أحمد الحطاب: المال عندما يتحوَّل من وسيلة اجتماعية واقتصادية إلى سلطة مطلقة

أحمد الحطاب:  المال عندما يتحوَّل من وسيلة اجتماعية واقتصادية إلى سلطة مطلقة أحمد الحطاب

منطِقياً وعملياً، المال يلعب أدواراً مختلفةً في المجتمعات البشرية. لكنه، أولاً وقبل كل شيء، رمزٌ من الرموز البشرية un symbole parmi les symboles humains التي نالت ولا تزال، اتفاقاً جماعياً واجتماعياً، وأصبحت، بعد هذا الاتفاق، واحداً من مُحرِّكات المجتمعات البشرية التي تُعَدُّ إما أعرافاً des normes وإما قوانين des lois تُنظِّم هذه المُجتمعات.

والمالُ ليس هو الرمز الوحيد الذي ينبني عليه تنظيمُ المجتمعات. والرموز البشرية التي تساهم في تنظيم المجتمعات وتمكِّنها من الاشتغال اليومي le fonctionnement quotidien، بعد الاتفاق عليها جماعيا واجتماعياً، كثيرة.

ويمكن أن تكون هذه الرموز ماديةً ملموسةً، كما يمكن أن تكونَ معنوِية (فكرية). وفيما يلي، سأذكر البعضَ منها. مثلا : اللغة والتواصل، عَلَمُ البلاد drapeau de la nation، النشيد الوطني l'hymne national، الحرية، المساواة، العدل، الديمقراطية، الدين، الطقوس الدينية، اللباس، نماذج البناء، الآثار التاريخية…

إذن المال ليس إلا رمزاً من الرموز المتَّفق عليها جماعياُ واجتماعياً منذ ما يزيد عن سبعة قرونٍ قبل الميلاد. غير أن المُجتمعات البشرية تتطوَّر. ومع هذا التَّطوُّر، تتغيَّر نظرة الإنسان لبعض الرموز الاجتماعية. وهذا هو ما وقع بالنسبة للمال الذي تحوَّل من مجرَّد رمز اجتماعي يسهِّل الحياةَ على المستويين الفردي والجماعي، إلى شيءٍ ملموس يمكن، بواسطته، بسطُ سيطرةِ أو نفوذِ الغني على الفقير، والقوي على الضعيف والجماعة على الفرد والجماعة على الجماعة.

وهكذا، فإن المالَ تحوَّلَ من مجرَّد وسيلة تسهِّل الحياة الاجتماعية الفردية والجماعية، إلى وسيلة سيطرة ونفوذ. فعوض أن يُسهِّلَ التبادلات وامتلاك الأشياء، أصبح قوةً واقعية لها القدرة على تحويل البنيات الاجتماعية les structures sociales، وجعلها تميل  إلى ما يفرِضه ميزانُ القوة. بل المال قد يُسهِّل الطريق نحو التَّحكُّم في مصير الأفراد والجماعات.

وهذا هو ما سارت عليه جلُّ أحزابِنا السياسية إذ، سرعان ما تبادر لها في الأفق، أن الجمعَ بين السلطة والمال، قوة ما بعدها قوة. السلطة لبسط السيطرة والنفوذ. والمال لشراء كل شيءٍ، بما في ذلك شراء الضمائر. ولهذا، فالمال أصبح "عُملةً سياسيةً" قوية تستطيع أن تحقِّقَ كلَّ أهداف الأحزاب السياسية ولو كانت غير مشروعة.

وهذا هو الشغلُ الشاغِل لجلُّ أحزابنا السياسية، اليوم وغدا وبعد غد، أي هذا هو حالها، وخصوصا، ما اعتاد الناسُ على تسميتِه ب"الأحزاب الإدارية".

عند هذا النوع من الأحزاب السياسية التي تجمع بين السلطة والمال، المواطن ليس مواطنا بما للكلمة من معنى. ومُواطنتُه لا قيمة لها إلا في الحملات الانتِخابية. خارجَ هذه الحملات، فهو مجرَّد رقمٍ على بطاقة وطنية يمكن التلاعبُ به متى تشاء وتريد الأحزاب السياسية. بل يمكن للمال أن يشتَريَه كما تُشْتَرى الماشيةُ من الأسواق.

ولهذا، فإن هذا النوعَ من الأحزاب السياسية يُمارس سلطةً مطلقة ممُقنَّعة une autorité absolue masquée. لماذا؟

لأن مثلِ هذه الأحزاب السياسية لا تنظر، مثلاً، إلى الديمقراطية كأسلوب حضاري وراقي قد يقود الحزبَ إلى كراسي السلطة، وقد لا يقود. بل أحزابُنا السياسية تنظر إلى الديمقراطية، من وِجهة نظرٍ عددِية، أي إلى وجود أغلبية عددِية في البرلمان تُمرِّر كل ما له علاقة بأعيان هذه الأحزاب، من حيث التشريع وتدبير الشأن العام. وهذا هو ما نلاحِظه، في تدبير هذا الشأن عند الحكومة الحالية المشكَّلة من ثلاثة أحزاب.

والدليل على ذلك، لا البرلمان ولا الحكومة اتَّخذا إجراءاتٍ تُخفِّف من الضغط المُهيمن على جيوب المواطنين (رجالاً ونساءً)، سواءً ذهبوا إلى الأسواق أو إلى محطات تزويد السيارات والشاحنات والحافلات بالمحروقات. أينما ذهبوا، يحترِقون بنارِ غلاءِ المعيشة. لماذا؟

لأن جلَّ أحزابِنا السياسية اختزلت دور المال في المجتمع، ليس في ضمان كرامة عيش المواطنين، لكن في كل ما يخدم مصالحَها. والمصلحة الأولى والأخيرة، عند هذه الأحزاب، تتمثَّل في الوصول إلى كراسي السلطة، عبر انتخابات مشكوكٌ في نزاهتِها، وخصوصا، الانتخابات التَّشرعية التي تفتح البابَ على مصراعيه للاقتراب من الموارد المالية العامة.

فعوض أن تفكِّرَ أحزابُنا السياسية في التوزيع العادِل والمنصِف للثروة التي تُنتِجها البلاد، عبر التنمية، فإنها تبدل الجُهدَ تِلو الجهد لتبقى هذه الثروة بين أيادي قلة قليلة une  hyperminorité التي تملك السلطةَ والمالَ. هل رأيتم حزباً سياسياً واحدا "ناضل" من أجل أن يكونَ توزيع الثروة التي تُنتِجها البلادُ، توزيعاً عادِلاً ومُنصِفاً؟

وهنا، يُدرِك المواطنون لماذا أحزابُنا السياسية لا تسعى لمحاربة الفساد والريع، ولا لمحاربة الأمية ولا لتوزيع الثروة التي تُنتِجها البلاد توزيعا عادلاً ومُنصِفاً ولا لمُحارَبة الفقر…

والدليل على ذلك، هو النوايا السيئة لأحزابِنا السياسية، المُتمثِّلة في سَحبِ من مناقشات البرلمان القانونَ الذي يتعلَّق بالاغتناء غير المشروع، ومَرَّرت قانون الإضراب عن العمل، رغم الرفض النقابي، وحاولت أن تضربَ عرض الحائط قانون الصحافة لولا رفضه من طرف المحكمة الدستورية…

جل الأحزاب السياسية، بصفة عامة، والأحزاب السياسية الثلاثة، المُشكِّلة للأغلبية البرلمانية والحكومية، جعلت من المال قوةً سياسية، هي التي، بموجبِها، يُدبَّر الشأنُ العامُّ. وهذا يعني أن تدبيرَ الشأن العام مبني على هذه القوة السياسية، وخصوصا، أن البرلمانَ والحكومةَ يضمَّان في صفوفِهما نساءَ ورجالَ أعمالٍ أثرياء، يرغبون في نماءِ ثروتهم، وآخرين راغبين في أن يصبحوا من الأثرياء. وقد نقول إن البرلمان الحالي والحكومة الحالية مبنيان على تبادل المصالح.