أنور الشرقاوي: الفلاحة المغربية.. التكوين بشكل مختلف من أجل تحول مستدام

أنور الشرقاوي: الفلاحة المغربية.. التكوين بشكل مختلف من أجل تحول مستدام صورة جماعية لأعضاء لجنة مناقشة

في أجواء أكاديمية مفعمة بالنقاش والطموح، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالسويسي، يوم الخميس 23 أبريل 2026، مناقشة أطروحة دكتوراه متميزة أنجزها الأستاذ الدكتور إدريس المكاوي.

أطروحة لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل تغوص عميقاً في صلب واحدة من أعقد المعادلات التنموية: كيف يمكن تحقيق انسجام حقيقي بين تنمية الرأسمال البشري عبر التكوين المهني، وبين ديناميات تطوير القطاع الفلاحي، مع مراعاة رهانات الاستدامة والإدماج الاجتماعي والتوازن المجالي.

الفلاحة المغربية اليوم تسير فوق خيط دقيق. 
فهي في آنٍ واحد دعامة للاقتصاد، وركيزة للاستقرار الاجتماعي، ورهان استراتيجي لمستقبل البلاد.

غير أنها تواجه في المقابل ضغوطاً متزايدة، من تقلبات مناخية حادة، إلى ندرة الموارد المائية، وصولاً إلى تحديات التنافسية في سوق عالمي لا يرحم.

وسط هذه التحولات، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالاستثمار في المعدات أو البنيات التحتية.

فجوهر التحول الحقيقي يكمن في الإنسان.

وهذا بالضبط ما تسلط عليه الأطروحة الضوء، من خلال تحليل العلاقة الدقيقة بين السياسات الفلاحية ومنظومة التكوين المهني في المغرب.

على مدى السنوات الماضية، أطلق المغرب استراتيجيات طموحة لتحديث فلاحته.

فقد شكل مخطط المغرب الأخضر محطة مفصلية، أعادت هيكلة السلاسل الإنتاجية ورفعت من مردودية القطاع.

ثم جاءت استراتيجية “الجيل الأخضر” لتواصل هذا الزخم، واضعة الإنسان في قلب المعادلة، وساعية إلى بروز جيل جديد من الفلاحين، أكثر تأهيلاً وقدرة على الصمود.

في هذا السياق، يبرز التكوين المهني الفلاحي كرافعة أساسية لا غنى عنها.

غير أن الواقع يكشف عن فجوة لا تزال قائمة بين ما يُدرّس في مراكز التكوين وما يحتاجه الميدان فعلياً.

فالتطور السريع للتكنولوجيا، إلى جانب التحديات البيئية والتحولات الاقتصادية، يفرض مهارات جديدة، تتطلب مرونة وابتكاراً، وهو ما لا تواكبه المنظومة الحالية بالوتيرة المطلوبة.

اعتمدت دراسة الدكتور المكاوي على مقاربة تجمع بين المعطيات الكمية والتحليل النوعي، ما أتاح رسم صورة دقيقة ومتوازنة للوضع. وقد أظهرت النتائج أن تنوع المسارات والخلفيات المهنية لا يلغي حقيقة أساسية: منظومة التكوين لا تزال بعيدة نسبياً عن متطلبات الواقع الفلاحي.

وتزداد هذه الفجوة اتساعاً بفعل التفاوتات المجالية، إلى جانب بعض العوائق المؤسساتية التي تعرقل وتيرة الإصلاح.

وهو ما ينعكس سلباً على اندماج الشباب، ويحد من انتشار الابتكار، ويبطئ الانتقال نحو نموذج فلاحي أكثر استدامة وفعالية.

في مواجهة هذه التحديات، تقترح الأطروحة مجموعة من التوصيات التي ترسم ملامح إصلاح عميق.

من أبرزها ضرورة ملاءمة التكوين مع حاجيات سلاسل الإنتاج، وتحديث البرامج البيداغوجية بإدماج التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى إعادة الاعتبار لمهن الفلاحة لجعلها أكثر جاذبية للأجيال الصاعدة.

كما تبرز مسألة الحكامة كعنصر حاسم في نجاح هذا التحول.

فتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، من مؤسسات عمومية ومراكز تكوين وقطاع خاص، يبدو ضرورياً لبناء رؤية منسجمة وفعالة.

وفي الوقت نفسه، يظل تقليص الفوارق المجالية شرطاً أساسياً لضمان تحول شامل لا يُقصي أحداً.

في العمق، لا تتعلق هذه الأطروحة فقط بإصلاح قطاع، بل برسم معالم رؤية مستقبلية.

فالتكوين، في هذا السياق، يتجاوز مجرد نقل المعرفة، ليصبح أداة لإعداد إنسان قادر على مواجهة المجهول، والابتكار في بيئة معقدة، والمساهمة في بناء فلاحة تجمع بين الأداء والاستدامة.

وفي عالم تتزايد فيه هشاشة التوازنات الغذائية والبيئية، يبدو أن المغرب أمام فرصة حقيقية لصياغة نموذج متميز.

نموذج يبدأ من قاعات التكوين، ويمتد إلى الحقول، ويتجسد في القدرة على جعل السياسات العمومية تنصت لنبض الإنسان وواقع الأرض.

الدكتور أنور الشرقاوي،  خبير في الإعلام الطبي والعلمي