التحول. ومن ثم، فإن الرقمنة هنا لا تُفهم باعتبارها مجرد قرار تقني، وإنما باعتبارها سياسة عمومية متكاملة تستهدف الرفع من جودة الأداء القضائي.
كما أن اشتراط "التنسيق الوثيق" مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة يعكس وعياً تشريعياً دقيقاً بحساسية المجال القضائي، حيث إن إدماج التكنولوجيا في هذا الحقل لا يمكن أن يتم بمعزل عن ضمانات الاستقلال القضائي. وبالتالي، فإن هذا التنسيق لا يكتسي طابعاً شكلياً، وإنما يشكل آلية جوهرية لضبط التوازن بين متطلبات التحديث التقني ومقتضيات الشرعية القضائية، بما يحول دون أي انزلاق قد يمس جوهر الوظيفة القضائية أو يؤثر على حياد القاضي.
ومن جهة أخرى، فإن اعتماد الإدارة الإلكترونية يكتسي بعداً حقوقياً بارزاً، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على وضعية المتقاضين، حيث إن تمكينهم من الولوج إلى المعلومة القضائية وتتبع مسار قضاياهم عن بعد يندرج ضمن تكريس الحق في الوصول إلى العدالة. كما أن تسريع وتيرة البت في القضايا، من خلال تقليص آجال التبليغ وتبسيط المساطر، يساهم في تحقيق مبدأ الأجل المعقول، الذي يعد أحد الركائز الأساسية للمحاكمة العادلة.
إضافة إلى ذلك، فإن الرقمنة تفتح آفاقاً واسعة لتعزيز الشفافية داخل المحاكم، حيث إن الأنظمة المعلوماتية تتيح إمكانية تتبع مختلف العمليات والإجراءات بشكل دقيق، مما يحد من التدخلات غير المبررة، ويقلص من هامش التقدير غير المؤطر. كما أن اعتماد مؤشرات رقمية لقياس الأداء يمكن من تقييم عمل القضاة وموظفي كتابة الضبط وفق معايير موضوعية، تستند إلى معطيات دقيقة بدل الانطباعات العامة.
وفي سياق متصل، فإن هذا التحول ينعكس أيضاً على مستوى الحكامة القضائية، حيث إن إدماج التكنولوجيا يفرض إعادة تنظيم العلاقات بين مختلف مكونات المرفق القضائي، على أساس التعاون والتكامل بدل التداخل والتنازع. ومن ثم، فإن وزارة العدل، باعتبارها الجهة المكلفة بالجوانب الإدارية واللوجستيكية، تعمل في إطار تنسيق مؤسساتي مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، الذي يضمن استقلال القضاء، ومع رئاسة النيابة العامة التي تضطلع بدور محوري في تدبير الدعوى العمومية. وهو ما يشكل نموذجاً متقدماً للحكامة متعددة الأطراف، يوازن بين الفعالية المؤسسية والضمانات القانونية.
غير أن هذا المسار، رغم ما يحمله من آفاق واعدة، يطرح جملة من التحديات التي لا يمكن إغفالها، حيث إن نجاح الرقمنة رهين بتوفر بنية تحتية رقمية متينة، قادرة على استيعاب حجم المعطيات المتداولة داخل المحاكم، وضمان استمرارية الخدمة دون انقطاع. كما أن مسألة الأمن السيبراني تفرض نفسها بإلحاح، بالنظر إلى حساسية المعلومات القضائية، الأمر الذي يستدعي اعتماد آليات متقدمة لحمايتها من الاختراق أو الاستغلال غير المشروع.
ومن جانب آخر، تبرز إشكالية الفجوة الرقمية كأحد أبرز التحديات، خاصة بالنسبة للفئات التي تعاني من ضعف الولوج إلى الوسائل التكنولوجية، حيث إن تعميم الإدارة الإلكترونية قد يؤدي، في غياب تدابير مرافقة، إلى خلق نوع من الإقصاء غير المقصود. لذلك، فإن تحقيق العدالة الرقمية يقتضي اعتماد مقاربة شمولية تراعي البعد الاجتماعي، من خلال توفير الدعم والتأطير اللازمين للمتقاضين.
كما أن تأهيل الموارد البشرية يظل عاملاً حاسماً في إنجاح هذا التحول، إذ إن الانتقال إلى النظام الرقمي يتطلب تغييراً في العقليات، وتطويراً للمهارات، بما يضمن قدرة القضاة وموظفي كتابة الضبط على التعامل مع الأنظمة الجديدة بكفاءة وفعالية. ومن ثم، فإن التكوين المستمر يشكل ركيزة أساسية لمواكبة هذا الورش الإصلاحي.
وفي أفق التطور المستقبلي، تفتح الرقمنة المجال أمام إدماج تقنيات أكثر تقدماً، من قبيل الذكاء الاصطناعي في تحليل المعطيات القضائية، أو اعتماد منصات رقمية متكاملة تتيح إجراء بعض المساطر عن بعد. غير أن هذا التطور يقتضي تأطيراً قانونياً دقيقاً، يحدد نطاق استخدام هذه التقنيات، ويضمن عدم المساس بالضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.
ومن الثابت أن المادة 25 تؤسس، في عمقها، لرؤية جديدة للعدالة، قوامها النجاعة والشفافية والانفتاح، حيث تتداخل الأبعاد القانونية والتقنية في إطار دينامية متكاملة تسعى إلى إعادة بناء الثقة في المؤسسة القضائية… وهي بذلك لا تكتفي بوضع قاعدة تنظيمية، وإنما ترسم معالم تحول هيكلي يعيد تعريف وظيفة العدالة في سياق مجتمع رقمي متسارع التحول.